أقلام

حين تحتقر غيرك… فأنت تخاف من نفسك

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة استلهمت فكرتها الأولى من طرحٍ صادق وعميق للأخ العزيز

عبدالوافي القمبر (بوعبدالعزيز)

حين كتب عبارة: “أنا لقمان… وأنت لقمان” في قروب مهندسي البترول.

ومن هذا الوميض الإنساني، وُلد هذا النص، محبةً للفكرة، وأمانةً لصاحبها.

مقدمة:

كل مرة تستخف بالآخر، فأنت في الواقع تخاف من مواجهة نفسك.

نحن لا نجرح الآخرين لأننا أقوى، بل لأننا أضعف مما نحب أن نعترف به.

في كل مرة نُسفّه رأيًا، أو نُقلّل من تجربة، أو ننظر إلى إنسان من علٍ، فإننا لا نمارس ذكاءً ولا وعيًا، بل نمارس هروبًا خفيًا من مرآة داخلية لا نحب النظر إليها.

ذلك “الآخر” الذي نراه أقل، أبسط، أضعف حجة أو محدود أفق، ليس بالضرورة نقيضنا، بل قد يكون صورتنا لو تغيّرت الظروف، أو ضاقت الفرص، أو اختلفت البدايات.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا عن احترام الآخر، بل عن قدرتنا على احترام أنفسنا دون أن نحتاج لإلغاء غيرنا.

الإنسان قبل رأيه

في منطق القرآن، الإنسان ليس فكرة تمشي على قدمين، ولا رأيًا يُختصر في جملة.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾.

هذه الآية لا تتحدث فقط عن الثواب والعقاب، بل تؤسس لمبدأ عميق: أن الإنسان يُحاسَب بفعله، لا يُلغى بوجوده، ولا يُختزل بخطئه.

المشكلة في كثير من علاقاتنا – بين الأزواج، بين الزملاء، بين الآباء والأبناء – أننا لا نناقش الأفكار، بل نحاكم الأشخاص.

نرفض الرأي لأن صاحبه لا يشبهنا، لا لأن الفكرة ضعيفة.

وهنا يبدأ الظلم الأخلاقي قبل أي ظلم آخر.

لقمان… حكمة لا تفوق

لقمان في القرآن لم يكن نبيًا، ولا صاحب سلطة، ولا رمز تفوق اجتماعي، بل رجلًا امتلك الحكمة.

والحكمة، في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ليست كثرة المعرفة، بل حسن التقدير.

ومن حكم أمير المؤمنين عليه السلام: “رحم الله امرأً عرف قدره ولم يتعدَّ طوره”.

ومعرفة القدر لا تعني احتقار النفس، بل تعني التحرر من وهم التعالي.

فمن يحتاج أن يشعر بتفوقه على الآخرين ليطمئن، لم يصل بعد إلى السلام مع ذاته.

حين يصبح الاحترام امتحانًا

الاحترام الحقيقي لا يُختبر عند الاتفاق، بل عند الاختلاف.

حين تختلف مع زوجك، أو زوجتك، أو صديقك، أو زميلك، وتملك القدرة على الجرح، هنا فقط يظهر معدنك الأخلاقي.

قال الإمام الصادق عليه السلام: “ما من عبدٍ كظم غيظًا إلا زاده الله عزًّا”.

العزة هنا ليست صمتًا مهينًا، ولا تنازلًا عن القناعة، بل سيادة على النفس.

أن تقول رأيك دون سحق الآخر، وأن تثبت موقفك دون كسر إنسان، هذا هو التفوق الحقيقي.

الاستعلاء: مرض خفي

أخطر أشكال القسوة ليست الصراخ، بل الاستعلاء الهادئ.

نبرة تعرف أكثر، نظرة تقلّل، تعليق ساخر، أو صمت يُشعر الآخر أنه لا يستحق الرد.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ما أضمر أحدٌ شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه”.

الاستعلاء لا يبقى فكرة داخلية، بل يتسرّب، ويهدم العلاقات دون أن ننتبه.

وكثير من العلاقات الزوجية لا تموت بسبب الخيانة أو الكذب، بل بسبب الاستخفاف المتراكم.

من يستخف بالآخر اليوم، يكتشف غدًا أن مرآة نفسه لم تعد تحتمل خدوشه.

الآخر مرآتك… لا عدوك

الإنسان الذي لا نحتمل وجوده غالبًا هو ذاك الذي يذكّرنا بنقصٍ نخشى الاعتراف به.

وجوده يربك صورتنا عن أنفسنا، فيدفعنا لإلغائه بدل فهمه.

ولكن النضج الحقيقي يبدأ حين نفهم أن: الاختلاف لا ينتقصنا. احترام الآخر لا يقللنا والكرامة لا تُقسم حتى نخاف أن تضيع.

حينها فقط، نكتشف أن “لقمان الآخر” لم يكن خصمًا، بل مرآة.

الخلاصة:

لسنا مطالبين أن نُعجب بالجميع، ولا أن نتفق مع كل رأي، ولا أن نذيب اختلافاتنا باسم المجاملة. لكننا، قبل كل شيء، مسؤولون عن حفظ كرامة الإنسان، لأن الكرامة لا تُمنح ولا تُسحب بحسب مستوى الذكاء أو قوة الحجة أو قربنا من الصواب.

الطريقة التي نعامل بها من نختلف معه تكشف حقيقتنا أكثر مما تكشف حقيقة أفكاره؛ فهي المرآة التي تُظهر مقدار نضجنا، لا مقدار علمنا. فالعلم بلا احترام يتحول إلى أداة قسوة، والقوة بلا رحمة تصبح شكلًا آخر من أشكال الظلم.

وحين نملك القدرة على الجرح ثم نختار ألا نفعل، وحين نثبت قناعاتنا دون أن نُسقط إنسانًا، نكون قد فهمنا جوهر الحكمة. عندها فقط ندرك أن “لقمان الآخر” لم يكن تهديدًا لذواتنا، بل اختبارًا لها… وأن من يخاف من اختلاف الناس، لم يتصالح بعد مع نفسه.

من يخاف من وجود لقمان آخر، سيظل عبداً لضعفه، ولن يعرف طعم الحرية الحقيقية.

فلنجعل كل اختلاف فرصة لنكبر، ولنحول كل لقمان آخر نراه إلى مرآة تصقل وعينا وقيمنا.

اللهم اجعلنا ممن يحفظون كرامة الناس كما يحفظون كرامتهم، ولا تجعل اختلافنا بابًا للظلم، ولا علمنا سببًا للتعالي، ووفقنا لأن نكون حكماء في القول، عادلين في الخلاف، ورحماء حين نملك القدرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى