
د. حجي الزويد
بمناسبة ذكرى شهادة الإمام الكاظم عليه السلام، نقف وقفة سريعة مع أحد أدعيته الرجبية التي رواها السيد ابن طاووس في الإقبال، والشيخ الطوسي في المصباح ضمن أعمال يوم المبعث الشريف:
“يا مَن أمَرَ بِالعَفوِ وَالتَّجاوُزِ وَضَمَّنَ نَفسَهُ العَفوَ وَالتَّجاوُزَ يا مَن عَفا وَتَجاوَزَ اعفُ عَنّي وَتَجاوَز يا كَريمُ، اللهُمَّ وَقَد أكدى الطَّلَبُ وَأعيَتِ الحيلَةُ وَالمَذهَبُ وَدَرَسَتِ الآمالُ وَانقَطَعَ الرَّجاءُ إلاّ مِنكَ وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ، اللهُمَّ إنّي أجِدُ سُبُلَ المَطالِبِ إلَيكَ مُشرَعَةً وَمَناهِلَ الرَّجاءِ لَدَيكَ مُترَعَةً وَأبوابَ الدُّعاءِ لِمَن دَعاكَ مُفَتَّحَةً وَالاستِعانَةَ لِمَن استَعانَ بِكَ مُباحَةً، وَأعلَمُ أنَّكَ لِداعيكَ بِمَوضِعِ إجابَةٍ وَلِلصَّارِخِ إلَيكَ بِمَرصَدِ إغاثَةٍ وَأنَّ في اللَّهَفِ إلى جودِكَ وَالضَّمانِ بِعِدَتِكَ عِوَضًا مِن مَنعِ الباخِلينَ وَمَندوحَةً عَمَّا في أيدي المُستَأثِرينَ، وَأنَّكَ لا تَحتَجِبُ عَن خَلقِكَ إلاّ أن تَحجُبَهُمُ الأعمالُ دونَكَ، وَقَد عَلِمتُ أنَّ أفضَلَ زادِ الرَّاحِلِ إلَيكَ عَزمُ إرادَةٍ يَختارُكَ بِها وَقَد ناجاكَ بِعَزمِ الإرادَةِ قَلبي … إلخ ” (١)
هذا الدعاء الرجبي الشريف يُعدّ من النصوص الروحية النادرة التي تختزن رؤية توحيدية عميقة وتجربة وجودية صادقة، فهو دعاء كُتب بمداد الابتلاء، وتُلي في طريق الأسر، فكان ترجمانًا حيًّا لعلاقة العارف بالله في أقسى لحظات الامتحان.
يستهل الإمام عليه السلام دعاءه بنداء يكشف عن معرفة دقيقة بالله وصفاته فيقول: “يا من أمر بالعفو والتجاوز وضمن نفسه العفو والتجاوز”، فهنا لا يطلب الإمام العفو بوصفه فعلًا محتملًا، بل يستحضره بوصفه سنة إلهية مضمونة، مما يجعل الرجاء قائمًا على يقين لا على تمني، ويؤسس لعلاقة بين العبد وربه قوامها الثقة لا الخوف المجرد.
ثم ينتقل الدعاء إلى تصوير لحظة الانقطاع الكلي عن الأسباب بقوله: “وقد أكدى الطلب وأعيت الحيلة والمذهب ودرست الآمال وانقطع الرجاء إلا منك وحدك لا شريك لك”، وهي عبارة تلخّص فلسفة التوحيد العملي، حيث لا يعود الإنسان يرى في الوسائط ملجأً، ولا في التخطيط البشري خلاصًا، بل يسقط كل ما سوى الله من الحساب.
ويبلغ الدعاء ذروة الصفاء حين يقرر الإمام حقيقة القرب الإلهي بقوله: “وأعلم أنك لداعيك بموضع إجابة وللصارخ إليك بمرصد إغاثة”، فهنا تتجلى صورة الإله القريب الحاضر، الذي لا ينتظر وساطة ولا شرطًا سوى صدق النداء، وفي هذا ردٌّ ضمني على كل تصور يجعل الدعاء فعلًا بعيد الأثر أو مؤجل الثمرة.
ومن أعمق مقاطع الدعاء قوله: “وأنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك”، وهي جملة تختصر علمًا كاملًا في العلاقة بين الله والإنسان، إذ ترفع الوهم عن أن الله بعيد، وتعيد المسألة إلى السلوك والعمل، فالحجاب أخلاقي لا غيبي، والبعد اختياري لا قهري.
ثم يكشف الإمام عن زاد السالك الحقيقي بقوله: ” وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك عزم إرادة يختارك بها” فالطريق إلى الله لا يبدأ بكثرة الأعمال، بل بصدق الاختيار، ولا يستقيم بالعادة، بل بعزم واعٍ يجعل الله مقصدًا لا تابعًا.
ويرتقي الدعاء حين يستحضر الإمام كل صور الإجابة الإلهية فيقول: “أسألك بكل دعوة دعاك بها راج بلغته أمله أو صارخ إليك أغثت صرخته أو ملهوف مكروب فرجت كربه”
وكأن الإمام يجمع ذاكرة الرحمة الإلهية كلها في نداء واحد، ليستند في دعائه إلى تاريخ الجود الإلهي لا إلى استحقاق شخصي.
ويكتسب الدعاء بعده الزماني حين يقول: ” وهذا رجب المرجب المكرم الذي أكرمتنا به أول أشهر الحرم” فرجب هنا ليس زمنًا محايدًا، بل موسم اصطفاء وبداية مسير، وشهر إعداد روحي قبل شعبان ورمضان، مما يعكس وعيًا دقيقًا بوظيفة الزمان في التربية الإيمانية.
ويختم الإمام دعاءه بطلب الهداية وحسن المصير بقوله:
” اللهم واهدنا إلى سواء السبيل واجعل مقيلنا عندك خير مقيل في ظل ظليل” وهو ختام يعكس طمأنينة من سلّم أمره لله، لا يطلب النجاة فقط، بل القرب، ولا يسأل السلامة فحسب، بل حسن المقام.
إن هذا الدعاء، وهو يُتلى في يوم المبعث، وعلى طريق السجن، يكشف أن الإمامة ليست موقعًا تاريخيًا، بل وعيًا ربانيًا، وأن الدعاء عند أهل البيت ليس انفصالًا عن الواقع، بل أعمق أشكال مواجهته، حيث يتحول الألم إلى يقين، والقيود إلى مناجاة، والمحنة إلى مدرسة توحيدية خالدة.




