
زكي الجوهر
لم تعد الأجيال مجرّد تواريخ ميلاد متتابعة، بل تحوّلت إلى خرائط نفسية واجتماعية تشرح كيف يفكّر الإنسان، وكيف يرى العالم، وكيف يتفاعل مع الفرص والأزمات. فكل جيل هو نتاج مباشر لظروفه السياسية والاقتصادية والتقنية، يحمل جراح عصره كما يحمل أحلامه. وبين جيلٍ وُلد على ضوء السراج، وجيلٍ يولد اليوم على وهج الشاشات والذكاء الاصطناعي، تمتد حكاية إنسانية عميقة تستحق التأمل.
الجيل الصامت (مواليد 1928 – 1945): أبناء الصدمة الكبرى
وُلد هذا الجيل والعالم يحترق حرفيًا. فتح أفراده أعينهم على الكساد العظيم، والحروب العالمية، والفقر بوصفه واقعًا يوميًا لا استثناء. محليًا، عاشوا زمن ما قبل النفط، حيث كانت الحياة معركة بقاء حقيقية: غوص، وزراعة، وبيوت طين، ولا ضمانات للغد.
الجيل الصامت هو جيل الصدمة الحضارية بامتياز؛ فهو الوحيد الذي انتقل من ركوب الدواب إلى ركوب الطائرات، ومن ظلام الصحراء إلى أضواء المدن الحديثة في عمرٍ واحد. نفسيًا، تبرمج هذا الجيل على الخوف من الفقر، فصار يقدّس الوظيفة ويحسب للقرش ألف حساب، لأنه ذاق الجوع ويعرف طعمه. لغته لم تكن لغة كلام أو تعبير عاطفي، بل لغة فعل وتحمّل. لا يجيد التعبير عن مشاعره، ولكنه مستعد أن “يحفر في الصخر” ليؤمّن مستقبل أبنائه.
اليوم، يعيش كثير منهم غربة صامتة؛ بنوا الأساسات التي نقف عليها، ولكنهم يشعرون أن العالم السريع تجاوزهم دون أن يلتفت إليهم.
جيل الطفرة (مواليد 1946 – 1964): أبناء الفرص الواسعة
هذا هو الجيل الذي “أكل الجو” حرفيًا. وُلد بعد الحرب، مع بدايات الاستقلالات، واكتشاف النفط، وتحوّل موازين القوة. سُمّي بجيل الطفرة لأن أعداده انفجرت، ومعها انفجرت الفرص.
عاش هذا الجيل العصر الذهبي للوظائف والعقار؛ شهادة بسيطة كانت كفيلة بمنصب محترم، وأراضٍ تُشترى بثمن زهيد وتُساوي لاحقًا ملايين. شهد صعود القومية العربية، وبدايات التلفزيون الذي بدا حينها كالسحر. نفسيًا، يتمتع بثقة عالية بالنفس، تصل أحيانًا إلى الغرور، إذ يشعر أفراده أنهم “صنعوا أنفسهم”، رغم أن الظروف الاقتصادية السخية لعبت دورًا حاسمًا في نجاحهم.
اليوم، ما يزال هذا الجيل يمسك بمفاصل الإدارة والتجارة والمناصب الكبرى. علاقته بالأجيال اللاحقة تتسم بشيء من الاستعلاء، وتتكرر عبارته الشهيرة: «أنتم ما شفتوا تعب». ورغم ذلك، فهو الجيل الذي وضع القواعد الصارمة للمجتمع الحديث ورسّخ مفهوم الوظيفة الحكومية كملاذ آمن، بعدما شاهد كيف يمكن للأحلام الكبرى أن تنهدم في لحظة.
جيل إكس (مواليد 1965 – 1980): الجيل المنسي
هو الطفل الأوسط في تاريخ الأجيال؛ ضائع بين زحام جيل الطفرة وضجيج جيل الألفية. هذا الجيل هو الجسر الحقيقي بين عالمين. آخر من لعب في الشارع حتى أذان المغرب، وأول من عرف الفيديو والكمبيوتر والإنترنت البطيء.
عاش طفولة تناظرية وشبابًا رقميًا، ما منحه تركيبة عقلية فريدة. هو جيل الكاسيت، والمسلسلات المدبلجة، والرسوم المتحركة التي غرست قيم البطولة والانضباط. لكنه في المقابل، أكثر جيل “انطحن” في بداياته المهنية؛ دخل سوق العمل مع الأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية.
نفسيًا، هو جيل مستقل بطبيعته؛ تربّى على الاعتماد على النفس، إذ كان الأبوان يعملان، ومفتاح البيت معلّقًا في الرقبة. يحاول اليوم التوفيق بين تربية صارمة تلقاها، وانفتاح واسع يراه في أبنائه. في العمل، جاد وصامت، يكره الاجتماعات الفارغة، ويقدّس التوازن بين الحياة والعمل لأنه رأى آباءه يستهلكهم العمل حتى النهاية. يحمل حنينًا جارفًا للماضي، لأنه كان أوضح وأهدأ قبل ضجيج السوشيال ميديا.
جيل الألفية (مواليد 1981 – 1996): جيل الوعود المكسورة
هو الجيل الذي “أُكل المقلب”. كبر على وعد واحد: ادرس، تخرّج، تحصل على وظيفة محترمة وتعيش حياة مريحة. لكنه حين دخل سوق العمل، وجد عالمًا ينهار اقتصاديًا، وأزمات مالية عالمية، وحروبًا قلبت الطاولة.
هو أول جيل رقمي حقيقي؛ نشأ مع المنتديات، وغرف الدردشة، وبدايات فيسبوك وتويتر، وشهد العولمة وهي تدخل كل بيت. في الوقت نفسه، عايش احتلال العراق والربيع العربي في عز شبابه، ما خلّف صدمة وجودية عميقة.
جيل الألفية هو جيل القلق؛ يركض في سباق بلا خط نهاية: ديون، غلاء معيشة، وصعوبة تملك السكن. يُتهم بالدلع، رغم أنه الأكثر تعليمًا ووعيًا. نفسيته هشة نسبيًا بسبب المقارنات المستمرة مع حياة الآخرين على الشاشات. لكنه الجيل الذي كسر التابوهات، وتحدث عن الصحة النفسية، والشغف، والعمل الحر. يفضّل التجربة على التملك، والسفر على اقتناء الكماليات. علاقته بالتكنولوجيا علاقة حب وكره؛ لا يستطيع العيش دونها، لكنه يدرك أثرها السلبي عليه.
جيل زد (مواليد 1997 – 2012): أبناء الإنترنت الدائم
هذا الجيل لم “يدخل” الإنترنت؛ بل وُلد فيه. الهاتف الذكي رافقه منذ الطفولة، والسوشيال ميديا شاركت في تربيته. ذكي، سريع، بلا صبر، يريد المعلومة في 30 ثانية أو يغادر.
هو الأكثر انفتاحًا وتقبّلًا للاختلاف، حيث تلاشت الحدود الجغرافية والثقافية. لكن هذا الانفتاح له ثمن؛ القلق والاكتئاب بلغا مستويات وبائية، خصوصًا بعد تجربة كورونا والعزلة. قوي خلف الشاشة، خجول وجهًا لوجه. يشكّك في المسلّمات كلها: الدين، والعادات، والأنظمة، والهوية. لغته خليط من العربي والإنجليزي ومصطلحات الإنترنت.
جيل زد يستخدم السوشيال ميديا كأداة تغيير: يطالب بالحقوق، ويفضح الانتهاكات، ولا يخاف من السلطة. لكن مشكلته الكبرى هي تشتت الانتباه، وضغط المثالية المصطنعة، حيث يشعر أنه يجب أن يكون مشهورًا أو مليونيرًا في العشرين، وإلا فهو فاشل.
جيل الألفا (مواليد 2013 وما بعد): التجربة المفتوحة
هم أطفال الآيباد، والتجربة التي لم نعرف نتائجها بعد. وُلدوا والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي أمرًا واقعًا. الشاشات بالنسبة لهم ليست أدوات، بل امتداد للجسد. يواجهون تحديًا خطيرًا: فقدان الخصوصية، فحياتهم موثقة منذ صورة السونار الأولى.
يُربَّون غالبًا بأسلوب “الصديق” لا “الأب الصارم”، ما قد ينتج جيلًا قوي الشخصية، عالي الاستحقاق، لكنه هش أمام الرفض. التعليم التقليدي بات مملًا لهم مقارنة بإثارة المحتوى الرقمي. سيكونون الأكثر إلمامًا بالتكنولوجيا في تاريخ البشرية، لكن القلق كل القلق على مهاراتهم الإنسانية: التعاطف، الصبر، والتواصل الحقيقي.
من جيل الصامت إلى جيل الألفا، نحن لا نشاهد مجرد اختلاف أعمار، بل تحوّل الإنسان نفسه. أجيال تحاول التعافي من صدمات الماضي، وأخرى تعيش مستقبلًا لم تتضح معالمه بعد. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تصنعنا التكنولوجيا أكثر إنسانية… أم أكثر برودة؟
الإجابة ستكتبها الأجيال القادمة، ونحن شهود على الفصل الأول فقط.



