أقلام

المناجاة خطّ إصلاحي في الدعاء السجادي

زاهر العبد الله

مقدمة:

لم تكن المناجاة عند الإمام السجّاد عليه السلام انسحابًا روحيًا من الواقع، ولا تعويضًا نفسيًا عن العجز السياسي، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، صيغ بلغة الدعاء والمناجاة، وحُمِّل بمضامين الوعي، وبُثّ في وجدان الأمة بهدوءٍ عميق في أشدّ عصور القهر الأموي. لقد علم الإمام، بحكم دوره الرسالي، وفي ظرفٍ مختنق اندثرت فيه معالم الدين، وغُيِّبت فيه الحجة، أن المواجهة المباشرة قد تُستأصل، أمّا صناعة الإنسان من الداخل فهي الباقية، المتراكمة، والعصيّة على الإلغاء.

ويتجلّى هذا الدرس الروحي العميق في ثنايا مناجاته حين يقول:

الشاهد:

«إِلَهِي لا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ… مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ»

(مناجاة الخائفين – الصحيفة السجادية)

الدلالة:

لا تعبّر هذه المناجاة عن ضعف أو هروب، بل عن إعادة تعريف لمصدر القوّة؛ إذ يحرّر الإمام(ع) الإنسان من الارتهان للسلطة الظالمة، ويوجهه إلى الارتهان لله سبحانه، وهو الأساس المتين لكل إصلاح هادئ، طويل الأمد.

ومن هنا نقف مع شواهد من تراث مولانا الإمام السجّاد عليه السلام، لننهل من معين علومه ومعارفه ما يكون زادًا لنا في دنيانا وآخرتنا.

*أولًا* : المناجاة بوصفها وعيًا روحيا قيميًّا لا طقسًا مجرد

حوّل الإمام السجّاد عليه السلام الدعاء من حالة فردية عاطفية إلى خطاب تربوي واعٍ، يُعيد ترتيب علاقة الإنسان بالله سبحانه، وبنفسه، وبالسلطة، وبالمجتمع. ففي أدعيته لا نجد طلبًا مجرّدًا، بل تشخيصًا دقيقًا لأمراض النفس والجماعة، من غرور وخوف، وتعلّق بالظالم، وفقدان للبوصلة الأخلاقية. ومن هنا جاءت مناجاته لتفضح الانحراف دون تسمية، وتقاوم الظلم من غير سلاح، وتبني الوعي بلا صدام. تجد ذلك جليًّا

حين يقول عليه السلام: في دعاء مكارم الأخلاق

« اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَصُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلَا تَبْتَذِلْ جَاهِي بِالإقْتَارِ، فَأَسْتَرْزِقَ أَهْلَ رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِيَ شِرَارَ خَلْقِكَ، فَأَفْتَتِنَ بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي،‏ وأُبْتَلَى بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ دُونِهِمْ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ‏» .

الدلالة:

يربط هذا النص الحرية الداخلية بالتحرّر من عبودية الخوف والطمع، وهما أداتا السلطة في إخضاع الناس؛ فالصحيفة السجادية هنا تحرّر الضمير قبل أن تغيّر الواقع.

ثانيًا : الصحيفة السجادية… دستور القلوب الواعية

تتجلّى في الصحيفة السجادية معالم هذا الخطّ الإصلاحي بوضوح. فدعاء العفو لا يكرّس الهروب من المسؤولية، بل يعيد الإنسان إلى محكمة الضمير، ويحمّله تبعة اختياره. أمّا دعاء مكارم الأخلاق، فليس تزكية فردية فحسب، بل تأسيس لمجتمعٍ مقاوم للظلم عبر منظومة أخلاقية واعية، تقوم على الصبر بدل التهوّر، والحلم بدل الانتقام، والعدل بدل التشفي، والصدق بدل التبرير.

إنه وعي يُعاد بناؤه من الداخل، ليغدو الإنسان عصيًّا على التوظيف السلطوي، وإن كان أعزل.

الشاهد:

«وَلا تَفْتِنِّي بِالنَّعِيمِ، وَلا تَبْتَلِيَنِي بِالْفَقْرِ»

الدلالة:

يعيد هذا النص التأكيد على أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن تحرّر الضمير شرطٌ سابق لكل تحوّل خارجي.

ثالثًا : دعاء مكارم الأخلاق… صناعة الإنسان المقاوم

يمثّل دعاء مكارم الأخلاق ذروة المشروع السجّادي؛ فهو لا يطلب فضائل تجميلية، بل أخلاقًا وظيفية في زمن القهر، تُدرّب الإنسان على ألّا يردّ الظلم بظلم، وألّا يُستدرج إلى أخلاق الطغيان، وأن يُبقي ميزان الحق قائمًا حتى وهو مكسور الظاهر.

إن هذا الدعاء يقاوم الانحراف الأخلاقي الذي يُعدّ أخطر من القهر السياسي؛ لأن الأوّل يُنتج طغاةً جدُدًا، بينما الثاني قد يُسقط نظامًا من دون أن يُصلح إنسانًا.

تجد ذلك جلياً حينما يقول عليه السلام

« اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَارْزُقْنِي صِحَّةً فِي عِبَادَةٍ، وَفَرَاغًا فِي زَهَادَةٍ، وَعِلْماً فِي اسْتِعْمَالٍ، وَوَرَعًا فِي إِجْمَالٍ‏، اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِعَفْوِكَ أَجَلِي، وَحَقِّقْ فِي رَجَاءِ رَحْمَتِكَ أَمَلِي، وَسَهِّلْ إِلَى بُلُوغِ رِضَاكَ سُبُلِي، وَحَسِّنْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي عَمَلِي‏» . دعاء مكارم الأخلاق.

رابعًا : رسالة الحقوق… الإصلاح بالنظام لا بالفوضى

في رسالة الحقوق تتّسع دائرة الإصلاح من القلب إلى المجتمع. فالحقوق عند الإمام السجّاد عليه السلام ليست شعارات احتجاجية، بل منظومة وعي تبدأ بحقّ الله سبحانه على عباده، وتمرّ بحقّ النفس، ثمّ حق الوالدين ، ثمّ حقّ الأخ، وحقّ السلطة، وحقّ الرعية، وغيرهم من الحقوق

بهذه الرؤية أسّس الإمام ثقافة الحقوق في الواقع قبل أن تتحوّل إلى أداة صراع إجتماعي، وربطها بالمسؤولية لا بالمطالبة المجردة، فكان ذلك أبلغ في حفظ المجتمع من الانهيار الأخلاقي تحت ضغط الظلم.

ومن شواهد ذلك قوله عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق:

«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ»

«وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ»

الدلالة:

ليست هذه أخلاق ضعف، بل ضبطٌ أخلاقي للمقاومة، يرفض الانزلاق إلى منطق الطغيان، والانتصار للذات، وتعظيم الأنا ، ويُبقي ميزان الحق قائمًا في زمن القهر.

ومن هذه المنظومة نذكر نماذج من الحقوق:

١. حق النفس

الشاهد:

«وَأَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ»

الدلالة:

الإصلاح يبدأ من تحمّل المسؤولية الذاتية، لا من تعليق الفشل على الأسرة ، أو المجتمع ، أوالسلطة وحدها.

٢. حق الرعية

الشاهد:

«وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتُرْعُوا بِضَعْفِهِمْ»

الدلالة:

تأسيس مبكّر لمفهوم المسؤولية الاجتماعية بوصفها صمّام أمان ضد الفوضى والانهيار الأخلاقي.

خامسًا : الدلالة المعاصرة… كيف نستفيد اليوم؟

في واقعنا المعاصر، حيث تتعدّد أشكال القهر؛ فكريًا، وإعلاميًا، واجتماعيًا، في ظل هذا التذبذب يقدّم المنهج السجّادي خارطة طريق واضحة لإعادة بناء الإنسان الواعي.

يقول عليه السلام في دعاء مكارم الاخلاق

«وَلا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا»

الدلالة:

يواجه هذا الدعاء صناعة الأصنام المعاصرة؛ من زعامة، وشهرة، وخطاب تعبوي، ويعيد مركزية القيم بدل الأشخاص.

كما يعالج الإمام عليه السلام أخطر داء يهدّد الإنسان، وهو الذنوب والمعاصي، فيفتح أمامه باب العودة الآمنة، وترتيب الحياة، واستعادة الوعي عبر التوبة الصادقة، كما في قوله في مناجاته:

«إِلَهِي إِنْ كَانَ النَّدَمُ تَوْبَةً إِلَيْكَ فَأَنَا أَوَّلُ النَّادِمِينَ» (مناجاة التائبين)

الدلالة:

الندم هنا ليس انكسارًا، بل بداية الوعي، ومن الوعي تنطلق كل حركة إصلاح حقيقية.

خلاصة المنهج السجّادي:

١-إصلاح الوعي قبل إسقاط الواقع؛ فالتغيير بلا وعي يُعيد إنتاج الانحراف.

٢-الدعاء خطاب تربوي يعالج الخلل، لا مجرّد ملجأ نفسي.

٣-الأخلاق أداة مقاومة تحصّن الإنسان من التحوّل إلى نسخة من الظالم.

٤-الحقوق منظومة مسؤولية، لا وسيلة فوضى أو انتقام.

خاتمة:

لقد أثبت الإمام السجّاد عليه السلام أن أخطر أشكال المقاومة هي تلك التي لا تُرى فورًا، ولكنها تُغيّر ما تحت السطح. فالمناجاة والأدعية والحقوق التي خطّها لم تكن بكاءً على الأطلال ولا دموع على الذنوب، ولا حزن على الحرمان. بل كتابة هادئة لتاريخ الوعي الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياه سيد الشهداء بدمه الطاهر عليه السلام، ولذلك بقي أثرها حيًّا، متجدّدًا، وقادرًا على إلهام كل زمنٍ يُبتلى بالقهر، وتزييف الحقائق، وضياع القيم. والحمد لله رب العالمين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى