أقلام

مسافات نفسية عن العقول السلبية

السيد فاضل آل درويش

كيف يمكن للإنسان أن يقف بصلابة أمام المواقف الصعبة والأزمات المختلفة، فلا يهتزّ وجدانه ولا تضعف قواه النفسية في خضم مواجهة ذاتية أو مع الآخرين قد تستنزفه وتُلحق به المتاعب؟

القوة الوجدانية من أهم المهارات والقدرات التي تُسعف الفرد في مواجهة صعوبات الحياة وإقامة علاقات اجتماعية وازنة ومثمرة، حيث يواجه الفرد في علاقاته مختلف الشخصيات المجتمعية وطريقة التعامل الصعب منها، فهناك من لا يُتقن إلا طريقة النقد السلبي اللاذع وموجات التعليقات الجارحة وتهشيم الأفكار والمشاريع والرؤى المتعلقة بالغير، فالإنصاف وحفظ حقوق الآخرين معنويًّا وعدم التجاوز عليهم بأية كلمة أو أسلوب مؤلم أسلوب مهاري وصفة أخلاقية لا يتمتّع بها الجميع، وهذا ما يجعل مواجهة تجاوزات كلامية من هنا وهناك أمرًا عاديًّا لا ينبغي التأثر السلبي منها، فيُصاب المرء بالانفعال الشديد منها ويدخل في معترك مواجهات كلامية وحوارات ساخنة تبعده كثيرًا عن بوصلة العمل الحياتي والأهداف المستقبلية، فالدخول في تلك المعارك الهامشية وفكرة تحقيق الانتصارات الوهمية فيها تستنزف الطاقة النفسية، وتحوّلنا إلى نسخ أخرى من أؤلئك الذين نمقت تصرفاتهم المشينة وطريقة استفزازهم للآخرين.

الثقة بالنفس مفهوم جميل ودرع قوي يقينا من السقوط على أرض التقييمات السلبية والأسلوب الجارح للآخرين، وتؤدي دورها ومفعولها إذا كانت في النطاق المنطقي الصائب ولها حظوظها على أرض الواقع العملي، فالانكسار والهزيمة النفسية تعني – فيما تشير إليه – الإحساس بالضعف والتقييم السلبي لذواتنا بسبب ما نواجهه من هجمات شرسة وغير مسبوقة من شخصيات تعمل ليل نهار على توجيه أسهم النقد اللاذع ومواجهة الشخصيات الناجحة، وتلك المناعة الوجدانية والعاطفية لا تعني الصد والجمود والتبلّد تجاه ما يحيكه البعض من خيوط الكلمات المؤلمة والقاسية، بل هي حالة من النضج النفسي يتوازن فيها العقل والقلب ويضع نصب عينيه الدور الوظيفي الذي يعمل جاهدًا على تحقيقه، فيستطيع الإنسان استقبال النقد دون أن ينهار، ويستوعب الكلمات القاسية دون أن يفقد احترامه لذاته، ويتعامل مع المواقف الضاغطة بوعي ونضج لا بانفعال وتهوّر أو ارتكاب ردود غير مسؤولة قد يدفع ثمنًا كبيرًا لها من مستقبله ومكانته الأخلاقية والاجتماعية.

المشكلة تكمن في أن البعض من الناس يتشكّل مفهومهم عن أنفسهم عبر آراء الآخرين وتقييمهم وثنائهم من عدمه تجاههم، وهذا أخطر ما يمكن لأن أية كلمة قد تُربك تقدير الذات عنده وتدخله في نفق مجهول يتّسم بضعف الثقة بنفسه وبقدرته على حجز تذكرة في قطار التنمية والازدهار والإنجاز المجتمعي، فمن يملك صلابة وجدانية لا ينفجر غضبًا عند أول انتقاد ولا ينسحب من أية العلاقة عند أول خلاف، بل يضع تقييمًا محكمًا لنفسه وقدراته ومنجزاته وتطلّعاته المستقبلية المبنية على أُطُر واقعية، فالنقد البنّاء فرصة للتعلم وتصحيح الأخطاء والبناء المستقبلي، ولكن الذي يسقط عند كل نقد لا يستطيع التقدم، فمن الخطأ الاعتقاد أن القوة النفسية تعني ألا نتألم إذ من الطبيعي أن نشعر بالانزعاج حين نُنتقد، فالضعيف يسمح للألم أن يسيطر عليه ويحدّد سلوكه ويعمل بطريقة الردود الانفعالية، بينما القوي يشعر بالألم ويفهم مغزاه وأسبابه النفسية والاجتماعية عند الغير، ولكن لا يجعله سيد قراراته ولا يتحرّك وفق مؤدياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى