الأديبة النمر: لا يزال الاهتمام بأدب الطفل في مجتمعاتنا يحبو (لقاء صحفي)

img

فاطمة الشيخ محمد الناصر – الدمام

من خلال الحوار الأدبي الذي أجراه “موقع بشائر الإلكتروني” مع الأديبة رباب حسين النمر والتي كان لها العديد من المشاركات في المحافل العلمية والأندية الأدبية والحاصلة على الماجستير في هذا التخصص، يمكن للقارئ المهتم بجانب أدب الطفل أو الراغب في سعة الاطلاع حول هذا الجانب أن يحصل على تجربة ثرية للأديبة وإضافة ملهمة.

للأديب تجارب لها عمق معين في مساره العلمي والعملي، فما هي تجارب الأديبة النمر؟

التجربة سر إنضاج الحياة! هي كمية الملح المناسبة التي تضاف إلى الطعام في قِدْر الحياة! وهي المقادير بكمياتها وتآلفها معاً لنضوج أكمل وألذ!

وكلما خاض المرء تجارب أكثر كلما جادت خبراته وتوسعت أرصدته العملية و العلمية.

من التجارب التي خضتها وألقت بظلالها على المسار العلمي و العملي:

-تجربة الدراسات الأكاديمية التي تصقل المرء و تهيئ أرضه الفكرية للزراعة و الحصاد، و تدربه على أن يكون باحثاً في رحلة الحياة يتقصى المعلومات، و يقارنها ببعضها البعض، ويعمل عقله حتى ينتخب ما يراه أقرب إلى الحقيقة، فيختار الأفضل و الأجود.

-تجربة الاغتراب والبعد عن الأهل و الأوطان تقوي الشخصية وتعزز الاعتماد على النفس والقدرة على مواجهة صعوبات الحياة بثبات وحل أزماتها باقتدار.

-تجربة تأسيس مشاريع صغيرة تنضج قدرة المرء على حسن الادارة، والتخطيط، والتنفيذ، و تتيح للمرء فرصة الاحتكاك بأفراد المجتمع والاهتمام بمتطلباتهم واحتياجاتهم واهتماماتهم، و الموازنة بين الطلب والأهداف.

-خوض تجارب التدريس الأكاديمي وتوسيع نطاق المعلومة، وإدراك متطلبات المنشآت التعليمية والأكاديمية.

-خوض التجارب التطوعية التي تفتح آفاق النفس، وتقرّب المرء أكثر وأكثر إلى مختلف شرائح المجتمع.

-تجربة المشاركة في الأمسيات الرسمية وغير الرسمية والندوات والمحافل العلمية وارتقاء المنصات وخشبات المنابر يزيل حاجز رهبة الإلقاء والتوتر أمام الجمهور، ويعزز الثقة بالذات، ويقدم المبدع للناس ولأصحاب التجارب و النخب، ويتيح له فرصة نقد الآخرين سلباً أو إيجاباً فيعطيه ذلك فرصة لإعادة تقييم نفسه وتطوير تجاربه ومهاراته.

في داخل كاتب أدب الطفل طفل نائم يجب أن يستيقظ حتى يرى من خلاله ، ويشعر من خلاله، ويتحدث من خلاله، ويزن الأمور من خلاله حتى يحقق مصداقية الرؤية ومصداقية الحدث ، لا أن يحملها برؤى البالغين فتفقد رونها بالنسبة للشريحة التي وجه إليها الخطاب.

وعليه أيضا أن يصعد إلى مستوى خطاب الطفل بلغة الطفل، ويأخذ حقه من الدربة والمران حتى يصقل مهاراته في هذا الصدد.

كيف تُعرف الأديبة رباب النمر أدب الطفل لقراء بشائر؟

أدب الطفل:
الرؤى الورديّة للحياة بمشاعرها، وألوانها، وأصواتها ،وكائناتها الحيّة ،وحركاتها، ونشاطها، وتدفقها، وما يعتري المرء فيها من تجارب مختلفة بلغة راقية سليمة فصيحة، و سلسة مبسطة، مصوغة في عبارات قصيرة، وجمل مباشرة في فضاء جمالي ممتلئ بمثيرات الحواس الخمس.

أدب الطفل قصة تبحر بنا في عالم يعيد إلينا التوازن، وقصيدة مقفاة ترضي حاجاتنا للنغم، وللكلمة الحلوة، وللموسيقى والإنشاد.
أدب الطفل نافذة تنفتح على الخيال فتثريه وتؤجج داخله الأسئلة.

قصص الجدات أو ما يعرف بالقصص الشعبية له جاذبية للأطفال قديما، كيف ترى النمر تأثير القصص الشعبية سابقا وحاليا؟ وهل أطفال اليوم يلتفتون لهذا النوع من القصص في وقتنا الحالي؟

قصة الجدة كزجاجة الحليب الدافئ و الصدر الحنون التي تُعد من الاحتياجات العاطفية والوجدانية المتجذرة في فطرة الإنسان.

مهما بلغت التكنولوجيا شأوها في حياة الإنسان، الطفل الرضيع لا يستغني عن هز المهد ولا الطبطبة والاحتضان، كذلك قصة الأم والجدة حاجة نفسية ووجدانية وعاطفية تربط الطفل بأمه لن يستطيع الزمن أن يأتي عليها. القصة زجاجة حليب فكرية وعاطفية تغذي وجدان الطفل وتشبع نهم خياله، وتفتح لتصوراته آفاقاً واسعة.

ما هي البنية التحتية التي يستلزم توفرها في أدب الطفل؟ وكيف للورش أن تقدم مستلزماتها المطلوبة؟

الأرض الصلبة التي تحتضن المبنى إذا كانت مهيأة للبناء، ومُعدّة للسكن، وأُحسن البناء في فضائها كان السكن سعيداً ومريحاً وغاية في الهناء. تماماً كالمخطط الذي يهيئه العقاريين والمهندسين قبل البناء بالخدمات الرئيسة اللازمة من سفلتة الشوارع، وإنارتها وحفر شبكات المجاري وتصريف المياه وتهيئة حديقة الحي ومسجده ومدارسه وأسواقه وخدماته ومحطة لتعبئة الوقود. فيكون حياّ متكامل الخدمات قبل البدء في بناء المُنشأة المُعدّة للسكن .

كذلك كاتب قصة الطفل يحتاج إلى بنية تحتية يحرثها بالعديد من المواهب ويجهزها بالكثير من المتطلبات قبل الشروع في بناء أبراجه القصصية.

وعليه أن يعي أن للطفولة فئات ومراحل يجب أن يضعها في الحسبان قبل أن ينطلق قلمه فيحدد فئة الخطاب العمرية.

فالطفولة تمتد حتى اثنتي عشرة سنة، وما يُكتب لرضيع في الشهر السادس من عمره يختلف عما يُكتب ليافع في الثانية عشرة.

الطفولة: مبكرة ومتوسطة ومتأخرة. وما يناسب هذه لا يناسب تلك من مواضيع ولغة خطاب وأسلوب نصي وإخراجي.

قاموس الطفولة، صحة مفرداتها، البنية التحتية اللغوية والنحوية وصحة التراكيب، والجمل مطلب رئيس لكل كاتب .

نجد أن أدب الطفل حظي بالاهتمام في الدول الأوروبية عبر القصة والمسرح والمدرسة وغيره مما يحاكي حاجته، أين تجد النمر أدب الطفل قد تم تفعيله بشكل يليق بالطفولة؟ وهل هناك حراك من هذا الجانب؟ و ما دور العائلة والمدرسة والجهات المعنية في هذا الجانب؟

لا يزال الاهتمام بأدب الطفل في مجتمعاتنا يحبو، حتى الآن هناك من ينظر إليه على أنه منقصة، وشيء تافه وسخيف!
ويأتي تفعيل أدب الطفل في شكل جهود وأنشطة فردية ومؤسساتية متفرقة في مناسبات معينة فقط مثل: المهرجانات والأعياد وبعض المناسبات الخاصة مثل يوم الطفل العالمي. بينما يحتاج العمل على تفعيل أدب الطفل اجتماعيا إلى تضافر جهود رسمية مكثفة، و خطط مدروسة ، وتهيئة منشآت ومراكز وأندية ومكتبات تستقبل برامج الطفل.

وأحب أن أشير هنا إلى بعض المؤسسات الرسمية التي تهتم بأدب الطفل وتمنحه مساحة من اهتماماتها مثل جمعيات الثقافة والفنون وإقامة مهرجانات مسرحية للطفل، مكتبة الملك عبد العزيز التي تضم أجنحة للأطفال يتم من خلالها تفعيل كثير من الأنشطة القصصية و المسرحية، مع إتاحة الفرصة للطفل أن يتواصل مع أدب الطفل في المكتبة الخاصة به، إضافة إلى نادي قصة الطفل الذي يكفل للطفل استلام مطبوعتين شهريا يختارها بنفسه من خلال الاشتراك الرسمي بالنادي وشراء قسيمة الاشتراك بمبلغ 300ريال سنويا.

وجهود أرامكو السعودية في تقديم برامج تستقطب الأطفال في الأعياد والمناسبات وسائر أيام العام وجهودها المشكورة في إنتاج وإخراج أفلام سينمائية تخاطب الطفل، وتعرضها مجاناً على الأطفال في مسرح معرض أرامكو.

ويحرص مركز الملك فهد الثقافي على إحياء مناسبة يوم الطفل العالمي، ويعرض على خشبة المسرح في تلك المناسبة مسرحيات للأطفال.وأشير أيضا إلى جهود مكتبة حكاية قمر في تقريب الطفل من عالم الأدب وتنشيطه من خلال ما تقدمه من برامج
ويخصص معرض الكتاب الدولي بالرياض كل عام جناح خاص للطفل يعرض فيه مختلف الكتب والمطبوعات والقصص والوسائل التعليمية والألعاب التربوية، و يخصص أركان متعددة لبعض الأنشطة والدورات السريعة التي تُفعّل أدب الطفل.

سؤال يتبادر إلى الذهن : لماذا لا نستفيد من تجارب بعض الدول الخليجية المجاورة في اهتمامها بالطفل؟

تضم إمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة لوحدها 25مركزا حكومياً مختصاً بالطفولة. كل مركز منها يضم أنشطة متعددة من ضمنها مكتبة للطفل، ودورات مسرحية، وكتابية. تعمل هذه المراكز على مدار العام وبالمجان بواقع ساعتين يومياً لخمسة أيام أسبوعيا مما تتيح فعلاً ربط الطفل بالأدب واللغة، وتدريبه على فنون الإلقاء ومهارات الكتابة، والفنون المسرحية والمنبرية. أما اليوم المدرسي فهو لا يفي بالغرض، وإن تطرق إلى شيء من ذلك فمن باب بعض الأنشطة الطلابية و الإذاعية.

العائلة يجب أن تعي أهمية أدب الطفل في حياته، وتخصيص ركن للقراءة والمطالعة، وربط الطفل بالأنشطة الخارجية التي تهتم بأدب الطفل والحرص على حضوره واستماعه ومشاركته.

للأديبة النمر تجربتها في رياض الأطفال، فما التوجيهات التي تقدمها لتنشيط أدب الطفل خلالها؟

رياض الأطفال أرض خصبة لاستثمارها في تنشيط أدب الطفل لذا يجب أن يحرص منهج الروضة على الاهتمام بالأناشيد المحببة وربطها بالوحدات الدراسية، ومسرحة بعضها فالطفل ينجذب كثيرا للكلام المنغم. ولا يقتصر النشيد على وقته المخصص له، لكن تستطيع المعلمة أن تُسمع الأطفال الأناشيد أثناء اللعب الحر في حديقة الروضة أو في الأركان، وحتى في أوقات الانتظار.

ومن المفيد جدا تخصيص وقت كاف يومياً أو على الأقل ثلاث مرات بالأسبوع لسرد القصص على مسامع الأطفال، وما يليها من أنشطة تربط الطفل بالقصة، وتحويل بعضها إلى مسرحيات، والتنويع في أدوات تقديم القصة و تقنياتها المختلفة من قصص خيال ظل ودمى كف و أصابع، أو قصص ممثّلة من قبل الأطفال، أو عرض قصص السوشال ميديا على شاشات عرض كبيرة.

ولا أنسى تفعيل أدب الطفل من خلال تقديمه خلال الحلقات الدراسية، ومسرحته في حفل ختام العام الدراسي.

صدر للنمر اللوحة الأخيرة، هزيمة ألم، كتاب قصص للأطفال في نماذج من الأدب السعودي وهي دراسة فنية دلالية، كيف تناولتم النصوص القصصية للأطفال من الجانب النقدي الفني؟ وما هو المأمول لقصص أدب الطفل على الساحة الثقافية والاجتماعية؟

ركزت دراستي في (قصص الأطفال في نماذج من الأدب السعودي: دراسة فنية دلالية) على قصص الأطفال المصورة، المنشورة في كتاب، والموجهة للطفل من سن خمس إلى ثمان سنوات.

وقد تناولت الدراسة من منظورها الفني والدلالي القصص المطروحة على عدد من المستويات:
المستوى النصي و المستوى البصري ومستوى عتبات النص وما له من دلالات وارتباطات بموضوع النص.

وخضعت النصوص القصصية للغوص في عمق النص والصورة في رحلة للكشف عن نقاط القوة ونقاط الضعف في كل نص قصصي مدروس وكأنما النص عينة تشريح تتمدد أمام مبضع المشرّح، فقد تناول النقد الفني المفردات والجمل التراكيب والمضمون ولغة الخطاب والطباعة والإخراج وأسلوب الكتابة، وأسلوب الطباعة، عنوان النص، وغلاف المطبوعة وما تحتويه من عناصر، وما يأتي من استهلالات قبلية وبعدية وتضافر الصورة والنص في الوصول إلى هدف النص.

ومن المأمول لقصص الأطفال على الساحة الثقافية والاجتماعية تفعيلها وتداولها والاستفادة منها في تهذيب النفس وإمتاعها وقصدها باعتبارها مصدراً للذّة الروحية و الترف الذهني وجعلها جزءاً من الحياة اليومية.

ماهي السمات التركيبية التي يمكن من خلالها انجاز عمل أدبي متقن للأطفال؟

السمات التركيبية التي يمكن من خلالها إنجاز عمل أدبي متقن للطفل تتعلق بعدة جوانب: منها الجانب الطباعي ومتعلقاته ، ويطول التفصيل فيه حيث يلزم الحديث بحث مفصل لا يسعه هذا اللقاء، ومنها ما يتعلق ببنية الأفعال والأحداث في القصة، ومنه ما يتعلق بنظام الشخصيات، و فضاءات الأفعال والأحداث الزمانية والمكانية والنفسية ،ومنها ما يتعلق باختيارات الكاتب اللغوية في العبارات والجمل ،والتراكيب. ومنها ما يتعلق بالاختيارات البلاغية.
المهم أن يكون العمل متماسكاً ومتوازناً ويراعي معايير الجودة والسلامة في كل متعلقاته، ويناسب الطفل المقصود بالخطاب.

لماذا يحتاج أدب الطفل إلى أسلوب جمالي تواصلي واقعي يحكى من خلال القصة؟ و بماذا تنصح النمر قراء بشائر بالطريقة المناسبة لاختيار قصص الأطفال؟

البشر اليوم كائنات جمالية يهمها الجمال الشكلي والمعنوي.
وأنصح الوالدين بتصفح القصة وقراءتها قبل اقتنائها، والتأكد من مضامينها، ومناسبتها للفئة العمرية المقصودة بالشراء، و تشجيع الطفل على شراء منتجات محلية أو عربية كبديل عن المترجم سيء الترجمة، أو الذي لا يلائم عاداتنا وتقاليدنا العربية و الإسلامية، واقتناء القصص ذات الجودة العالية في مضامينها وموضوعاتها وطريقة إخراجها وطباعتها. والواضحة خطياً حتى لا ترهق عينا الطفل بخط باهت أو صغير.

مؤلفين أدب الطفل تختلف توجهاتهم بحيث يتبع القصة المتخيلة، بنظركم ألا يثير هذا النوع من الأدب الأوهام في مخيلة الأطفال؟ وهل أدب الطفل لدينا يقدم تربية اجتماعية كما نجده في الأدب الروسي؟ وكيف يمكننا أن نثير مخيلة الطفل بطريقة سليمة؟

الخيال ملكة قوية لدى الطفل ينبغي استغلالها لبناء عقلية إبداعية. فالمعرفة لوحدها غير قادرة على بناء تفكير إبداعي، لكن الخيال هو الذي يفتح آفاق النفس و يحفزها على التفكير، و يشجعها على الإبداع والابتكار.

وفي مقدورنا تحويل الخيال من الارتباط بالسحرة، والخزعبلات، والشخصيات الخرافية بإمكاننا ربطه بشخصيات تعيش في عالم الطفل و تتعرض لذات المشاكل التي يتعرض لها وبالتالي أجعله يتقمص الدور، ويحاول إيجاد حلول جديدة لمشاكله. وكذلك بالإمكان ربط خياله بالتطور العلمي والتكنولوجي من خلال القصة، وربطه بالقدوات على مر التاريخ.

وهناك قصص للأطفال في الأدب العربي تهتم بالتربية الاجتماعية والسلوكية ، ولا سيما قصص جحا وأبي دلامة، وقصص حكايات أمونة لوفاء السبيل على سبيل المثال، وقصص أروى داود خميّس.

الكاتب فاطمة الناصر

فاطمة الناصر

مواضيع متعلقة

اترك رداً