أقلام

لعبة الفهد – الحلقة التاسعة عشر: السقوط

إبراهيم الرمضان

شعر أبو مشاري وكأن الأرض تهتز تحت أقدامه! نهض من مكانه متكئًا على عصاه، بينما النافذة أمامه ترتجف كما لو كان زلزالًا قد ضرب المكان. شحب وجهه وهو يحدق في المشهد المروع خارج القصر… حشود غاضبة تملأ المكان، تحاصره من كل الجهات، وأصوات الصراخ تعلو في الأرجاء كأنها طبول حرب تقترب!

شعر بالفزع الشديد، وصاح بصوت مرتجف:

– أيها الحارس! أين أنت؟!

هرع حارسه الشخصي إليه وهو مرتبك، لم يكن في حال أفضل منه. صرخ فيه أبو مشاري بغضب، وهو يلوح بعصاه:

– استدعِ جميع أفراد الأمن فورًا! أبعدوا هذه الحثالة عن قصري بأي ثمن!!

ولكن الحارس، الذي بدا وكأنه فقد لونه، أجابه بصوت متردد:

– يا طويل العمر… لا يوجد أحد! كل عناصر الأمن… اختفوا عن بكرة أبيهم!

اتسعت عينا أبي مشاري في ذهول، وكأنه لم يستوعب ما سمعه للتو:

– اختفوا؟؟! إلى أين؟! كيف؟!

لم يعرف الحارس بماذا يجيبه، ولكنه غادر مسرعًا ليتطلع على الوضع بنفسه، نظر من إحدى زوايا القصر، وبينما كانت الحشود الغاضبة تهدر أمامه، ركز بصره جيدًا… كان يتمتع بنظر حاد، أقوى مما لدى أبي مشاري، ولكن ما رآه جعله يصاب بصدمة لم يستطع استيعابها!

عاد إلى أبي مشاري وهو يبتلع ريقه بصعوبة، ولكنه لم يستطع إخفاء الرعب الذي تملّكه. لاحظه أبو مشاري فورًا وسأله بانفعال:

– ماذا هناك؟ هل هناك ما هو أسوأ؟! تكلم!!

ولكن الحارس لم يكن قادرًا على الحديث بسهولة، تمتم بصوت مختنق:

– يا طويل العمر… رجال الأمن… بعضهم هناك… وسط الحشود الغاضبة!

تجمدت ملامح أبي مشاري للحظة، ثم شهق بصوت مسموع:

– ماذا تقول؟؟!!

تابع الحارس الشخصي بصوت منخفض يكاد لا يُسمع:

– يبدو أن بعضهم… كان لديهم أقارب قتلوا في الموجة الدامية أيضًا… لم يعودوا موالين لنا.

هنا… شعر أبو مشاري وكأن أعمدة قصره بدأت تنهار فوق رأسه! وبدأت الحشود الغاضبة بإلقاء زجاجات المولوتوف واحدة تلو الأخرى… لهبٌ هنا، وانفجار صغير هناك، ثم اشتعلت النيران!

لا تزال الحشود تتقاطر حول قصر أبي مشاري بشكل رهيب، كأنما طوفان بشري على وشك أن يبتلعه، دون أن يعترضهم أحد. تعالت الهتافات، وتصاعد الضجيج مع كل دقيقة تمر…ألسنة اللهب أخذت تتراقص على الجدران بفعل زجاجات المولوتوف التي أُلقيت تباعًا، كأنها نذر النهاية!

الدخان الأسود بدأ يملأ المكان، والهواء أصبح خانقًا…

وبينما كان القصر يحترق شيئًا فشيئًا، كانت الحشود تزداد إصرارًا على إسقاطه، كما لو أنهم يقتلعون الشر من جذوره!

ولكن ما جعله يشعر بالذعر الحقيقي هو رؤية مجموعة من الغاضبين يتقدمون نحو بوابة القصر الضخمة، ويبدؤون بضربها وتحطيمها بأيديهم، وبكل ما وقع تحت أيديهم من أدوات! كان المشهد أشبه بتمرد عنيف، وكأن الحصن الذي بناه طوال هذه السنوات بدأ ينهار أمامه.

استشاط غضبًا أكثر، وصاح بالحارس الشخصي الذي عاد إليه مجددًا وهو يلهث:

– أين الأمن العام؟!! ألم تتصل بهم؟ لماذا هم متقاعسون هكذا؟!!

ولكن الرد الذي تلقاه كان صاعقًا، الحارس الشخصي الذي بدا مستسلمًا للأمر الواقع:

– يا طويل العمر… الأمن العام لديهم أوامر بعدم التدخل في شؤونك الأمنية، قالوا إن لديك شركتك الأمنية الخاصة، وهي من تتولى كل شيء.

تجمدت ملامح أبي مشاري، لم يفهم في البداية، ولكنه سرعان ما استوعب الكارثة الحقيقية عندما أكمل الحارس قائلًا:

– يقولون إنك أنت من شددت على ذلك بنفسك، وأصررت على عدم تدخلهم… والمسؤول الأعلى دعم طلبك بشدة!

وكأن صاعقة نزلت على رأسه! شعر وكأنه ابتلع صخرة كبيرة علقت في حلقه، لا يستطيع لفظها ولا ابتلاعها.

لم يتخيل يومًا أن هذا القرار الذي قاتل لأجله، وأقنع المسؤولين بضرورة منحه سيادة كاملة على أمنه، سوف ينقلب ضده بهذا الشكل المريع!!

كانت الفوضى تعمّ المكان، وصوته المرتجف يكاد يضيع وسط الضجيج. استدار إلى حارسه الشخصي وهو على وشك الانهيار، وصاح بجنون:

– استخدم سلاحنا الأخير! استدعِ كل المرتزقة… جميعهم!! أغرقهم بالوعود، قل لهم إنهم سيحصلون على مئات الألوف! افعل أي شيء، لا يهم كيف!!

استجاب الحارس الشخصي لطلبه فورًا، كاد أن ينسى أمرهم! ولكنهم بالفعل كانوا متجمعين في منطقة قريبة، وكأنهم كانوا ينتظرون لحظة الانقضاض.

أطلق الحارس الشخصي نداء الاستدعاء الأخير… وفي لحظات، بدأوا بالخروج من الظلام! وحوش بشرية، ظهرت كأنها خرجت من باطن الأرض، يجرّون خلفهم سواطيرهم، حرابهم، سلاسلهم المعدنية، ومختلف الأدوات التي تحمل الموت والخراب.

تحركوا في تشكيل مرعب، أجسادهم الضخمة تلقي بظلالها تحت أضواء الحريق المشتعل في القصر… يقتربون بخطوات ثقيلة، مستعدين لسحق أي شيء يعترض طريقهم!

ولكن… في اللحظة ذاتها، اندفعت سيارة نقل بغمارتين مسرعة من الجهة الأخرى!! يقودها “عوض”، وفي الحوض الخلفي، كان “خالد” يقف بثبات… ويده تمطرهم بوابل من العملات المزيفة!! عشرات، مئات، آلاف الأوراق النقدية تتطاير في الهواء، تتلألأ تحت أضواء الحريق، تتساقط كالمطر وسط المرتزقة!

وفي ثانية واحدة… انفجرت الفوضى.

الوحوش التي كانت قبل لحظة تتحرك كجيش لا يُقهر، تشتّتوا في كل اتجاه!! الطمع كان أسرع من أوامر أبي مشاري… الطمع كان أقوى من أي ولاء!! بدأوا يتدافعون، يتصارعون، يسقطون فوق بعضهم البعض في محاولة لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال!

في أقل من دقيقة، تحوّل جيش المرتزقة إلى حشد متناحر، يركلون بعضهم البعض، يطعنون، يضربون بالسلاسل… لم يعد أحد يعرف من العدو ومن الصديق، من القاتل ومن القتيل! وتحت عيون أبي مشاري، تحوّلوا إلى طُعم سهل للثائرين!

كل هذا شاهدها أبو مشاري بأم عينيه!!! أراد الصراخ، أراد تمزيق أي شيء أمامه، ولكنه لم يكن قادرًا على استيعاب الكارثة التي وقع فيها، خاصة عندما تردد صدى صوت المعدن وهو يُكسر … البوابة الحديدية بدأت تنهار… رفع رأسه ليرى المشهد بأم عينيه … كانوا قادمين إليه!!

اندفعت الحشود كالسيل الجارف، وتفرقت في كل زاوية من زوايا القصر، متجاوزين الحواجز والأسوار الداخلية، وكأنهم نمل أسود خرج من عشه بعد فيضان! لم يتركوا شيئًا في مكانه، فكل ما وقعت عليه أعينهم كان مصيره إما التحطيم أو النهب أو الحرق العشوائي!

كان هناك من ركّز على تحطيم الأثاث الفاخر وكأنه ينتقم من ذوق أبو مشاري الباذخ، فقام أحدهم بحمل تحفة فنية لا يعلم قيمتها، ولكنه لم يهتم، فقط صرخ وهو يلوح بها:

– هذا يبدو باهظ الثمن! سأرميه على رأس أول شخص يعترضني!

في زاوية أخرى، كان هناك رجل آخر يرتدي ثوبًا مرقّعًا، جلس على أحد كراسي الصالة المذهّبة، ثم أطلق تنهيدة طويلة وقال:

– يا ناس، هذا الكرسي أنعم من سريري في البيت! هاتوا لي قهوة، أشعر أني ولدت لأكون باشا!

بينما مجموعة أخرى بدؤوا يتشاجرون حول غنائم من نوع غريب… أحدهم يحمل شمعدانًا ذهبيًا، وآخر يحمل فردة حذاء رجالي فاخر، وثالث وجد وسادة مخملية فقرر أن يضعها تحت رأسه وينام وسط الفوضى!

أحد اللصوص الذين استغلوا الفوضى كان قد تسلل إلى الخزائن بحثًا عن المال، فتح إحداها ليجد مجموعة من الأوراق، نظر إليها قليلًا ثم زفر وقال بصوت ساخط:

– ماذا سأفعل بهذه العقود؟ هل أبيعها على الإنستغرام؟ أعطوني ذهبًا أو مجوهرات على الأقل!!

ولكن في الوقت ذاته، كان هناك من يحمل قضية أكبر من مجرد الفوضى…

مجموعة أخرى اقتحمت الدهاليز السفلية للقصر، متوجهين نحو السجن السري الذي سمعوا عنه، بحثوا طويلًا…

دهاليز ضيقة، جدران باردة مغطاة بالغبار، ممرات سرية كانت مخفية عن الجميع، ورائحة العفن تملأ الهواء، حتى… أخيرًا، عثروا عليه.

فتحوا الأبواب المغلقة بعنف، ليكتشفوا حقيقة أكثر رعبًا مما توقعوا…

كان هناك أشخاص قابعون في الزنازين المظلمة، يرتدون ملابس ممزقة، بعضهم في حالة مزرية، والصدمة الكبرى…

بعضهم كانوا قد اختفوا منذ سنوات!!

أحد السجناء، رجل مسن ذو لحية بيضاء، ارتجف عندما رأى النور لأول مرة منذ فترة طويلة، رفع يده المرتعشة وقال:

– أهذا… حلم؟ هل أتيتم لإنقاذنا؟

كانوا هناك… ضحايا أبي مشاري من المتعثرين في سداد قروضهم، والذين عملوا ضده، أولئك الذين تم ابتلاعهم في هذا الجحيم ولم يسمع عنهم أحد!

لكن السؤال الآن… أين أبو مشاري؟

وأين فهد وناهد؟

كان الشغل الشاغل لأبي مشاري هو كيفية الخروج من هذه الفوضى العارمة بأسرع طريقة ممكنة. كان يسير بتثاقل شديد باتجاه سطح قصره، حيث كانت طائرته العمودية بانتظاره. ومع كل خطوة، كان يسمع أصوات الحشود تزداد شيئًا فشيئًا، مما يعني أنهم يقتربون بسرعة.

التفت إلى حارسه الشخصي بلهجة متوترة:

– احملني بسرعة، لم يعد لدينا وقت!

مع أن الحارس الشخصي كان يتمتع ببنية قوية تكفي لحمل أثقال ضخمة بكف واحدة، إلا أن “طويل العمر” كان أثقل جسمٍ حمله في حياته! بالكاد استطاع أن يسرع به الخطى، فيما كان العرق يتصبب من جبينه.

وأخيرًا، وصلا إلى الطائرة العمودية. قفز أبو مشاري إلى الداخل وهو يلهث، بينما انشغل الحارس الشخصي بتشغيل أنظمة الطائرة للإقلاع.

قام الحارس بتفعيل مفتاح البطارية الرئيسة لتزويد الأجهزة الإلكترونية بالطاقة، ثم ضغط على زر تشغيل المحرك الأولي ليبدأ المحرك بالدوران تدريجيًا. راقب مؤشر الضغط والحرارة حتى تأكد من استقرار المحرك. ثم وضع يده على عصا التحكم الدوّارة استعدادًا للإقلاع، وما إن استكملت المروحة دورانها بالسرعة المطلوبة حتى…

حدث ما لم يكن في الحسبان!

بينما كان الحارس يستعد لرفع الطائرة عن الأرض، سُمع صوتٌ غريب أشبه بالخلع! فجأة… انطلقت المروحة الرئيسة وحدها في الهواء، كما لو كانت طائرة مستقلة، تدور بسرعة جنونية قبل أن ترتطم بأحد أعمدة الإنارة في القصر، ليصاحب ذلك صوت انفجار مدوٍ!

أبو مشاري ارتجف في مقعده، نظر إلى الأعلى بعينين مذعورتين، ثم استدار إلى حارسه الشخصي وصرخ بجنون:

– ماذا يحدث؟!!

ولكن الإجابة لم تأتِ من حارسه، بل جاءت على شكل ضحكات ساخرة مستفزة للغاية ترددت في الأجواء، ضحكة مألوفة… ضحكة جعلت الدماء تتجمد في عروق أبي مشاري!

نظر حوله بذهول، وبدأ قلبه يخفق بجنون:

– هل يعقل؟!! هل لا يزال فهد حيًا؟! أم أن هذا شبحه جاء ليطاردني؟!!

بدأ عمود الإنارة في القصر يتصدّع بسرعة كبيرة، واندلعت النيران في قاعدته، قبل أن ينهار أخيرًا على سطح القصر، مباشرة فوق الطائرة العمودية. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقفز أبو مشاري وحارسه الشخصي معًا قبل لحظة الاصطدام، ليسمعا دوي انفجار عنيف يهزّ القصر بأكمله، وتتناثر شظايا الطائرة المحطمة في كل الاتجاهات.

ولكن المفاجأة الأكبر لم تكن الانفجار، بل الفرار!

الحارس الشخصي فرّ من المكان، تاركًا سيده خلفه! اختفى دون أن يلتفت، كأنه لم يكن موجودًا قط، فيما بقي أبو مشاري وحيدًا، يلهث وسط الفوضى، يحيط به الدخان من كل جانب.

وصوت الضحكات… لا يزال يرنّ في الأجواء. ضحكات ساخرة، مستفزة، تحيط به من كل مكان، دون أن يستطيع تحديد مصدرها.

لم يحتمل أكثر، فقد صوابه تمامًا، وبدأ يتخبط يمينًا ويسارًا في محاولة للفرار، ولكنه لم يكن يدري إلى أين يذهب.

ثم… وسط الضحكات، سمع فجأة صدى صوت نسائي ينادي باسمه القديم:

– وطبان !! وطباااان!!

ارتعد جسده بالكامل، أخذ يتلفت يمنة ويسرة يبحث عن مصدر الصوت، ليتجدد النداء:

– وطبان!! هل نسيت اسمك؟ هل طغى عليك لقب “أبو مشاري” حتى نسيت الاسم الذي سمّته لك أمك؟

ثم جاءه الصوت بشكل أكثر سخرية، مختلطًا بضحكات تشبه ضحكات فهد، كأنهما كورس ثنائي يحيط به من كل جانب:

– لعل أمك قد نسيت اسمك أيضًا عندما سمّتك… (يتوقف الصوت للحظة، ثم يكمل بسخرية ثقيلة) “وطبان”!!

تسارعت أنفاسه وهو يتخبط في مكانه، يبحث بجنون عن مصدر الصوت، عرقه يتصبب، وعيناه تدوران بجنون في الأرجاء… فقد الرجل صوابه تمامًا، قبل أن يسمع مجددًا، بنفس النبرة الساخرة المستفزة:

– لا داعي للبحث كثيرًا… التفت يسارك.

بخوف هستيري، التفت يساره…

لتقترب منه سراب شخصية نسائية من وسط الدخان.

ابتلعت الظلال ملامحها، ولكن الضحكات المنبعثة منها كانت مألوفة…

مألوفة جدًا… ضحكات أم فهد … أروى!!

ازدادت دقات قلبه، وأخذ يتراجع للخلف:

– مـ.. معقول؟!! هل أنتِ أروى… أم شبح أروى؟!! ألا يكفيني ما يفعله بي ابنك؟!! كيف عدتِ إلى الحياة؟؟!! لقد بلغني أنكِ قد متِ!!

ابتسمت، ثم صدر منها صوت أروى الواثق، الممزوج بالسخرية الحادة التي لم تفارقها حتى في أحلك اللحظات:

– لا بد لليوم الذي يأخذ فيه المظلوم حقه أن يأتي… ألا تتذكر وعيدي لك؟!!

8 سنوات مضت… في مكتبه الفخم، جلس أبو مشاري مسترخيًا، قبل أن يُفتح الباب بعنف، لتقتحمه أروى غاضبة، تحدّق فيه بعينيها المشتعلتين، ثم تصرخ به:

– أنا أعرف أنك أنت المحرّض على تنفيذ الهجوم الدامي في جامع القرية! أنا أعرف أنك السبب!!

ضحك باستعلاء، وردّ ببرود:

– اتهاماتك لا قيمة لها، أين دليلك؟

أمسكت أروى بأحد المزهريات الفاخرة على مكتبه، ثم حطمتها بقوة على الأرض، تناثر زجاجها في كل الاتجاهات، ولكنها لم تتوقف، التقطت إطارًا خشبيًا لصورته الرسمية، ورفعته أمامه قبل أن تقذفه بعيدًا ليتهشم على الحائط، ثم استدارت نحوه بنظرة يشتعل فيها الغضب، وسخريتها القاتلة لم تفارقها:

– لا تحتاج الجريمة إلى دليل حين يكون المجرم فاضحًا لنفسه أكثر مما تفعل الكاميرات الأمنية! ولكن لا بأس، استمتع بجنون عظمتك الآن، إلتهم مجدك كما تلتهم موائدك الذهبية، فلن يطول الأمر حتى تختنق به! فهد سيخرج يومًا ما، وستدرك حينها أن بعض الأبواب عندما تُفتح… لا تُغلق مجددًا!

ثم أمسكت بقدح زجاجي أمامها، رفعته قليلًا، وكأنها تزن خياراتها، ثم ألقته على الحائط بقوة، ليتهشم بصوتٍ مدوٍ، قبل أن تضيف بسخرية قاطعة:

– بعض الديون تُسدَّد بالمال، وأخرى بالدموع… ولكن ديونك، وطبان؟ ديونك لا تُسدَّد إلا بالألم!

ثم استدارت، غادرت دون أن تلتفت، تاركة وراءها الدمار… والوعيد.

عودة إلى الواقع…

وقف أبو مشاري، وجهه متجمّد من الرعب، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. كانت عيناه تتابعان بذهول حركة شفتي أروى وهي تكمل بصوت أشبه بهمس الموت:

– لست وحدي… هناك من يريد أخذ حقه منك أيضًا… تقدمي يا ميساء!

من خلف الدخان… ظهرت صورة أخرى، ملامحها بدأت تتضح شيئًا فشيئًا…

إنها ميساء … أم ناهد!!

تقدّمت لتقف بجانب أروى، في مشهد بدا كأنه امتدادٌ لماضٍ لم يُطوى بعد، ثم ضمّت يدها بيدها، وقالت بصوت ثابت:

– دعكِ منه يا أروى، فقد ختمتِ رسالتك، وسلّمتِ الأمانة لابنكِ فهد… أما ابنتي ناهد، فستكمل الباقي!

عندما نظرت أم ناهد إلى أبي مشاري، لم تكن نظرتها مجرد نظرة عابرة، بل كانت نظرة باردة، حادة، كأنها خنجر يغرس في صدره. اقتربت أكثر، ثم همست له بكلمات خفيفة… لكنها كانت أثقل من الجبال على مسامعه:

– ظننتَ أنك تستطيع الإفلات بفعلتك؟! إن الدماء التي حرضت لسفكها ستُنسى؟! أخطأت، وطبان!

اتسعت عينا أبو مشاري بذهول، تراجع خطوة للخلف، لكن أم ناهد أكملت بصوت أشد قسوة، محمّلًا بالانتقام المكتوم لسنوات طويلة:

– كل دمٍ أهرقته سيلاحقك… كل صوتٍ أخمدته سيصرخ في أذنك الآن… كنتَ تعتقد أن السلطة ستُخلدك، ولكنها ستكون قبرك! أين الذين أسندت إليهم ظهرك؟! ها هم قد تخلّوا عنك!! ما أنت إلا ورقة استُهلكت وحان وقت احتراقها! سيبحثون عن “بدل مفقود” ليحلّ مكانك، وسينتهي ذكرك كما انتهى من سبقوك… أمثالك لا يُدفنون في الأرض، بل يُسقطون من السماء!

توقفت أم ناهد عن الحديث، ثم تقدمت أروى لتضيف على حديثها بصوت أكثر حدّة، كأنها تنطق بحكم الإعدام عليه:

– إن كان هناك من رحلوا دون أن ينالوا حقهم منك، فسيأتي جيل بعدهم ليأخذوه، جيلٌ لا يخضع ولا يركع إلا لله.

تقدمت خطوة أخرى، وضاقت عيناها بسخرية وهي تتابع:

– يبدو أنك أصبحت عجوزًا متعبًا، ولكن لا تقلق… لن تشيخ أكثر! على الأقل، لن تضطر لشراء صبغة سوداء لتمويه شيبك بعد اليوم، فالسماء لا تهتم بمظهرك حين تسقط!

في تلك اللحظة، شعر أبو مشاري بقشعريرة تسري في جسده، وبرودة غير طبيعية تغزو عظامه…

وكأن الدم قد تجمد في عروقه تمامًا!

خطواته المرتجفة خانته أخيرًا…

زلّت قدمه عند الحافة، وكاد أن يهوي، لولا أنه تمسّك بعتبة السطح المتصدعة.

ذراعاه المرتجفتان لم تكونا قادرتين على حمل وزنه الثقيل… أصابعه بدأت تنزلق… وصدره يعلو ويهبط مع أنفاسه اللاهثة.

حاول أن يبحث بعينيه عن أي شخص، عن أي يد تمتدّ إليه….

– أنقذوني! أحدهم… أي أحد!!

لكن صوته، رغم استجدائه المذل، اختفى وسط الضجيج، وسط الهتافات الغاضبة وأصوات النيران المتراقصة حوله، وكأن المدينة بأكملها ترفض أن تسمع استغاثته. ثم…

ظهر شخص من وسط الدخان، يقترب بخطوات بطيئة، لا تحمل أي استعجال.

رفع أبو مشاري عينيه برجاء، وتوسّل بصوت مذعور:

– ساعدني… بسرعة! سأفعل أي شيء، سأدفع أي ثمن!!

ولكن عندما اتضحت ملامح الشخص…

جحظت عيناه…

كانت ناهد!

ثبتت نظرها عليه، نظرة جامدة، باردة، مليئة بالحقد.

كان يراها كأنها شبح الماضي الذي جاء ليحاكمه!

حاول أن يستجديها، صار يلهث بضعف:

– ناهد… أرجوكِ! سأقبل قدميكِ لو أردتِ! فقط لا تتركيني هنا!! سأعتذر عن كل شيء… عن كل ما فعلته بكِ، وبوالدكِ…

لم تحرّك ساكنًا، فقط رمقته بنظرة أعمق، قبل أن تهمس بصوت مخنوق بالكراهية:

– وبأمي…؟!

ابتلع ريقه، لم يجد ما يقوله. لأول مرة، لم يجد كذبة يطلقها. لم يجد خدعة ينقذ بها نفسه.

ناهد تراجعت خطوة للخلف، وأغمضت عينيها، ثم تمتمت بصوت هادئ، ولكنه كان أشد قسوة مما لو صرخت:

– ارحل… لا مكانَ للظلمِ في دارِنا…

ثم فتحت عينيها، وحدّقت في يديه المرتجفتين وهي تضيف:

– ارحل… وليسكُنْ مكانَك عزُّنا!

في تلك اللحظة، قررت أن تبرّ بقسمها. رفعت قدمها، وداسَت بكل قوتها على أصابعه النتنة… كما وعدت نفسها منذ مدة!

صرخة أخيرة مزّقت السماء، ثم… سقط الطاغية.

أخيرًا… انتهى عهد الشيخ أبي مشاري!

“انتهت اللعبة – GAME OVER”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى