أقلام

رحيلُ رجلِ الوحدة والعطاء في وداع سماحة العلامة الحجة السيد علي السيد ناصر السلمان رحمه الله

أمير بوخمسين

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة، لا يسدها شيء إلى يوم القيامة).

حين يغيب العلماء الربانيون، لا تُطوى صفحاتهم، بل تُفتَح أبواب الذاكرة على مصراعيها، لتشهد أن أعمارهم لم تكن أزمنةً عابرة، بل رسالاتٍ حيّة، نُسجت من الحكمة، وتجلّت في المواقف، وترسّخت في وجدان الناس.

وبرحيل سماحة العلامة الحجة السيد علي السيد ناصر السلمان – رحمه الله – فقدت الساحة الدينية والاجتماعية أحد أعمدتها الراسخة، ورمزًا من رموز الاعتدال والوحدة والعطاء الصامت.

لقد كان الفقيد شخصيةً جامعة، آمنت بأن المجتمع لا يقوم إلا على التآلف، ولا ينهض إلا بوحدة الصف ونبذ أسباب الفرقة. فظلّ طوال مسيرته داعيةً للحكمة، وجسرًا للتلاقي بين مختلف الأطياف، حاضرًا عند المنعطفات الكبرى، ثابتًا حين تضطرب المواقف. ولعل موقفه الحكيم عقب حادث التفجير الإجرامي الذي استهدف مسجد الإمام الحسين (عليه السلام) في حي العنود، شكّل علامةً فارقة في تاريخ المنطقة، إذ دعا حينها إلى التماسك المجتمعي، ورفض الانجرار خلف الفتنة، مؤكدًا أن يد العدالة ستطال المجرمين، وأن المجتمع أقوى من محاولات التمزق والتشظي.

وفي زمنٍ كانت فيه البدايات شاقة، قبل سماحته الإقامة في بلدٍ ناشئ، وتحمّل وحده عبء التأسيس والخدمة، فبذل من عمره وجهده ما جعله شاهدًا على مرحلةٍ كاملة من البناء الاجتماعي والديني، واضعًا الأسس الأولى لمشروعٍ متكاملٍ يخدم الإنسان قبل المكان.

أما في ميدان العلم، فقد كان السيد السلمان عالمًا حكيمًا، ومربّيًا بصيرًا، لا يُغادره من يجالسه إلا وقد حمل معه نصيحةً صادقة، أو رأيًا سديدًا. كانت محاضراته تلامس احتياجات المجتمع، وتخاطب واقعه بلغةٍ واعية تجمع بين عمق الشريعة وفهم العصر، فكان مأمونًا في الرأي، مرجعًا في المشورة، وقائدًا روحيًا استطاع أن يدير شؤون المجتمع بثباتٍ واتزان.

وقد تجلّى عطاؤه العلمي في دعمه المتواصل للعلم والعلماء، وتشجيعه للتأليف والبحث، واستمراره على نهج آبائه في إحياء المسيرة العلمية، عبر تأسيس وتطوير الحوزة العلمية في الأحساء في مرحلتها الرابعة من عمرها مطلع القرن الهجري عام 1404هـ، بالشراكة مع سماحة السيد محمد علي العلي السلمان. فكانت رؤية السيد علي السلمان رؤيةً مستقبلية حديثة، جمعت بين الأصالة والتجديد، وأسهمت في تخريج مئات من طلبة العلوم الدينية، الذين واصل عددٌ منهم تحصيلهم العلمي في مراتب عليا، لتغدو الحوزة منارةً علمية وأنموذجًا يُحتذى به.

ولم يقف عطاؤه عند حدود العلم، بل امتد إلى ميادين الخدمة الاجتماعية، حيث كان سبّاقًا في دعم المحتاجين، وبناء المشاريع الإنسانية، من مستوصفات ومراكز علاجية متخصصة، كمركز صحي مجيديه القطيف، ومركز الفحص الشامل والفحص المبكر للأورام والمختبر بالقطيف، ومركز علي بن ناصر السلمان الصحي في حي الجلوية بمدينة الدمام وغيرها من المؤسسات والمراكز التي تركت أثرًا ملموسًا في حياة الناس، فكان عطاؤه هادئًا، ولكنه عميق الأثر.

برحيل سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان، يودّع المجتمع رجلًا عاش للناس، وحمل همّهم، وسعى إلى جمع كلمتهم، وترك خلفه إرثًا من القيم والمواقف والعمل الصادق، سيظل شاهدًا على أن العطاء الحقيقي لا يُقاس بضجيجه، بل بعمقه واستمراره.

رحم الله الفقيد رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحشره مع محمدٍ وآله الأطهار، وحفظ الله علماءنا ومراجعنا الكرام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى