
أمير الصالح
في خبر منتشر بمعظم نشرات الاخبار الاقتصادية العالمية الغربية للاسبوع الماضي مفادة انهيار سبعة آلاف (٧٠٠٠ ) مطعم بعموم دولة كندا للعام ٢٠٢٥، ويرجح الخبراء الاقتصاديون طبقًا للمصادر ذاتها ودراسات أكاديمية من جامعة Dalhousie University بتلاشي أربعة آلاف (٤٠٠٠ ) مطعم آخر بالعام الجاري ٢٠٢٦ م (١). تحدث محللون عدة في الصحف والتلفاز وضجت التعليقات بمواقع السوشل ميديا مثل تويتر والتيك توك لتحليل أبعاد ذاك النبأ وانعكاساته على الاستثمار وصغار المستثمرين والأمن الوظيفي وحواضن الأعمال وفرص العمل للمهاجرين الجدد. شخصيًّا لفت نظري تعليق في تطبيق X، مفاده أنه إلى جانب ضريبة الدخل العالية في كندا وضريبة المشتروات، ضرائب أخرى، وجفاف السيولة وهبوط جودة طعم الأطباق ببعض المطاعم وسرعة تغيير الهبات والترندات في الطلب على أصناف الطعام، أضحى عدد ليس بالقليل من المستهلكين يشعر بأنه مخنوق من تصاعد المصاريف في نطاقات عدة شملت الطعام. حتى أخذ البعض في اامناقشة والمطالبة بمراجعة ثقافة البقشيش في مطاعم كندا وأمريكا وأوربا، لأن الأدنى ١٢٪ والأقصى ١٨٪-٢٢٪ من قيمة الفاتورة الإجمالية للطعام.
ظواهر سلوكية تحتاج لمراجعات
في تقليد أعمى لمظاهر الإسراف والتبذير والتصنيف الأرستقراطي الطبقي تسرب عبر استنساخ لقطات من بعض الأفلام الرومانسية العالمية، ومقاطع من مسلسلات حياة الأثرياء وقصص الحب إلى جانب وجود حديثي نعمة ممن يحملون ثقافات متنوعة والسفر لبعض لدول الاستهلاكية حتى النخاع، حيث الفنادق ذات النجوم الخمس والمطاعم الباذخة، تسربت ظاهرة لم تكن تُعرف في مجتمعات محافظة أو تحمل عنفوانًا كبيرًا لمعاني الكرامة وعزة النفس والإباء، وهي ظاهرة الإسراف والتبذير والمفاخرة بأنماط مختلفة، منها البقشيش العالي جدًّا (tips). نعم، من الجيد أن يُكرم الإنسان نفسه وأهل بيته وأصدقاءه الأوفياء، ويدلل الإنسان كرشه بين الحين والحين، ويستلذ بتناول وجبته في أماكن محترمة، ولكن من المهم أن لا يجعل طلب أصناف الطعام الغريبة أو الأطباق كبيرة الحجم جدًّا وإعطاء البقشيش العالي حد المفاخرة أو إهانة (الجرسون/السفرجي/ النادل) عبر التصوير والنشر في السوشل ميديا. وليس من العدل أن يكون مرتب النادل من رواد المطعم وليس من صاحب المطعم أو الدفع له بمرتب منخفض جد؟ًا. وهنا برزت ظاهرة جديدة ومؤلمة ومكلفة وهي ظاهرة شبه إخضاع أو شبه إجبار للزبائن بدفع بقشيش عالٍ حياءً أو خجلًا أو غمزًا ولمزًا أو تذللًا أو استجداءً في بعض الأحيان. وامتدت الظاهرة المشؤومة (البقشيش) لتطال أية خدمة يقدمها آخرون، مثل حمل حقائب النزيل بالفندق، وخدمة توصيل الطلبات للمنزل، وخدمة أوبر لتوصيل الركاب، وخدمة الحلاقة للعريس، وخدمة تزيين العروسة، وخدمة التمريض المنزلي لكبار السن، وخدمة محلات تصنيف اللحوم، وخدمة تنظيف الحمامات العامة ببعض الدول، وحتى خدمة تنظيف لونجات بعض المطارات في بعض الدول و.. و.. …. إلخ.
بين عزوف وترشيد ملحوظ من طلب الطعام من المطاعم والمطابخ والمقاهي
مع موجات التضخم لأسعار السلع وانتكاسات أسواق العمل وانخفاض أو ثبات المداخيل لقطاع عريض من الناس، وصعود نسب الضرائب، وتذبذب سعر صرف العملات ببعض البلدان، وكرد فعل أخذ الكثير من الناس بتحليل مصاريفهم ومراجعة سلوكهم الاستهلاكي. وعليه جفل وأعرض الكثير من ذوي الدخل المتوسط وشبه المنخفض من الذهاب للمطاعم الفاخرة وشبه الفاخرة والمقاهي بشكل دوري كما اعتادوا عليه سابقًا. فتراجعت مبيعات بعض المطاعم، وبعضها انهارت حتى بعد ضمادات وعمليات تقليص تكاليف وعروض بيع ترويجية مخفضة ومتكررة. ولذا لا عجب أن أغلق سبعة آلاف مطعم محلاتهم. وحتمًا قطاعات أخرى تأثرت على ضوء ذلك.
الدروس المستفادة
١- إلى اصحاب المطاعم والمقاهي والمطابخ: في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، لا بد من مراجعة الأسعار لكل السلع والأطباق، حتى الرئيسة منها، لكي لا يحدث في المطاعم الأخرى ما حدث في سوق المطاعم الكندية من إفلاس عدد معتبر منها. وكذلك ننصح أصحاب المطاعم بتجنب الإمعان في ترويج ثقافة البقشيش العالي ومنعها في المطاعم والمقاهي والصالات والمطابخ وأوبر إيت، والخدمات الأخرى بالقدر الممكن. والتفكير الجدي في إطلاق نماذج أعمال Business model وبوفيهات ال Drive thru ولا سيما في المناطق السياحية ومناطق سكن الطلاب والعمال العزاب، لتقليل التكلفة التشغيلية للمطاعم. وننادي بوجوب التخصص بناء على التمييز وليس الاستنساخ لتجارب مطاعم ناجحة والافتتاح لمطاعم ممثلة بالقرب من بعضها البعض.
٢- إلى المستهلك:
أخي المستهلك كنت وما تزال محور اهتمام صانع السوق الحقيقي وليس تاجر التجزئة، لأن شعار (الزبون أولًا) customer first ما يزال قائمًا. ومن حقك أن تطالب بطعام أفضل وأسعار أكثر تنافسية وجودة خدمة أرقى ومرافق أنظف. وأكرم النادل بالقدر المعقول إن كانت خدمته تستحق والطعام لذيذ وأنت متمكن ماليًا ولست طالبًا/ معسورًا.
٣- إلى الأبناء والشباب والعزاب والمبتعثين
ليس من الحكمة الاعتماد على الطلبات من المطاعم عبر التطبيقات الإلكترونية العديدة، فإن ذلك يستنزف جيوبكم؛ بل يجب عليكم تعلم بعض فنون الطبخ ولو الرئيسة لإعداد الوجبات الصحية التي تحبون أكلها بأيديكم، فالاعتماد على النفس وعدم إنهاك محفظة أموالكم أو محفظة الوالدين أمر اساس وضروري وأخلاقي. فإن ما يمكن للأبوين ادخاره اليوم سيكون لكم سندًا وعونًا في بلوغ وتحقيق كل أو غالبية أو بعض أحلامكم بالمستقبل.
٤- إلى الأسر وأصحاب الأفراح
أول خطوة لإنجاح حفلات الزفاف هو حسن التخطيط وحصر أعداد المدعوين؛ وعليه ترتيب كميات الأطعمة لتفادي رمي فائض كبير من الطعام أو الوقوع بالحرج بسبب نقص الكمية مقابل أعداد المدعويين غير المتوقع سلفًا. فلا إفراط ولا تفريط.
المستثمرون الجدد
التضخم في المعروض لأي نشاط تجاري حتمًا سيشعل حرب تنافس شريفة وغير شريفة. ونعلم علم اليقين وفي أكثر من دولة عربية وغربية، في عالم المطاعم والبوفيهات والمطابخ بأن هناك من يدعي بأن مصادر لحومه مذكاة شرعًا ولكن في الواقع الأمر غير ذلك. فإذا وجدت تضخمًا في المعروض لأية سلعة أو نشاط تجاري، ففتش عن نشاط تجاري آخر سواء مشروع تصنيعي أو خدمات أو مفرزنات أو مقاولات أو خدمات نقل … إلخ. مواقع تهيئة ومواقع عديدة متوافرة في قنوات رسمية وغير رسمية ورقمية تفتح الآفاق وتحد من خوض تجارب فاشلة وخسائر فادحة.
نصيحة
أنصح نفسي والأخرين بقراءة كتاب The Startup Graveyard لاستلهام أفكار وتصحيح مسارات قبل البدء بأي مشروع صغير ومتوسط.
مبادرة
أقترح إطلاق حملة حول العالم تترجم حق تخطيط المناسبات بفعالية أكثر وتحمل شعار ” كن أكثر رشدًا – Be wiser” مع إرفاق صورة توضيحية ترمز لذلك. وتجنب كل مطعم أو محل أو منطقة سياحية تتعمد استغلال الناس في المواقع المقطوعة أو الأسعار المبالغ فيها. ولنساهم في جعل كل إنسان طيب ومحترم، شبعان في رمضان شعبان. وهذا يتسق ومقطع الدعاء ” اللهم اشبع كل جائع . اللهم ….” الدعاء.
المصادر
١- Dalhousie University
٢- https://nationalpost.com/life/food/restaurant-closures-2026



