
زكي الشعلة
في زوايا بعض البيوت الهادئة، حيث لا يراهم أحد، تعيش حكايات موجعة لا تُروى كثيرًا، حكايات صبرٍ ثقيل، وقلوبٍ لا تنام، ودموعٍ تُمسح بصمت، هناك يعيش المريض المعاق، ويعيش معه والده ووالدته وإخوانه، حياة مختلفة عن كل ما نعرفه.
المريض المعاق لا يؤلمه جسده فقط، بل يؤلمه العجز، ونظرات الناس، وثقل السؤال الذي لا يجد له جوابًا: لماذا أنا؟ يتعب من أبسط الأشياء: من الحركة، من الكلام، من الانتظار الطويل، من الأدوية، من المستشفيات، من الألم الذي لا يراه أحد لكنه يسكنه كل لحظة. يتمنى حياة عادية مثل سائر الناس أن يمشي بلا مساعدة، أن يضحك دون تعب، أن ينام دون وجع.
وخلف هذا المريض، يقف والدان أنهكهما الزمن قبل أوانه. أبٌ يحمل ابنه كما يحمل قلبه وروحه التي بين جنبيه وقطعة كبده، ويمشي به في الطرقات وكأنه يحمل روحه على كتفه. وأمٌ سهرت الليالي، نسيت نفسها، وصار يومها يدور حول دواء وموعد وعلاج وخوف لا ينتهي.
أتذكر مشهدًا لن أنساه ما حييت…
دخل أبٌ مأتمًا، يحمل ابنه المعاق على كتفه، جلس بجانبي، ووضع ابنه – الذي بدا في العاشرة من عمره – على رجله. كان الابن هادئًا، ملامحه بريئة، وجسده الصغير مثقل بما لا يحتمله الأطفال.
أما الأب فكان من عالمٍ آخر من الرحمة والرأفة والعطف والحنان لابنه التي أثقل قلبه، بين لحظة وأخرى يهمس في أذن ابنه، يمسح على رأسه، يشدّه إليه، كأنه يقول له دون كلام: أنا هنا… لا تخف، أنا معك أساندك وأشد على ظهرك وأساعدك بكل حب وحنان.
لم أتمالك نفسي، وانهمرت دموعي بلا استئذان، أمام هذا المشهد الصادق، النقي، المؤلم لرحمة الأب لابنه.
هذا الأب لم يكن يشكو، لم يكن يتذمر، لم يكن يطلب شفقة، كان يؤدي رسالة ثقيلة: رعاية، علاج، متابعة، صبر، وأمل رغم التعب، ورغم السنين، ورغم الصعوبات التي يواجهها ليجعل ابنه يعيش مثل الناس، أو قريبًا من حياتهم.
وكم هم كثيرون هؤلاء…
كم من أصحاب الهمم يعانون أمراضًا مزمنة تعيقهم عن مواصلة الحياة بصورة طبيعية.
وكم من أسرٍ استنزفت وقتها، وصحتها، ومالها، ونفسها، فقط ليبتسم ابنهم لحظة، أو يتحسن خطوة.
ولا ننسى أصحاب القلوب الرحيمة في المراكز المتخصصة، والعاملين في التأهيل والعلاج، الذين يزرعون الأمل في النفوس المتعبة، ويخففون بعضًا من هذا الحمل الثقيل… فالشكر لهم لا يكفي.
أصحاب الهمم ليسوا عبئًا…
هم عيالنا، وأهلنا، وقطعة من أرواحنا.
واجبنا أن نؤهلهم، ونحتويهم، ونمنحهم ما يستحقون، ليعبروا هذه الحياة بكرامة، وبأقل ألم ممكن.
وفي النهاية، لا نملك إلا الدعاء…
رحمتك يا رب في هؤلاء المرضى، ورحمتك في قلوب آبائهم وأمهاتهم، ربِّ خفف عنهم، واشملهم بعطفك، واجعل صبرهم رفعة، وألمهم نورًا، فأنت أرحم الراحمين.




