أقلام

مواجهة العنصرية بالحوار الشجاع

أمير بوخمسين

يميّز علماء الاجتماع دائمًا بين العنصرية الفردية والعنصرية المنظمة. حيث تشير العنصرية الفردية إلى الممارسات الفردية الصادرة من أفراد ضد السود أو جماعات الأقليات الأخرى. والواقع أن هذه العنصرية الفردية تبنى أساسًا على فرضيات عنصرية بادعاءات التفوق أو الدونية. أما العنصرية المنظمة، فتشير إلى الجماعات والمنظمات التي تمارس التمييز في المجتمعات والمدارس والمؤسسات التجارية وغير ذلك، وهذا لها نتائجها وتأثيراتها الضارة على المجتمع. فالعنصرية لم تعد مسألة اجتماعية هامشية أو سلوكا فرديا متطرفا، بل تحولّت في عدد متزايد من السياقات إلى أداة للسيطرة وسياسة عامة، تدار عبر التشريع، وتُغذى بالإعلام، في انتهاك صريح للمبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة ومنظومة القانون الدولي.

القلق الحقيقي لا يكمن في وجود جماعات كراهية، فهذه وُجدت عبر التاريخ، بل في تورط مؤسسات وجماعات رسمية، صراحة أو ضمنيًّا، في إنتاج خطاب إقصائي، أو في التغاضي عنه حين يخدم أهدافًا سياسية قصيرة المدى. هنا تنتقل العنصرية من كونها جريمة أخلاقية إلى مسؤولية قانونية وسياسية.

وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا تملك الدول فرص الحياد تجاه خطاب الكراهية. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يُلزم الدول ليس فقط بعدم التمييز، بل باتخاذ إجراءات فعّالة لمنع التحريض القائم على العرق أو الدين أو الأصل.

التاريخ الحديث يقدم سوابق لا لبس فيها، الفصل العنصري كان منظومة قانونية كاملة، لا انحرافًا مجتمعيًّا. النازية مثلا تأسست على تشريعات، لا على فوضى وعبث، الإبادة في رواندا سبقتها حملات إعلامية منظمة برعاية سلطة قائمة.

من منظور الشريعة الإسلامية، التي سبقت القانون الدولي في تأسيس مبدأ كرامة الإنسان، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ هذه قاعدة حاكمة تؤسس للعدل وتمنع الجهات المعنية من الانتهاكات، وفي هذا السياق، ليس خيارًا أخلاقيًّا، بل شرطًا رئيسًا لبقاء المجتمع.

عبر الأجيال، من تجاهلوا هذا التحذير دفعوا الثمن مضاعفا. بلال بن رباح عُذب لأنه أسود، فصار رمزًا للكرامة، بينما سقط جلادوه في قاع التاريخ. وفي القرن العشرين، وفي جنوب أفريقيا سيطرت أقلية بيضاء على الحكم لسنوات طويلة، وفرضت قوانين عنصرية في مجالات الإسكان والتعليم والتوظيف كان لها تأثيرها على الغالبية العظمى من غير البيض. وهي السياسة المعروفة باسم سياسة التفرقة العنصرية (الأبارتيد). وكاد نظام الفصل العنصري أن يُغرق جنوب إفريقيا في حرب أهلية لولا شجاعة مانديلا في إيقاف دوامة الانتقام. واليوم، تكرر الأمر نفسه عندما فعل ذلك الصرب، حين أعلنت جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها من جمهورية يوغسلافيا السابقة، فوجد أهالي البوسنة جميع أنواع الإبادة الجماعية والفردية بذريعة تطهير العرق، فقتل من جراء ذلك الآف البوسنيين، وشُرّد كثيرون من وطنهم تحت سمع وبصر الإتحاد الأوربي. والتاريخ يعيد نفسه ولن تتوقف هذه الإنتهاكات تجاه الفلسطينيين الذين يرزحون تحت الغطرسة الصهيونية، التي ترى جنسها هو الجنس المختار، فقتلت وعذبت وصادرت وانتهكت الحرمات تحت سمع العالم. واليوم، تُعيد الإنسانية إنتاج الخطر ذاته، ولكن بوسائل أكثر دهاءً، وبخطاب أقل فجاجة، وأكثر سمّية.

الخطر الحقيقي ليس في وجود خطاب كراهية، بل في صمت العقلاء، وفي حياد النخب، وفي تبرير الإعلام، وفي تساهل المؤسسات الدينية والسياسية مع لغة الإقصاء.

نحن أمام منعرج خطير، إما أن نواجه العنصرية بالحوار الشجاع، وبالإنسانية، وبكشف الكيانات التي تتغذى على الانقسام، أو أن نستيقظ يومًا لنكتشف أن الإنسان صار سلعة، وأن الدم صار رأيا، وأن الكراهية أصبحت هوية.

إن الدفاع عن الإنسانية اليوم لم يعد خطابا أخلاقيا، بل واجبًا قانونيًّا وسياسيًّا. وأي فشل في الاضطلاع به، سيسجل كشراكة في انهيار المعايير التي ادعى العالم طويلًا أنه بناها لحماية الإنسان.

إن رؤية ٢٠٣٠ والقوانين والأنظمة التي صدرت في الكثير من المجالات التي تخص مجتمعنا، ساهمت بشكل كبير في الحد من التجاوزات والتعديات وحماية أفراد المجتمع من خلال وضع تشريعات تدين كل أنواع العنصرية والمناطقية والطائفية. حفظ الله بلادنا من كل مكروه ومن شر هذه الآفات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى