أقلام

حين بعث الله نبيّه… بدأ امتحاننا

أحمد الطويل

مقدمة:

ليس كل حدثٍ دينيٍّ ذكرى، وليس كل ليلةٍ مباركة محطةَ طمأنينة.

هناك ليالٍ إذا مرّت عليك بهدوء… فقد خسرت معناها.

ليلة المبعث ليست ليلة احتفال، بل ليلة اهتزاز.

ليست لحظة عاطفة، بل لحظة مواجهة.

فيها لم يُطلب من الإنسان أن يُحبّ النبي فقط، بل أن يتحمّل معه ثقل ما جاء به.

في تلك الليلة، لم يُبعث محمد ﷺ ليُدهش الناس، بل ليضع الإنسان أمام مسؤوليته.

لم يُبعث ليُريح الضمائر، بل ليوقظها. وهذا ما لخّصه القرآن بدقّة حين عرّف وظيفة المبعث لا بوصفها حدثًا، بل مشروعًا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالتلاوة ليست ترفًا، والتزكية ليست خيارًا، والتعليم ليس معلومة… بل مسار تغيير كامل للإنسان.

ولهذا كان أول ما سمعه من السماء ليس وعدًا، بل تكليفًا، وليس طمأنينة، بل ثِقَلًا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.

من هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نُحيي المبعث لأنه غيّر التاريخ؟

أم لأنّه ما زال يطالبنا بالتغيير؟

المبعث: انتقال من كمال الفرد إلى عبء الرسالة

لم يكن محمد بن عبد الله ﷺ قبل المبعث إنسانًا عاديًا يبحث عن معنى.

كان كامل الأخلاق، صادق السيرة، أمين النفس، نقيّ الفطرة.

لكن الله لم يبعثه ليكمّل نفسه، بل ليحمل ما لا يُطاق إلا على الأنبياء.

المبعث لم يكن ترقية روحية، بل تحميل أمانة.

لم يكن إضافة فضل، بل بداية طريق مليء بالمواجهة والخذلان والأذى.

ولهذا نفهم أن الرسالة لا تبدأ من النقص، بل من الاستعداد لدفع الثمن.

المبعث والمعراج: نزول التكليف وصعود القرب

يخطئ من يخلط بين المبعث والمعراج.

المبعث هو بداية النزول إلى الناس، والمعراج هو الصعود إلى الله.

في المبعث قيل: ﴿قُمْ فَأَنذِر﴾

وفي المعراج قيل له:

اقترب.

المبعث هو إعلان المسؤولية، والمعراج هو تكريم بعد الصبر.

ولا معراج بلا مبعث، ولا قرب بلا قيام.

وهذا ليس درسًا تاريخيًا، بل قانون حياة: من أراد القرب من الله، فليقبل أولًا بثقل الرسالة.

الإيمان كما يريده القرآن: بل يقظةٌ تُحافَظ عليها، ومسؤوليةٌ تُجدَّد كل يوم.

الإيمان في مدرسة محمد وآل محمد عليهم السلام ليس شعورًا يُحفظ، بل موقفًا يُختبر.

ولهذا يخاطب القرآن المؤمنين بقوله الصادم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾.

كأن الوحي يقول:

لا تطمئنوا لما أنتم عليه،

فالإيمان الذي لا يتجدد يصدأ، والإيمان الذي لا يُمتحن يتوهّم كماله.

ومن الناحية العقلية، لو كان الإيمان فكرة ذهنية، لما احتاج الإنسان إلى نبي.

لكن الوحي جاء لأن الحقيقة إن لم تتحوّل إلى التزام، تحوّلت إلى وهم جميل.

كربلاء: حين تكلّم المبعث بدمٍ لا بخطاب

ولأن الإيمان لا يُعرف إلا عند الكلفة، جاءت كربلاء.

هناك انكشف الإيمان الحقيقي من الإيمان المفرّغ.

الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يبحث عن مواجهة،

كان يعرف طريق السلامة، ولكنه رفض أن يعيش بإيمان بلا موقف.

في كربلاء وقف فريقان:

فريق عرف الحق فاتبعه،

وفريق عرف الحق… ثم خاف أو طمع أو ساوم.

كلاهما صلى، وكلاهما قرأ القرآن، ولكن الفرق كان في لحظة الثمن.

الحسين جسّد إيمان المبعث: إيمان لا يعيد تعريف الحق تحت الضغط،

ولا يبحث عن أعذار شرعية للهروب من المسؤولية.

رسالة النبي وأهل البيت: ماذا يريدون منا فعلًا؟

النبي ﷺ لم يُبعث ليُنتج جمهورًا متأثرًا،

بل ليبني إنسانًا مسؤولًا.

وأهل بيته عليهم السلام لم يضيفوا دينًا جديدًا،

بل حرسوا هذا الدين من التحريف والتفريغ.

قال الإمام الصادق عليه السلام: “كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا”.

أن تكون زينًا لهم يعني:

أن يظهر الإيمان في أمانتك،

وفي عدلك،

وفي بيتك،

وفي قدرتك على كسر هواك حين يتعارض مع الحق.

الخلاصة:

ليلة المبعث ليست محطة شحن مؤقتة، ولا ذكرى نُجمّل بها وعينا الديني.

إنها لحظة سؤال خطير:

هل نريد إيمانًا يريحنا… أم إيمانًا يغيّرنا؟

المبعث يرفض الإيمان الكسول، ويرفض الدين الذي يتحوّل إلى طقس بلا أثر، ويرفض الإنسان الذي يُعجب بالحق من بعيد ولا يقف معه حين يكون مكلفًا.

من أحيا المبعث ولم يراجع سلوكه، فقد أحيا الذكرى وغاب عن الرسالة.

ومن جعل المبعث نقطة مراجعة، فقد دخل في مشروع محمد ﷺ الحقيقي، مشروع بناء إنسان يعرف الحق ويملك شجاعة الالتزام به.

المبعث ليس سؤال: ماذا حدث للنبي؟

بل سؤال: ماذا حدث لنا بعده؟

اللهم اجعلنا من الذين حملوا رسالة المبعث في قلوبهم، وأعمالهم، وثباتهم، وامنحنا أن نعيش الإيمان حقًا لا موروثًا، ولا موقفًا بلا التزام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى