أقلام

صناعة الالتباس

أمير الصالح

معظم الأفراد ﻳﻌﻴﺸﻮن حاليًّا ﻓﻲ ﺳﺎﺣﺔ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺋﻴﺔ أو غير مُعلنة ودون ضوضاء. فأرض المعركة أضحت رقمية في جوال ولاب توب كل شخص من المجتمع حيث وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ، واﻟﻤﻨﺼﺎت اﻹﻋﻼﻣﻴﺔ، والإنترنت والتطبيقات المختلفة. عدد الشبهات وحجم أعداد الصورة الشهوانية المغرية والسرديات المتضاربة للأحداث والأخبار، وتطبيقات المواعدة وتزايد أعداد المواقع المشبوهة والمقاطع الشيطانية المتربصة أضحت مرتعًا خصبًا وﻣﺼﺎﻧﻊ متعددة ﻹﻧﺘﺎج اﻻﻟﺘﺒﺎس والتشتت والحيونة السلوكية والتشويش؛ حتى بلوغ البعض درجات مختلفة من الضياع والانزلاق والكفر ولرتكاب الخطيئة والقمار لمن لا يحسن الإبحار في ذلك العالم الرقمي الواسع، ولا سيما ممن لا يوجد لديه خريطة طريق صحيحة أو أضاع البوصلة الأخلاقية الإنسانية الرصينة وهتك حجب قيم الفطرة السليمة. واﺟﺐ أخلاقي وإنساني على كل فرد أن يحدد ويعين ويرشد الآخرين للبوصلة الأخلاقية الإنسانية الرصينة، وأن يصطف مع الصالحين وأن يروض نفسه على الامتناع عن إغواء الغاويين ويبتعد عن الأشرار واللصوص والمروجين للفجور وقطاع الطرق والمجاهرين بالفجور.

مصطلحات اﻟﺤﺮﻳﺔ الشخصية، الاستقلال الذاتي، حرية التعبير، كلمات رنانة وساحرة ولا سيما لدى جيل الفتيات والشباب وحتى الأطفال والكبار. الحرية جميلة ولكن إذا وظفت انحيازيًّا بمعنى التمرد على الله وانتهاك حقوق الآخرين فهذا أمر شنيع. حرية التعبير كعنوان هي جميلة، ولكن إذا تم توظيفها انحيازيًّا لإطلاق صور وكلمات مبتذلة فهذا أيضًا أمر مرفوض. اﻟﻨﺨﺐ في المجتمع اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺒﻨّﻰ ﻫﺬه اﻟﻠﻐﺔ دون ﻣﺴﺎءﻟﺔ يتحولون هم أيضًا إﻟﻰ أدوات ممسوخة داﺧﻞ آﻟﺔ الإعلام المشوة وبالتالي السيطرة العالمية.

توظيف اﻟﻜﻠﻤﺎت والصور والمقاطع بسياق ونمط معين ومحدد لنشر الرذيلة أو الالتباس أو التمرد على السلوك الحسن أو خيانة الأمانة والكفر بالله وهدم بناء الأسرة واستقرار (المجتمعات) الأوطان هي حرب فكرية ﻗﺒﻞ أن ﺗﻜﻮن ﺣﺮﺑًﺎ ملموسة ضروس. إن أﺧﻄﺮ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺮوب اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة هي صراع القوى الناعمة حيث أﻧﻬﺎ تدار في الواقع بالتلاعب بالألفاظ والعبارات المنمقة وتحريف المفاهيم وتوجيه بعض المصطلحات بطريقة سالبة، فيوظف البعض مفردة الحرية الشخصية بمعنى حرية التعري الجسدي وإشباغ الغرائز بالحرام، وعدم ترويض النفس من رغباتها الحيوانية وتخطي المحاسبة؛ ويوظف البعض مسمى حرية التعبير بمعنى الاستخدام المفرط للكلمات الساقطة والتعابير الدنيئة والنابية والعنصرية والتطاول على الآخرين. والواقع أنه ﻳُﻌﺎد إﻧﺘﺎج اﻟﻌﻨﻒ والفوضى والرذيلة ﻓﻲﺻﻴﻐﺔ عناوين جذابة ومنمقة بهدف السيطرة والوقوع في الفخ الشيطاني.

النخب بكل الأطياف في أي مجتمع، عليها واجب أن ﺗﻜﺸﻒ ﻫﺬه الفوضى المقنعة، وأن ﺗﺬﻛّﺮ ﺑﺄن أي مفردة تاتي ممن لا يكنون الخير للمجتمع، فإنها ليست للإصلاح وإنما لتدجين وسحق وإﺧﻀﺎع المجتمع وسرقة خيراته وتفتيت الأسر وتحطيم المكاسب.

البوصلة الأخلاقية

حتمًا لم ولن يكن كل فرد في المجتمع رجل فكر لامع أو وعي مميز أو عالم أو مخطط إستراتيجي، ولكن تحديد البوصلة الأخلاقية وتفعيل استخدامها عند كل فرد منا مؤشر رئيس لتحديد الجهة التي يجب أن نقف معها ونعاضدها. فتشخيص وتمييز من ينصح الآخرين ويقول كلمة الحق ويصبر على التمسك بالمبادئ والقيم ممن يظلل الناس ويكذب عليهم ويسعى في الأرض بالخراب والفساد ونشر الإباحية وزيادة العنف أمر مهم ومفصلي، ويجب استحضار الذاكرة والتاريخ لتفادي الوقوع في مقالب التلون واللغة الناعمة للأشرار.

النصيحة بأسلوب فعال ومؤثر

قصة الرجل المحاور الشجاع في سورة يس، (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) سورة يس، آية 20.

أثارت لدي تلك القصة عدة أمور:

تصلني عدة نشرات من عدة جهات تحت عناوين مختلفة (مجلة كذا ونشرة كذا ومقالة كذا وحكمة اليوم) وهي ذات فحوى هادف ولكن بأسلوب قد يراه الشباب بأنه رتيب أو ممل أو مستهلك أو كلاسيكي جالب للنعاس فلا يقرؤونه ولا يتفاعلون معه. وكذلك المحاضرات بدور العبادة.

فكنت أتساءل عن فعالية وصول ووضوح رسائل المخلصين نحو الآخرين، ولماذا صداها باهت؟ طرحت عدة أسئلة كحوار ذاتي- ذاتي:

– هل هناك عزوف من الشباب عن كل ماهو إنتاج فكري محلي؟

– هل هناك أدوات إعلامية مؤثرة لم يجد استخدامها الآباء والمبلغون والكتاب ويجب عليهم إتقانها؟

– هل الصدمة الحضارية بلغت بالبعض حد النفور حتى من لغته الأم وكل ما له علاقة بها؟

– هل الذكاء الصناعي وتطبيقاته وجوجل أضحوا مصادر المعرفة والآخرون والموروث الحضاري المحلي (ما يوكل عيش)؟

قصة الرجل في سورة يس قصة ملهمة جدًّا، وتنم عن تحرك مناسب من رجل واعٍ في زمن ضاع فيه أبناء مجتمعه.

وفي بعض المجتمعات، لم ولن تجدي النصيحة والمقالة والمحاضرة والتواصل المباشر، لأنهم انسخلوا من كل القيم، وخير مثال يذكرنا القرآن الكريم به ؛(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) سورة الأعراف، آية 79.

نعول كأبناء مجتمع على المخلصين والأوفياء على استحداث أدوات تواصل فعالة مع المحيط ولا سيما أبناء الجيل الصاعد حيث التقنيات والتطبيقات والتحذير من الانغماس في محفزات النزوات والتضليل الإعلامي وصنوف أدوات غسيل الدماغ.

لكل التربويين والخطباء والكتاب والشعراء والآباء نقترح مراجعة الأدوات والأساليب وتفعيلها قبل فوات الأوان وزهد أبناء الجيل Z من موروث آبائهم / هن وقيمهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى