
د. حجي الزويد
مقدمة: عبدالله المشعل: المثقف الأحسائي بين التربية والتاريخ والأدب
يمثّل المرشد عبدالله بن عبدالمحسن بن سالم المشعل واحدًا من الأسماء الثقافية والتعليمية والتربوية البارزة في محافظة الأحساء، ممن جمعوا بين العمل في ميدان التعليم، والعناية بالتاريخ المحلي، والاهتمام بالأدب والشعر، والاشتغال الواعي بالتراث الديني والثقافي، في مسيرة اتسمت بالجدّية، والتراكم المعرفي، والوفاء للهوية الأحسائية في بعدها التاريخي والوجداني.
ويُعدّ المرشد المشعل إحدى الشخصيات التربوية والاجتماعية والثقافية المميزة في بلدة الحليلة، حيث ارتبط اسمه بسيرة طويلة من العطاء التعليمي والعمل الهادئ المتواصل، إلى جانب إسهاماته في العمل الاجتماعي والثقافي والأدبي، في تجربة متكاملة أسهمت في بناء الإنسان، وحفظ الذاكرة المحلية، وخدمة المجتمع بروح المسؤولية والالتزام.
الأسرة والجذور:
ينتمي المرشد عبدالله إلى أسرة آل مشعل الكريمة، القاطنة حاليًا في بلدة الحليلة وإسكان الكلابية بمحافظة الأحساء، وهي أسرة ذات جذور عريقة تعود في نسبها إلى قبيلة بني خالد العربية العدنانية المعروفة، وتحديدًا من فخذ آل علي من بطن الهاشير من بني خالد.
ويُعد الجد الأعلى للأسرة هو مشعل بن خليفة بن مشعل بن جمعة العلي المشعل المهاشير الخالدي، وذلك استنادًا إلى الوثائق التاريخية المؤرخة في 15 / 7 / 1205هـ و10 / 4 / 1273هـ، وهي وثائق معتبرة في توثيق أنساب الأسر المتحضرة في إقليم هجر.
المولد والنشأة:
وُلد المرشد المشعل في بلدة الحليلة بالأحساء بتاريخ 17 / 9 / 1378هـ، ونشأ في بيئة بسيطة أصيلة، متشبعة بالقيم الدينية والاجتماعية.
والده هو المرحوم عبدالمحسن بن سالم المشعل، الذي عمل في الفلاحة، وكان رجلًا عُرف بالطيب والتسامح والورع، وقد توفي رحمه الله والأستاذ عبدالله لا يزال صغيرًا، قبل أن يلتحق بالمدرسة، فكان لفقد الأب أثره المبكر في تشكيل شخصيته.
أما والدته فهي المرحومة مريم بنت حسن الياسين، امرأة مؤمنة صابرة، قامت بتربية أبنائها وأبناء أختها على أحسن حال، وغرست فيهم القيم الدينية والأخلاقية، وكانت مثالًا في الصبر والاحتساب، حتى وافتها المنية في 19 / 11 / 1396هـ.
التعليم والتكوين العلمي:
التحق المرشد المشعل بمدرسة الحليلة الابتدائية، ثم انتقل إلى مدينة الهفوف للدراسة في المدرسة المتوسطة الحديثة، ومنها إلى مدرسة المبرز الثانوية التي تخرج فيها عام 1398هـ.
وبعدها توجّه إلى العاصمة الرياض، حيث التحق بـ جامعة الملك سعود، كلية الآداب، قسم اللغة العربية وآدابها، ودرس فيها أربع سنوات، مما أسهم في صقل ميوله الأدبية والثقافية، وتعزيز أدواته اللغوية والنقدية.
المسيرة التربوية:
في عام 1403هـ عُيّن المرشد المشعل معلّمًا في مدرسة الحليلة المتوسطة، حيث أمضى فيها ثلاثة عشر عامًا شكّلت محطة تأسيسية في مسيرته التربوية. وقد عُرف خلال تلك السنوات بالجدّية والانضباط، والحرص على أداء رسالته التعليمية بإخلاص، إلى جانب تمتّعه بعلاقة تربوية متزنة مع طلابه وزملائه، قائمة على الاحترام، والتوجيه الهادئ، وغرس القيم قبل المعرفة، الأمر الذي أكسبه تقدير الوسط التعليمي والمجتمع المحلي.
وفي عام 1416هـ انتقل إلى مجال الإرشاد الطلابي، فتم تعيينه مرشدًا طلابيًا في مدرسة أبي سعيد الخدري الابتدائية ببلدة الحليلة، حيث اضطلع بدور تربوي مهم في متابعة شؤون الطلاب السلوكية والتعليمية والنفسية، وأسهم في معالجة العديد من القضايا التربوية بأسلوب حكيم ومتزن. ثم نُقل إلى مدرسة الحليلة الابتدائية، وبقي فيها تسع سنوات قدّم خلالها أنموذجًا متميزًا في الإرشاد المدرسي، معتمدًا على القرب من الطلاب، والتواصل مع أولياء الأمور، والتنسيق مع الهيئة التعليمية.
وبموجب نظام التدوير، انتقل بعدها إلى مدرسة الزبير بن العوام في بلدة البطالية، حيث عمل مرشدًا طلابيًا لمدة سنتين، وواصل خلالها أداءه التربوي بنفس الروح والمسؤولية، مسهمًا في دعم البيئة التعليمية وتعزيز الاستقرار النفسي والسلوكي للطلاب.
وبناءً على رغبته الشخصية، عاد المرشد المشعل إلى مدرسة الحليلة المتوسطة مرشدًا طلابيًا، ليختتم فيها مسيرته المهنية، حيث استمر في عمله حتى تقاعده عام 1435هـ، بعد خدمة تربوية امتدت اثنين وثلاثين عامًا، تنوّعت بين التعليم المباشر والإرشاد الطلابي، وخلّفت أثرًا تربويًا واضحًا في أجيال متعاقبة من الطلاب.
وتقديرًا لهذه المسيرة الحافلة، أُقيم له حفل تكريمي مميز حضره جمع كبير من الأهالي، وزملائه في الميدان التربوي، بإشراف مدير المدرسة آنذاك الأستاذ محمد المختار، في مشهد عبّر عن الامتنان والعرفان بجهوده الطويلة، ودوره المؤثر في خدمة التعليم وبناء الإنسان في بلدة الحليلة وما حولها.
النشاط الاجتماعي والعمل التطوعي:
كان للمرشد المشعل حضورٌ مبكر ولافت في العمل الاجتماعي، تشكّل منذ سنواته الأولى، حين احتكّ بجيل الروّاد في بلدة الحليلة، واستفاد من مجالسهم العامرة بالحوار والفكر والخبرة. فقد تأثر منذ صغره بأسماء كان لها حضورها الاجتماعي والثقافي المؤثر، من أمثال أخيه أبي عماد، والمرحوم سالم البحراني، وأبي فوزي الكشي، وعلي محمد السناوي، ومحمد العاشور وغيرهم، حيث مثّلت تلك المجالس مدرسة اجتماعية مفتوحة، أسهمت في صقل وعيه، وتوسيع مداركه، وتعزيز حسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه.
وفي إطار هذا الحضور الاجتماعي، التحق المرشد المشعل بـ نادي العدالة منذ عام 1387هـ، وشارك في أنشطته الثقافية مبكرًا، حيث عمل ضمن اللجنة الثقافية للنادي، وأسهم في تنظيم البرامج والفعاليات ذات الطابع الثقافي والاجتماعي. ومع مرور الوقت، أصبح عضوًا في مجلس إدارة النادي، وكان له دور فاعل في متابعة إجراءات تسجيل النادي رسميًا لدى الجهات المختصة، ولا سيما خلال فترة دراسته في مدينة الرياض، في جهدٍ يعكس حرصه على العمل المؤسسي واستدامته.
كما ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بـ جمعية الحليلة الخيرية منذ تأسيسها، إذ كان من أعضائها المتطوعين الأوائل، وشارك في أنشطتها الخيرية والاجتماعية بروحٍ خالصة وخدمة صامتة. ثم انضم إلى مجلس إدارتها، وبقي عضوًا فيه لمدة اثني عشر عامًا، تدرّج خلالها في عدد من المناصب الإدارية، حتى تولّى رئاسة الجمعية، حيث شهدت خلال فترة رئاسته نشاطًا ملحوظًا وتطورًا في آليات العمل، وتنظيم البرامج، وتوسيع نطاق الخدمة الاجتماعية.
ومن أبرز محطات عطائه الاجتماعي، رئاسته للجنة السداسية للزواج الجماعي لدورتين متتاليتين، وهي تجربة اجتماعية نوعية هدفت إلى دعم الشباب وتخفيف أعباء الزواج. وقد شهدت هذه المبادرة في عهده تطورًا ملحوظًا من حيث التنظيم، والتواصل المجتمعي، وبناء الشراكات، وأسهمت في ترسيخ مفهوم التكافل الاجتماعي. كما أتاحت له هذه التجربة بناء شبكة علاقات واسعة على مستوى محافظة الأحساء، قائمة على الثقة والاحترام والعمل المشترك لخدمة المجتمع.
وتعكس هذه المسيرة الاجتماعية المبكرة والممتدة شخصية المرشد المشعل بوصفه فاعلًا مجتمعيًا واعيًا، جمع بين العمل الميداني، والتنظيم المؤسسي، والالتزام الأخلاقي، في تجربة اتسمت بالاستمرارية، والهدوء، والإخلاص في خدمة الناس والمكان.
العمل الديني والتنظيمي:
شارك في حملات الحج والعمرة إداريًا متطوعًا، وأسّس مع مجموعة من زملائه حملة الولاية للعمرة، وكان مشرفًا عليها لسنوات.
كما عمل في حملة المعاد التي يشرف عليها سماحة العلامة الشيخ علي الدهنين، حيث ترأس لجنتها الدينية ثم مجلس إدارتها، وشهدت في عهده تطورًا تنظيميًا ملحوظًا.
وفي عام 1420هـ التحق بـ قافلة المهدي المنطلقة من بلدة الحليلة، وأُجمع أعضاؤها على اختياره أمينًا عامًا لها، ولا يزال يحظى بتقدير واحترام جميع منسوبيها.
الاهتمامات الثقافية والأدبية:
عُرف المرشد المشعل بشغفه بالقراءة والتحصيل والمتابعة الثقافية، حتى أصبح من الرموز الثقافية في بلدته.
شارك في الشعر منذ صغره، وكتب القصائد في مختلف أغراضها، ولا سيما الشعر الديني، وشارك في العديد من المحافل.
ومن أعماله الشعرية:
• ديوان ذخيرة الآخرة في مدائح ومراثي العترة الطاهرة
• أرجوزة الماشين إلى منارة العاشقين
إضافة إلى مؤلفاته وبحوثه ومقالاته التاريخية والثقافية، التي أسهمت في توثيق ذاكرة المكان والإنسان.
قدّم المرشد المشعل إسهامات علمية وأدبية متنوّعة، جمعت بين التأليف، والتحقيق، والبحث، والتوثيق، وأسهمت في حفظ ذاكرة المكان والإنسان في الأحساء، وتسليط الضوء على تراثها الديني والأدبي، ولا سيما ما يتصل بالشعر المرتبط بأهل البيت عليهم السلام.
ففي مجال الرواية الأدبية، صدرت له الأعمال الآتية:
• في موكب الهداية
• وأشرق القلب
• على بساط النور
• وبدأت الحياة
وفي مجال التحقيق الشعري، أسهم في إحياء نتاج عدد من شعراء الأحساء، من خلال:
• تحقيق ديوان الخضير للمرحوم علي الخضير (طُبع مرتين).
• ديوان الحرف الحزين للمرحوم علي الخضير (طُبع مرتين).
•و تحقيق ديوان السناوي للمرحوم ناصر السناوي.
أما في مجال الدراسات الأدبية والتوثيقية، فقد تنوّعت مؤلفاته بين البحث والتحليل والتأريخ، ومن أبرزها:
• الغدير في الشعر الأحسائي (في عدة أجزاء)، شارك به في مسابقة الغدير الثقافية للبحوث والترجمة، وصدر لاحقًا ضمن الموسوعة الخاصة بها، في عمل يعكس جهدًا توثيقيًا دقيقًا وقراءة معمقة لحضور واقعة الغدير في الشعر الأحسائي.
• أربعينية الإمام الحسين: عالم المسيرة المعجزة، وهو كتاب يجمع بين البعد العقائدي والبعد الأدبي، مقدّمًا قراءة واعية لمسيرة الإمام الحسين عليه السلام بوصفها مدرسة في القيم والوعي والتضحية.
• ذخيرة الآخرة في مدائح ومراثي العترة الطاهرة، وهو ديوان شعري عبّر فيه عن الحس الوجداني والولاء الروحي، مستندًا إلى تقاليد الشعر الديني الأحسائي العريق.
• شيء من تأريخ الحليلة، وهو عمل توثيقي مهم في حفظ تاريخ بلدة الحليلة، ورصد ملامحها الاجتماعية والثقافية وشخصياتها المؤثرة، نابع من انتماء صادق للمكان وحرص على تثبيت ذاكرته.
• ويُعدّ كتاب «أبا عماد… مكانك القلب» أحد الأعمال التوثيقية المهمة، إذ يضم بين دفتيه الكثير من سيرة أخيه المرحوم الأستاذ أحمد المشعل، وما خلّفه من آثار إنسانية واجتماعية، إلى جانب ما قيل فيه من كلمات وشهادات تخليدًا لذكراه، وحفظًا لتراثه ومكانته في الذاكرة المحلية.
• عندما يتفوق الطموح، وهو كتاب يتناول مسيرة المهندس جمال علي الكشي، ولا يزال في طور المسودة، ويعكس اهتمام المؤلف بتوثيق التجارب الإنسانية الملهمة.
• كما يعمل المرشد المشعل حاليًا على إعداد كتاب مستقل يتناول سيرة المرحوم المهندس عبدالله جاسم الكشي، في إطار اهتمامه بتوثيق الشخصيات المؤثرة، وحفظ التجارب الإنسانية الملهمة، وتسجيل حضورها في الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
ومن الأعمال المعدّة للطباعة:
• السيد الخوئي في الشعر العربي.
• فاطمة الزهراء عليها السلام في شعر الأحسائيين.
• الخصائص العرفانية في الشعر الأحسائي، متخذًا من لامية الشيخ الدكتور عادل الأمير أنموذجًا للدراسة والتحليل، في قراءة تجمع بين الأدب والبعد العرفاني والفكري.
كما كتب أرجوزة الماشين إلى منارة العاشقين، في امتداد واضح للتقاليد الشعرية ذات البعد الروحي والشعائري.
وإلى جانب هذه المؤلفات، نشر الأستاذ عبدالله المشعل عددًا كبيرًا من المقالات التاريخية والثقافية والأدبية، نُشر الكثير منها في الصحف المحلية، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأسهمت في إثراء الحراك الثقافي، وفتح نوافذ معرفية أمام القرّاء، بأسلوب يجمع بين السلاسة والعمق، والاعتزاز بالتراث، والانفتاح على القراءة النقدية.
وتعكس هذه الأعمال مجتمعة تجربة ثقافية ناضجة، حملت بعدًا توثيقيًا وأدبيًا في آنٍ واحد، وأسهمت في حفظ الذاكرة الثقافية للأحساء، وربط الماضي بالحاضر، وتقديم التراث في صيغة واعية تحترم التاريخ وتخاطب الإنسان المعاصر.
إن مسيرة المرشد المشعل تمثل نموذج المثقف الأحسائي المنغمس في قضايا مجتمعه، الحريص على توثيق تاريخه، والوفيّ لتراثه الديني والأدبي، في تجربة ثقافية ثرية ما زالت تحمل الكثير من العطاء والإنجاز.
خاتمة:
إن سيرة المرشد عبدالله المشعل تمثّل أنموذجًا متكاملًا للإنسان الذي جمع بين التربية، والعمل الاجتماعي، والثقافة، والأدب، في مسارٍ طويل من العطاء الصادق والعمل الهادئ المتراكم، بعيدًا عن الأضواء، وقريبًا من الناس وهمومهم. فقد قدّم تجربته بوصفها رسالة، لا منصبًا، ورسّخ حضوره من خلال الأثر الذي تركه في التعليم، والمجتمع، والوعي الثقافي، أكثر من حرصه على الظهور أو الادّعاء.
وقد اتّسم عطاؤه بالتواضع، والالتزام، والوفاء للمكان، فظلّ وفيًّا لبلدة الحليلة، مرتبطًا بتاريخها وذاكرتها، ساعيًا إلى توثيق ملامحها الإنسانية والثقافية، وحفظ سير رموزها، وتثبيت حضورها في الوعي الجمعي للأحساء. كما أسهم من خلال كتاباته ومشاركاته الاجتماعية والثقافية في ربط الأجيال بتاريخها، وتعزيز الانتماء للمكان، وصون القيم التي نشأ عليها المجتمع الأحسائي.
إن هذه السيرة لا تمثّل تجربة فردية فحسب، بل تعبّر عن مرحلة اجتماعية وثقافية عايشها المرشد المشعل وأسهم في بنائها، وهي سيرة تستحق أن تُدوَّن وتُحتفى بها، لا بوصفها إنجازًا شخصيًا، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ الحليلة والأحساء الثقافي والاجتماعي، وشاهدًا على قيمة العطاء الهادئ، والعمل التراكمي، والوفاء للإنسان والمكان.





