
أحمد الطويل
مقدمة:
ليست واقعة تبوك حدثًا تاريخيًا يُستحضر للبكاء على الماضي أو للإعجاب ببطولاتٍ منقطعة عن واقعنا، بل هي نصٌّ مفتوح يقرأه كل جيل بلغته وظروفه. القرآن حين خصّ تلك المرحلة بسورة كاملة هي سورة التوبة، لم يكن يدوّن وقائع عسكرية، بل كان يكشف قوانين الصراع حين تبلغ الأمة لحظة اختبار مصيري.
في تبوك، لم يكن الخطر متمثلًا في الدولة الرومانية العظمى فحسب، بل في ذلك العدو الصامت الذي يتحرك في الظل، يلبس لباس الدين، ويتكلم بلغة الحرص، ولكنه يعمل على تفكيك الجبهة من الداخل. ولهذا كانت تبوك لحظة فرز: من ينفر، ومن يتثاقل؛ من يصدق، ومن يناور؛ من يرى المعركة خارجية فقط، ومن يدرك أن المعركة الأعمق تبدأ في القلب والمجتمع.
الخطر الخارجي: حين يَظهر الامتحان
كانت الدولة الرومانية آنذاك القوة العظمى في العالم، ويمثل التحرك العسكري تجاهها مخاطرة حقيقية. المسافة بعيدة، والحر شديد، والظروف الاقتصادية قاسية. في مثل هذا الظرف، نزل الخطاب الإلهي صريحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
ولم يكن الخطاب الإلهي في هذا الظرف خطابَ ترغيبٍ فقط، بل تحذيرًا صارمًا من تحويل الخوف إلى موقفٍ شرعي، إذ يقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
لم يكن السؤال عن القدرة العسكرية فقط، بل عن قابلية النفوس للتضحية. فالامتحانات الكبرى لا تُقاس بنتائجها الظاهرة، بل بما تُظهره من حقيقة الولاء والانتماء. ولهذا خرج رسول الله ﷺ بجيشٍ كبير، لا لأن العدد يحسم المعركة، بل لأن الموقف نفسه هو ساحة الامتحان.
النفاق: العدو الذي لا يُرى
في الوقت الذي كانت فيه الأمة تُستنهض، بدأ المنافقون يتحركون بهدوء. لم يعلنوا تمرّدًا، بل مارسوا أخطر أشكال التخريب: التثبيط، والتشكيك، وبثّ الأعذار. وصفهم القرآن بدقة: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾.
اجتمعوا في بيت سُويق، فهدم النبي ﷺ هذا الوكر. ثم حاولوا إضفاء الشرعية الدينية على مشروعهم ببناء مسجد الضرار، ليكون منطلقًا لتكريس الانقسام باسم العبادة. هنا تتجلى خطورة النفاق: لا يواجه الحق مواجهة صريحة، بل ينافسه من داخله.
عليٌّ في المدينة: معركة الداخل قبل الخارج
حين خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك، ترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المدينة. لم يكن ذلك تخلّيًا عن علي، بل تعبيرًا عن وعيٍ عميق بطبيعة المرحلة. فالمدينة كانت تضم أخطر تجمع للمنافقين، وكان لا بد من قائدٍ يحسم الفتنة من الداخل.
وحين حاول المنافقون استغلال هذا الاستخلاف لإثارة الشبهات، جاء الرد النبوي الحاسم: “كذبوا”. ثم قال له ﷺ: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”. هذه الكلمة لم تكن فضيلة فحسب، بل إعلانًا عن أن حفظ الجبهة الداخلية لا يقل أهمية عن خوض المعركة العسكرية.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين التجربتين: هارون عليه السلام لم يستطع كبح الانحراف الداخلي فَعُبد العجل، بينما نجح عليٌّ عليه السلام في إجهاض مشروع النفاق، فبقيت المدينة متماسكة، ولم تُخترق من الداخل.
فشل المواجهة العسكرية وانكشاف الحقيقة
حين وصل رسول الله ﷺ إلى تبوك، تراجع الرومان ولم يجرؤوا على المواجهة. وبقي النبي ﷺ قرابة عشرين يومًا، فبادرت القبائل المحيطة إلى عقد معاهدات أمان، مدركة أن قوة هذا الجيش لا تكمن في سلاحه فقط، بل في تماسكه العقائدي.
هنا سقط رهان المنافقين على العدو الخارجي. فلم تقع الحرب التي كانوا يعلّقون عليها آمالهم لإضعاف الداخل، وبقيت آخر ورقة لديهم: الفوضى والاغتيال.
محاولة الاغتيال: السقوط الأخير للنفاق
في طريق العودة، عند العقبة، بلغ النفاق ذروته. تآمر نفرٌ من المنافقين لاغتيال رسول الله ﷺ بإسقاطه من على دابته في بطن الوادي. يقول تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.
فهذه العبارة لا تصف فشل محاولةٍ عابرة، بل تكشف عجزًا بنيويًا في مشروع النفاق؛ إذ إن الباطل مهما بلغ دهاؤه، يعجز عن إصابة الحق حين يفتقر إلى الشرعية والصدق.
ولكن العناية الإلهية حضرت، ونزل جبرائيل وميكائيل، وكُشف المخطط، وانفضح أولئك الذين لبسوا أقنعة الإيمان. هنا يتحول النفاق من موقف نفسي إلى جريمة وجودية: محاولة قتل الحق حين يعجز عن تحريفه.
الدروس المستفادة: قراءة تبوك في واقعنا
تبوك تعلمنا أن الخطر الخارجي، مهما كان عظيمًا، يظل أهون من التصدع الداخلي. وأن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الهجوم، بل التثاقل، وتبرير القعود، وتحويل الخوف إلى موقفٍ شرعي.
تعلمنا أن القيادة الواعية لا تنشغل بالجبهات الظاهرة وتغفل الداخل، وأن حفظ الوعي الجمعي مقدّم على استعراض القوة. وتعلمنا أن النفاق لا ينتهي بزمان، بل يتجدد بأشكال جديدة، وشعارات مختلفة، لكنه يحتفظ بالجوهر نفسه: إضعاف الحق من الداخل.
أما نحن اليوم، فنحن بين تبوكٍ وتبوك. لنا روماننا، ولنا منافقونا، ولنا أعذارنا أيضًا. والسؤال الذي تطرحه تبوك علينا ليس: هل نملك القوة؟ بل: هل نملك الصدق؟ وهل نحن مستعدون للوقوف مع الحق حين تكون الكلفة عالية؟
الخلاصة:
تبوك ليست معركةً في الصحراء، بل معركة في الضمير. من فهمها تاريخًا ضيّع معناها، ومن قرأها وعيًا امتلك مفتاح النجاة. فالحق لا يُهزم بقلة العدد، بل بخيانة الداخل، ولا ينتصر بكثرة الشعارات، بل بصدق المواقف.
وتبوك ستظل تتكرر، لا لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن النفوس لم تحسم موقفها بعد: مع الحق ولو كان مُكلفًا، أم مع السلامة ولو كانت خيانة.
اللهم اكشف لنا وجوه النفاق في أنفسنا قبل غيرنا، ولا تجعلنا من المتثاقلين إذا نُودي للحق، واحفظ مجتمعاتنا من وهن الداخل قبل عدوان الخارج، واجعلنا من الصادقين في الموقف كما نحب أن نكون في القول.
تنويه:
كُتبت هذه المقالة بعد الاستماع والاستفادة من خطبة صلاة الجمعة في مسجد الخضر، بتاريخ 23 يناير 2026م، لسماحة الشيخ عبد الكريم الحبيل (حفظه الله).



