
السيد فاضل آل درويش
سبر أغوار تلك التحفة السنية والكنز المعرفي والروحي فيها يحتاج إلى أدوات ووسائل فكرية تستخرج ما في بطونها من لآليء يتزيّن بها العقل البشري، وترتوي تلك النفوس الظمأى والتوّاقة إلى منهج ينير دربها في وسط لجج الحياة ومحطاتها الصعبة، إذ تمثّل مدرسة متكاملة في بناء الإنسان على مستوى العقيدة والإيمان بالله تعالى وإلقاء الضوء على آثار التدبير الإلهي لهذا الكون بكل تفاصيله، ومدرسة أخلاقية تبصّر العقول بتلك المفاهيم والمفردات التي تُعدّ مكتسبات وعوامل قوة في تهذيب النفس وتخليصها من شوائب الرذائل والعيوب والنقائص، ومدرسة سلوكية تستمد بُعدها النظري والفكري من المفاهيم والقيم القرآنية؛ لترسم بالتوازي معها خطًّا عمليًّا من التعامل الحسن والنهج التطبيقي الجميل.
فالصحيفة السجادية ليست مجرد أدعية ومناجاة يتفاعل القاريء مع ألفاظها دون النظر والتمعّن في معانيها ومقاصدها، إذ هي نصوص معرفية عميقة تعيد صياغة علاقة الإنسان بربه وفق مفهوم العبودية والطاعة الذي يُلبس الإنسان تاج الكرامة والعزة والاقتدار، فالخشية من الله تعالى ليست ضعفًا وكبتًا للغرائز وانسلاخًا عن الطبيعة البشرية، بل هي مدرسة أخلاقية تبصّر الفرد بنتائج وعواقب ما يقدم عليه من أفعال وسلوكيات، وليس هناك من عاقل يترك مائدة التهذيب الأخلاقية الغنية بالقيم الصانعة لتألقه وترفع من شأنه، كما أن نفسه تعاف وتلفظ كل ما يؤذيها ويخرّب مستقبلها الأخروي ويرديها في مهاوي العقاب الإلهي.
كما أن تلك الصحيفة الغراء تعيد علاقة الإنسان بنفسه من خلال منهج التعرف عليها بما تحمله من نقاط قوة وضعف، فينطلق في ميادين الفضائل يكتسي بها وينمّي شخصيته ويطوّرها، ويعمل من جهة أخرى على معالجة نقاط الضعف والترهّل عنده وتلك السمات غير المقبولة، كما أنها تعيد صياغة علاقة الفرد بمجتمعه وفق النظرية القرآنية القائمة على التآلف والمحبة والاحترام والتعاون والتكاتف، وهكذا نجد هذه الصحيفة مفردة مهمة في المناهج الأخلاقي نحتاج إلى صياغتها كمصدر تربوي ومعرفي أصيل، يرفد المعارف الإلهية ويحييها بمعالم وجوانب أخلاقية وروحية.
وتتميّز الصحيفة السجادية بقدرتها الفريدة على الجمع بين البعد الروحي والبعد العقلي، حيث تُقدّم التوحيد بلغة وجدانية واعية تُحرّك القلب وتوقظ العقل في آنٍ واحد، فهي تُعلّم الإنسان كيف يفكّر بالله تعالى في منهج قويم بعيدًا عن الأوهام، وتغرس في المتعلّم فهما عميقًا لمعاني العبودية والمسؤولية والافتقار الوجودي إلى الله تعالى في جميع شؤونه.
كما أن مضامين الصحيفة تسهم في بناء الضمير الأخلاقي وتعالج قضايا الإنسان الكبرى كالتواضع والعدل والصبر والإحسان وإصلاح النفس وتحمّل المسؤولية الاجتماعية، وهذه القيم تمثّل أساسًا ضروريًّا لأي مشروع تربوي يسعى إلى صناعة الإنسان المتوازن والقادر على مواجهة تحدّيات العصر دون أن يفقد هويته الروحية.




