
السيد فاضل آل درويش
ورد عن الإمام الكاظم (ع): (مَن لم يكن له من نفسه واعظ، تَمكَّنَ منه عدوّه)(نزهة الناظر ص ١٢٤)
مبدأ التناصح وتوجيه النقد الإيجابي من الآخرين له التأثير الكبير والمهم في تصحيح أفكارنا وأهدافنا وأخطائنا والتعديل في رسم معالم التخطيط المستقبلي، ولكن هذا التأثير والإثمار مبني على وجود قابلية للاعتراف بالخطأ أو التقصير دون مناكفة أو إيجاد التبريرات الواهمة، فالضمير الحي واليقظ يعد تلك النصائح والتوجيهات صدى للعقل الجمعي والعلاقات الاجتماعية الوازنة، ولكن الاستماع لها يعني وجود نفس تستمع بإنصات لكل ما يردها من تنبيهات وتحذيرات، والإمام (ع) هنا يؤكد على القيمة والمكانة العالية للصوت الداخلي الساكن بين جوانبنا ويستقبل ما يرده، فالرقابة والضبط الذاتي هو الأساس لإعادة تقييم كل أفعالنا وتصرفاتنا واتخاذ القرار المناسب، ويضعنا هذا التوجيه أمام معادلة تربوية دقيقة تختصر مشروع بناء الإنسان، فإمّا أن يكون للإنسان رقيب من داخله يضبط أفعاله وفق مبدأ المسؤولية والتفكير الواعي والخطوات المدروسة، أو يكون نهبًا لقوى الانحراف من خارجه والتي تعيث فسادًا وتزيينًا نحو ارتكاب الموبقات والآثام، فالشيطان – بحسب الرؤية القرآنية – لا يملك سلطانًا قهريًّا على الإنسان يجبره على ارتكاب ما يُلحق به المذمّة، وإنما ينفذ إليه عبر الثغرات الداخلية وأهمها غياب الوعي الذاتي والضمير الحي، ولذا فإن الإمام الكاظم (ع) لا يحمّل الشيطان مسؤولية الانحراف كما يحلو للبعض قي جعل إبليس مشجبًا يعلّق عليه أخطاءه ويبرّر بذلك نقائصه، بل يردّها (ع) إلى عامل مهم ينبغي الالتفات إلى دوره المؤثر وهو فقدان الواعظ النفسي، فكما أن الأمصال واللقاحات المتعددة تحمي جسم الإنسان من مختلف الأمراض وتمثّل الدرع الحصين أمامها، فكذلك الوعي الداخلي يمثل الركيزة الأساسية في تنبيه الإنسان من مختلف المخاطر المحدقة به والمسقطة له أرضًا.
الواعظ من النفس بنية معرفية وروحية تتكوّن من العقل الواعي الذي يميّز بين الحق والباطل، والضمير الحي الذي يؤنّب عند ارتكاب الخطأ ويرسم خط الرجعة للصواب والفضيلة، والتقوى الباطنية التي تمنع من الانزلاق إلى حفر المكر الشيطاني قبل وقوعه، والمحاسبة الذاتية التي تراجع الفعل بعد صدوره وترسم معالم استعادة الألق والكرامة والطهارة النفسية بعدما علق بها قذارة الأهواء، ولذا يلفت الإمام الكاظم (ع) النظر إلى حقيقة تربوية كبرى تغيب عن أذهان البعض، وهي أن الانحراف لا يبدأ من الشيطان – وإن كان يمثل القمة في العداوة للإنسان والتربّص به -، بل طريق الانحراف يشق امتداده من البدايات المتمثّلة بفراغ النفس وخلوها من صوت الرقيب الداخلي.
عندما تغيب المراقبة الذاتية تصبح النفس مهيّأة للتبرير وسريعة الاستجابة للشهوة وضعيفة أمام الضغط، وهنا يتسلّل الشيطان عبر التسويف والتهوين وشرعنة الخطأ، فيحوّل المعصية إلى حاجة أو حق أو ضرورة ، وهو التمكّن والسيطرة الذي حذّر منه الإمام (ع) و تكبيل الأيدي بعد الوقوع تحت أسر الشهوة والغفلة ، أي السيطرة الناعمة التي لا يشعر معها الإنسان بأنه مُستَدرَج وسائر إلى طريق الهاوية.




