أقلام

حيرة زينب بين البقاء أو الرحيل

سهام البوشاجع

يعرف علماء النفس والاجتماع أن الحيرة هي مفردة تصف الشخص الذي إن أصابته فأنها توقعه في تردد واضطراب وشك بين خيارين أو أمرين، وهذه الحيرة تجعله يجهل وجهة الاهتداء إلى سبيله وتسبب له القلق الذي يجعله لا يهتد للصواب.

أفكانت مولاتنا زينب بنت علي عليهما السلام في حيرتها عند جسد الحسين بعد قتله “تردد بين البقاء بجواره أم الرحيل عنه” مسافرة مع بقية الأطفال والركب الحسيني المروع إلى الشام، أكانت حيرتها عدم اهتداء وفقدان للصواب؟

كلا… الحيرة التي أدخلت مولاتنا زينب عليها السلام في هذا الأمر إنما حيرة ألم وحزن، وهي العالمة بأنها مفارقة لجسد أخيها لا محالة وسائرة عنه غصبا، فجيش ابن سعد برمته كان ينتظرها ليراها مقيدة بأبي وأمي هي والإمام السجاد وبقية الأطفال والنساء الذين اتخذهم عمر بن سعد سبايا، وكان مقررا أن يسير بهم إلى مجلس يزيد بن معاوية في الشام.

وما نسمعه في المآتم على لسان مولاتنا زينب حيث تقول: “شلون أمشي ويظل حسين جسمه على الغبرة وعلى الترب عاري ودمه يسيل من نحره” وكانت ترتجز وتقول: “أنا حيرني الدهر يا ناس بالمظلوم وعياله”، “لا تقول ما عندك مروة ولا تقول ضيعتي الأخوة ترى مأخوذة يا حسين قوة”

حيرتها هذه إنما نشأت عن ألم الفراق الأخوي الذي يفرض نفسه بنَفس المحزون المكلوم، الذي رأى مالم يراه أحد سبقه، فماذا رأت مولاتنا زينب عليها السلام؟ رأت جسد يرض وأعضاء تقطع ورأس يرفع على أسنة الرماح، فأي قلب يتحمل كل هذا الألم، وأي عين تصبر لا تفقد بصرها حين ترى ذلك أمامها، وأي شعور لا ينتزع من الروح حين يقف على ذلك الجسد، وتتوارد على خاطره ذكريات الأخوة، والبيت الذي عاشا فيه، ونعمة الأسرة وخير الأمان بالدين وعافية الإسلام، ثم فجأة ينقلب المجتمع على أطهر بيت في الحياة ويتربص لذرية رسول الله ويأمر بتشتيته وتصفيته حتى لا تبقى لهم باقية بأبشع وسائل الخداع والحرب والمكيدة، ثم ماذا؟ تساق أطهر نساء الكون سبية إلى مجالس الرجال، وتذل بين أيدي من ترأسوا وتجبروا وأنكروا ما جاء به الإسلام من تعاليم سماوية تنص على الرحمة والشفقة وتحريم إهانة وقتل النفس المحترمة، لا سيما والنفس المحترمة هذه هي من ذرية رسولهم المنصوص لهم من السماء.

زينب سلام الله عليها تمنت ألا تكون إلا أمام خيار واحد وهو البقاء بجوار أخيها لتواري جسده الشريف، بالطريقة التي شرعتها الشريعة فيكفن ويصلى عليه ويدفن بما يليق به، لكن شاءت الأقدار أن تجد نفسها في حيرة بين القلب والروح وما تريد وبين المنطق والواقع وما يفرض عليها إذ كان أمامها رحلة شاقة بمعية اليتامى والأرامل والأطفال وهي الكفيلة بهم بعد أن رحل آخر فرد من أفراد بيتها العلوي الشريف، وأمام رسالة تريد أن تحملها لتصل إلى العالم أجمع بما جرى على ذرية رسول الله صلى الله عليهم وسلم، وكذلك حفظ البيت العلوي من الشتات والضياع، فكان حملها ثقيل وحيرتها مغلفة بلوعة الفقد والصبر في آن واحد.

قال في حيرتها تلك الشاعر “سيد رضا الهندي”

ففارقته ولكن رأسه معها … وغاب عنها ولكن قلبها معه

وصورها -عليها السلام في أبيات على لسانها وكأنها تشكو مرارة السبي وتقول:

ونحن فوق النياق المصعبات بنا … يجاب الربى والغور والسند
في كل يوم بنا للسير مجهلة … تطوي ويبرزنا بين الورى بلد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى