مهدي الرمضان: ينبوع فكر وعطاء

img
علي محمد عساكر
0 الوسوم:, ,

علي محمد عساكر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله سادات الأمم، وأنوار الظلم.
مساء يوم الجمعة (29 جمادى الأولى 1441هـ 24 يناير 2020م) عاشت الأحساء عرسا ثقافيا كبيرا، حضره جمهور غفير من طلبة العلم، والمثقفين، والأدباء، والوجهاء… احتفاء واحتفالا بصدور كتاب (من أنا: تجليات مهدي بن ياسين الرمضان) الذي أنا أحد المتشرفين بالعمل على إعداده وإصداره.

وكما كان العرس كبيرا، كذلك كان رائعا، وكله بهاء وجمال، أما عريسه والمحتفى به فهو صاحب الكتاب، أعني المهندس المرحوم (مهدي بن ياسين الرمضان) الذي كان أبرز الحاضرين رغم غيابه!

ولأن من ضمن عوامل التعريف بالكتاب (أعني أي كتاب) هو التعريف بكاتبه، وما يملكه من حصيلة معرفية، وزاد ثقافي، وقدرة على السبك والتعبير…فيسعدني كثيرا أن أعّرّف بهذا الكتاب من خلال التعريف بكاتبه، وذلك عن طريق هذا الموضوع المتواضع، الذي كتبته في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الفقيد السعيد، وتحدثت فيه عن سماته الفكرية، وصفاته الثقافية، فقد قلت فيه:

ونحن نعيش الذكرى السنوية الأولى لرحيل المهندس المرحوم (مهدي بن ياسين الرمضان) التي تصادف يوم الثلاثاء (28 ذو القعدة 1440هـ) أود أن أستغل هذه الفرصة لأسلط الضوء على جانب من جوانب شخصيته، أظن أنه من أهم الجوانب التي يجب الاهتمام بها، وتسليط الضوء عليها، ذلك هو الجانب الفكري والثقافي.

فربما الكثيرون لم يعرفوا (أبا ياسين) إلا رجل أعمال وتجارة، أو وجيه اجتماعي، أو صاحب مبادرات تطوعية، ومشاريع خيرية، ولا يعلمون أنه رحمه الله ينبوع فكر متدفق بالخير والعطاء، وصاحب ثقافة واسعة ومتنوعة، كما يعلم ذلك كل من عاشره عن قرب، واستمع إلى حديثه وكلامه، أو اطلع على حواراته ومناقشاته، أو وقف على ما أنتجه فكره النير، وسطره قلمه السيال من أطروحات قيّمة، ومقالات رائعة، نشرها عبر مختلف قنوات التواصل، وهو ما سأحاول تناوله في هذا المقال.
سمات أبي ياسين الفكرية والثقافية:

في حال أردنا الحديث عن أهم سمات شخصية أبي ياسين الفكرية والثقافية، فربما يمكننا تلخيصها في النقاط التالية:

النقطة الأولى- التنوع المعرفي:

لم يحصر (أبو ياسين) نفسه في لون ثقافي معين، بل انفتح على مختلف الثقافات، واطلع على الكثير منها، وتزود من كل نوع ما استطاع، ولذلك تطرق في مقالاته وكتاباته إلى قضايا معرفية كثيرة ومتنوعة، فتجد فيما سطره يراعه: المواضيع العلمية، والفكرية، والأخلاقية، والتربوية، والفلسفية، والاجتماعية، والثقافية…وغيرها.

ولقد كان أهم مصدر لهذا المخزون الثقافي الكبير لديه (رحمه الله) هو القراءة المركزة والجادة في مختلف القضايا والمواضيع، وشتى حقول العلم، وميادين المعرفة، وذلك لقناعته الكاملة أن (القراءة الجادة هي أهم مصادر المعرفة لكل من الثقافة العامة والمتخصصة، لمن يسعى لتوسيع آفاقه المعرفية (كما يقول هو في مقاله: (لمحة عن أسلوبي في القراءة)

وسرّ تنوع ثقافته -كما أشرنا- أنه لم يحصر نفسه في القراءة في مجال دون آخر، بل توّجه إلى القراءة الحرة المتنوعة، والمفتوحة على مختلف المجالات، ومن عادته أنه يحاول أن يتقصى عن مدى أهمية المواضيع التي يطلع عليها، ومتى اكتشف أن لها قيمة أو أهمية خاصة، أقبل على شراء الكتب المتعلقة بها، وفرّغ نفسه لقراءتها، والتزود منها ما استطاع.

يقول في مقاله المشار إليه: (أما في قراءاتي الحرة للكسب المعرفي، فلا أحصر نفسي بالالتزام بالسير على وقع أقدام نمط فكري أو كاتب واحد، فغالباً أنشد وأركز على طيف واسع من الموضوعات، ففي كل فترة زمنية لسبب غير محدد، تشدني قراءة موضوع محدد يستفزني ذهنيا، فأبدأ بالبحث عن معلومات عامة عنه من الانترنت، ومن مواقع وتقارير عدة، وإذا شدني لأكون أكثر تعمقاً ودراية، أعمل على شراء مجموعة كتب عنه أتخيرها، كتبها مختصون(وإضافة إلى القراءة الواعية التي يحرص فيها على التتبع للموضوع، والانتقاء للكتّاب، اعتمد أيضا سياسة الاستماع، مستفيدا من الوقت الذي يمضيه في سيارته متوجها إلى هنا أو هناك، وهو أيضا ما أكده في مقاله آنف الذكر بقوله: (أتابع سماع بودكاست أثناء قيادتي لسيارتي صباحاً ومساءً في الطريق لمكتبي، وخاصة عن الموضوعات التي تشدني في تلك الفترة).

إذن هي ثقافة ذاتية، حرص صاحبها على أن تكون متنوعة من جهة، وأن يتعمق فيها من جهة أخرى.

النقطة الثانية- كثرة الانتاج:
ومن بين ما يمتاز به (أبو ياسين) أنه كان محبا للكتابة، عاشقا للقلم والقرطاس، ولهذا فهو كثيرة الكتابة، غزير الانتاج، حتى أنتج قلمه المتدفق السيال عشرات المقالات، التي نشر الكثير منها عبر مختلف القنوات، وأثناء عملنا على إعداد كتابه (من أنا: تجليات المهندس مهدي بن ياسين الرمضان) زاد ما جمعناه من مقالاته عن (186) مقالة في شتى حقول العلم والمعرفة، فما بالك لو أضفنا إلى ذلك سائر مشاركاته الأخرى من حوارات مع مختلف الشخصيات، وتعقيبات على مختلف المواضيع والمقالات؟!

ولعل من أهم أسباب توجهه إلى الكتابة، ومحاولة الكثرة في الانتاج، رغبته الملحة في أن يكون مساهما حقيقيا في بناء المشهد الثقافي بآرائه وأفكاره التي يعبر عنها من خلال قلمه وقرطاسه، وكذا قناعته الشخصية أن الكتابة هي أهم عامل من عوامل توسيع المدارك، وترسيخ المعلومة في الذهن، كما أشار إلى ذلك في مقاله عن (أسلوبه في القراءة) بقوله: (وجدت أن كتابة مقالات في موضوعات اهتمامي بعد انتهائي من عملية القراءة والتحصيل المعرفي، هي أفضل وسيلة ترسخ المعلومات والمعرفة، وتفتح لي آفاقاً كبيرة تقربني من فهم ذات الموضوع واستيعابه بشكل جيد، وتحفزني أيضا للاستمرار بمتابعة أي مستجدات فيه لاحقاً)

النقطة الثالثة- العمق والأصالة:
لم تكن مقالات (أبي ياسين) سطحية، أو مجرد تعبير إنشائي عام، لا فائدة فيه، ولا ثمرة ترتجى من ورائه، بل كان (رحمه الله تعالى) يحاول أن يتعمق في طرحه، ويغوص في أعماق موضوعه، سواء في العرض، أو التحليل، أو المناقشة، أو البرهنة والاستدلال، أو النقض والإثبات، كما أن الكثير من المواضيع التي يختارها، ويكتب عنها، هي فعلا صعبة ومعقدة، وتحتاج إلى اطلاع واسع، وفهم صحيح، وقدرة كبيرة على العرض لها، والتعبير عنها، كما هو الحال في كتاباته الفلسفية والعلمية، التي قدم فيها أطروحات قيمة، فيها من العمق الشيء الكثير، كما يعلم ذلك الواقفون عليها.

أضف إلى ذلك كله ما له من دراسات أو قراءات لبعض الكتب والمؤلفات، بعضها عميق في موضوعه، صعب في أسلوبه، يحتاج إلى عقلية كبيرة في فهمه، فضلا عن تقديم عرض له، أو دراسة حوله، كما هو الحال في قراءته الضافية لكتاب (الأسس المنطقية للاستقراء) للشهيد السعيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه.

فأطروحاته (عليه الرحمة) فعلا جادة، وتستحق القراءة، بغض النظر عن اتفاقك من اختلافك معه في بعض الرؤى والأفكار، إذ أن الاتفاق والاختلاف حول ما ينتجه الفكر، ويسطره اليراع، أمر طبيعي جدا، وهو السائد بين مختلف المفكرين والمثقفين.

النقطة الرابعة-الجرأة والشجاعة:

وهي من الصفات الجميلة البارزة في شخصيته بكل وضوح، فهو جريء جدا في طرح رؤاه، والتعبير عن أفكاره، فيتناول مختلف القضايا والمواضيع سواء كانت فكرية أو أخلاقية، أو غيرها، وينتقد مختلف الظواهر الاجتماعية والدينية وغيرها، بشفافية تامة، ووضوح كامل ، لقناعته أن الصراحة والوضوح في الطرح والنقد هو أفضل سبيل لحل المشكلة، والوصول إلى الحقيقة، أو ما هو أقرب إليها.

ففقيدنا (المهدي) يرى أن للمثقف رسالة مهمة يجب أن يؤديها على أكمل وجه، وتقع على عاتقه مسؤولية كبيرة في عملية الترميم والبناء، لكنه يرى أيضا أن هذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا المثقف الحقيقي، والذي يمتاز بالصدق والإخلاص، فلا يكون همه النقد فقط بقصد النقد، ولا يتعصب لآرائه وقناعاته حتى ولو كانت خاطئة، ولا يكابر ويعاند على حساب الحقيقة، ولا يصاب بالغرور العلمي إلى حد الاحتقار والازدراء للمختلفين معه.

ففي العديد من أطروحاته الجميلة، ومنها مقالته (رسالة المثقف) كان (المهندس المهدي ) يصرح ويؤكد على أن: (للمثقف الرائد أن يسبق مجتمعه فكرياً بخطوة، من خلال تنمية ذاتية واعية، كي يكون لديه فعلاً ما يقوله ويقدمه.

المثقف يقود، ليس فقط لأنه يحرك المياه الراكدة، وينقد النسق القديم السائد -وذلك ربما مطلوب منه ابتداء- بل لأنه قادر أن يبتكر ويخلق بدائل، ويقدم رؤية جديدة لرقي ونمو ثقافة المجتمع.

أظن أن مهمة المثقف قد تكون في -أحد أهم جوانبها- هي “أن يقول كلمته ويرحل”، وتكون رسالته نشر فكره، من خلال تجسير المسافة بين ما يراه هو من متطلبات رقي مجتمعه، وبين مستوى ما عليه مجتمعه فعلياً.

ومن ناحية أخرى، فقد يتعصب -للأسف- بعض المثقفين لفكرهم وقناعاتهم، حتى ليغيب عن بالهم أن رسالتهم -مهما بدت لهم عقلانية وسامية- فلا يمنحهم ذلك حقاً تلقائياً لازدراء من يختلف معهم، فللناس حق غير منازَع في تبني خياراتهم، وحريتهم التامة في قبول أو رفض ما يقدم لهم من مستجدات)

وكأني أستشف من هذا البيان الرائع لدور المثقف ورسالته، أن الفقيد السعيد يرى أن الدور الحقيقي للمثقف ليس مجرد النقد بقصد النقد، وإنما أن تكون لديه رؤية واضحة، أو مشروع متكامل، لتكون وظيفته هي الهدم والبناء معا، لا أن يكون كل همه هو نقد السائد دون أن تكون له غاية نبيلة، أو رؤية واضحة، وفقط بقصد إبراز العضلات، وليظهر للآخرين أنه جريء وشجاع وما شابه ذلك من أو هام.

النقطة الخامسة-التسليم والتراجع:
وكما أنه شجاع وجريء في طرحه ونقده، ويمارس دوره المناط به من خلال موقعه الفكري والثقافي، بحيوية وحرية مقرونة بالوعي والمرونة، كذلك هو يمتاز بالشجاعة ذاتها، والجرأة نفسها، في تسليمه وتراجعه، فليس من منهجه الاصرار على الرأي الخاطئ، ولا من طريقته التمسك بالفكرة الباطلة، بل جعل الحق رائده، والحقيقة غايته، ولذا فمتى اتضح له أنه مخطئ في هذا الرأي، أو مشتبه في ذاك الفهم، صرح باشتباهه، وأعلن عن تراجعه وتسليمه، وله عدة مقالات بادر هو إلى كتابتها دون أن يطلب منه أحد ذلك، يصرح فيها بمراجعته لبعض آرائه وأفكاره، كما يصرح باكتشافه لبعض الأخطاء فيها، ثم يعلن تنازله عنها، وتسليمه لما اتضح له من الحق دون حياء أو خجل.

ربما اعتمد (أبو ياسين) هذا المنهج انطلاقا من قناعته الذاتية بأن الحقيقة بنت البحث، وأن الذي ينشدها يجب أن يكون منفتحا على مختلف الآراء والأفكار، مرنا في تعامله مع مختلف القضايا والمواضيع، وليس فقط لا يصادر الرأي المختلف، بل يجب أن يقبله ويأخذ به متى رآه صحيحا، ومبنيا على أسس سليمة، قائما على قواعد متينة، وليس مجرد كلام إنشائي عام لا يسمن ولا يغني من جوع، أو قائم على السفسطة، والمغالطة في الحقائق بما يوهم بالاستدلال الصحيح، أو صادر عن المكابرة والعناد على حساب الحقيقة، التي هي بغية الباحث المنصف، وشعار المثقف الصادق.

فهو ضد الديكتاتورية الفكرية بكل ألوانها، ويرفض التطرف والتشدد في المواقف من المختلف، لقناعته كما في مقاله (التطرف) أن المتطرف: (لا يقبل المرونة والنقاش فيما يحمله من فكر، ويرى قطعية وصوابية ما لديه بكل يقينية، فالمتطرف يحوّل قناعاته لقلعة محصنة، يقبع بداخلها، ويقاتل من يحاول اقتحامها، والأسوأ أن يصل في تطرفه إلى حد أن يأخذ هو المبادرة بالهجوم على من يعتبرهم أعداء محتملين لما يحمله من فكر أو عقائد!

فإذا تحوّل التطرف لقضية أيديولوجية دينية, تغذيها الكراهية من قبل جماعة تتبنى وتروج العنف السياسي، وتجعل الإرهاب وسيلة للتعامل مع المخالفين، يبلغ عندها التطرف أعلى مستوى، وأقسى مدى يمكن أن يصله، فهو خلطة الموت، ومعادلة الدمار، حيث يشكّل كل فرد في المجموعة مشروع انتحار، أو قتل للآخرين، بفعل ضغوط تصرّف القطيع السيكولوجي، الذي تفرضه جماعته عليه، وقولبته ذهنياً ومسلكيا ليكون إرهابياً قاتلاً، ليحوز على الرضا والقبول ضمن عصبته التي ينتمي لها في هذا المستوى من التطرف!

ولأن الحالة الذهنية تمكنت من صاحبها، وأصبحت صلدة، وهو غير قادر ولا راغب في مراجعتها أو تعديلها, يتحوّل المتطرف لإرهابي، ينشد بلوغ الحل بأن يحاول تغيير العالم الخارجي ليتلاءم مع ما يحمله دماغه من صور، بفرضه -أولاً- بالإرهاب الفكري على غيره، أما من لا يقبل منه ذلك، فيتخلص منه بقتله فوراً، حتى وإن اقتضى الأمر أن ينتحر هو في سبيل تحقيق هدفه!

كل ذلك بدون رادع أخلاقي، أو إحساس بالتعاطف مع مناوئيه، أو شعور بالندم!!)

ومهم أن نلاحظ هنا أن هذا الكلام ليس مجرد تنظيري بقدر ما هو تشخيص دقيق لواقع نعيشه، إذ أن ما يعيشه البعض من تطرف بالفعل حولهم إلى قتلة وإرهابيين، فمارسوا العنق ولإجرام بكل الألوان والأشكال من قتل وتفجير وبث للرعب في النفوس، وقد كتب الفقيد السعيد عدة مقالات في هذا الموضوع.

النقطة السادسة-الأدب في الحوار:

شارك المرحوم (أبو ياسين) في الكثير من الحوارات والمناقشات، فأثراها بما لديه من آراء وأفكار، وهو ما بين اتفاق في رأي تارة، واختلاف في حول فكرة تارة أخرى، لكنه -فيما وقفت عليه من حواراته ومناقشاته، بل وفيما دار بيني وبينه من حوارات كثيرة بعضها يكون الاختلاف في الرأي بيننا كبيرا جدا- كان يحاور بأدب جم، وخلق رفيع، ويحصر نفسه في مناقشة الرأي دون المساس بصاحبه، وينتقد الفكرة دون النيل من المفكر، وفي حال أراد مخاطبة من يحاوره، خاطبه بكل لطف، وذكره بكل تقدير واحترام، وعلى المستوى الشخصي كان رحمه الله في أكثر من حوار وحوار معي يفتتح تعقيبه بالمدح الباذخ والثناء العاطر، ولمبالغة في التمجيد، إلى حد أنه يخجلني بأدبه وتواضعه، وأظن أن هذا يجمع عليه كل من دخل معه في حوار مهما كان الاختلاف في الرأي بينهما كبيرا.

وما ذاك إلا لإيمانه الكامل بأنه (لابد من مراعاة شروط وضوابط الحوار، للخروج بنتائج إيجابية، ترتقي بمجتمعاتنا فكرياً، بدلاً من الخروج بما يؤسس لشقاق وانقسامات) كما أكد ذلك في موضوعه (مؤطرات الحوار وآدابه) الذي ضمنه (21) بندا من بنود الحوار الناجح المفيد، مؤكدا أنه يقدمها (-بكل تواضع- للإخوة المتحاورين، عسى أن يكون فيها تذكير لما هو معلوم عندهم، وبيّن لديهم، لتحسين بيئة الحوار، ورفع نتائج مخرجاته بأسلوب علمي، وللوصول للحقيقة، وإحقاق الحق، وليس من أجل صدام جدلي بيزنطي، ومماحكة لا طائل منها)

فهو يرى أن الحوار ليس للشقاق والانقسامات، ولا من أجل الغلبة والانتصار، وإنما للتكامل والبناء، ولعمري إنها لنظرة واعية ثاقبة، متى وعاها المتحاورون خرجوا منها بأفضل النتائج وأعظمها.

النقطة السابعة-دعم المثقفين:
من السمات الجليلة العظيمة التي امتاز بها (المهندس المهدي) ذلك الدعم الكبير للمثقفين ماديا ومعنويا، لقناعته الكبيرة بأهمية نشر الفكر والثقافة في الوسط الاجتماعي، وإيمانه العميق بوجوب تشجيع الكتّاب والمثقفين والباحثين، لمواصلة طريقهم في البحث والكتابة والتأليف.

على المستوى الشخصي كان دائما يشيد بي وبقلمي، ويبدي إعجابه بما ينتجه فكري، ويسطره يراعي، وطالما قال لي -كتابة ومشافهة-: (أنت في فكرك وقلمك لست عسكرا واحدا، بل مجموعة عساكر) وما حاول أن يعقب على مقال لي، أو يدخل في حوار معي، إلا وقدم لذلك بسيل من التمجيد والثناء يجعلني أخجل من نفسي.

وليس هذا مختصا بي، بل هي -كما أشرنا قبل قليل- عادته مع الكثيرين ممن خاطبهم بكلام، أو دخل معهم في حوار خاص أو عام، والحق إنها صفة جميلة رائعة، تجلت في شخصيته الكبيرة بكل وضوح رحمه الله تعالى.

وأما على المستوى المادي، فإني لأجدها فرصة سانحة (وأنا أكتب هذا المقال عن سماته الثقافية رحمه الله، ومن باب ومن باب الوفاء والاعتراف بالمعروف، ولأحفظ له هذا الفضل في التاريخ) أن أصرح أنني ممن حظوا بدعمه المادي السخي عن طريق شرائه لكتبي ومؤلفاتي.

ومن رسالة منه إليّ بهذا الشأن: (يسرني أن أقتنص الفرصة، وأشاركك الثواب -بفضل ومنّة من الله- بمساهمة تمويل وشراء عدد من مختلف إصداراتك، وذلك كما يلي:

1- كتاب (في رحاب الإمام الجواد) 100 نسخة بمبلغ (3000) ريال.
2- كتاب (علي سمو الذات وعظمة الشخصية) 100 نسخة، بمبلغ (2000) ريال.
3- كتاب (ينابيع الفكر) 40 نسخة، بمبلغ (600) ريال.
4- كتاب (شيخ المؤرخين والمكاسب الكبرى) 100 نسخة، بمبلغ (1000) ريال.
5- كتاب (النقد عند العلامة الفضلي) 100 نسخة، بمبلغ (5000) ريال.
المجموع (11600) ريال.

وأترك كل الكتب لتوزعها بمعرفتك على من تراه دون ذكر اسمي، بل تحت اسم “فاعل خير” كما أرجو أن ترسل لي رقم حسابك، واسم البنك الذي تتعامل معه.تقبل أسمى تحياتي وتقديري.
أخوك/ مهدي الرمضان)

وهنا يجب أن نلاحظ:

أولا: إنه اعتبر هذا الدعم فقط مشاركة في الأجر والثواب.

ثانيا: اعتبره توفيقا إلهيا، وبمن وفضل من الله تعالى.

ثالثا: منحني الثقة الكاملة، وأوكل إليّ توزيع الكتب على من أراه، ودون الرجوع إليه رحمه الله.

رابعا: أكد على عدم ذكر اسمه، وأن يكون ذلك باسم فاعل خير.

النقطة الثامنة -إنشاء المشاريع الثقافية:

لم يتوقف نشاطه الثقافي العملي عند حدود دعم المثقفين ماديا ومعنويا، بل تجاوزه بكثير ليصل إلى اقتراح بل وإنشاء المشاريع الثقافية الضخمة، والتكفل بكل ما تحتاجه من نفقات مهما كانت كبيرة.

ولقد كنت ممن تكلم معهم عن رغبته الصادقة في إنشاء (مكتبة عامة مخصصة للخطباء) توفر لهم المصادر، وتعينهم على التحضير الجيد لمحاضراتهم، ومن أجل أن يستفيد منها الكتاب والباحثون في التأليف والكتابة، وأعلن عن استعداده في دعم هذا المشروع بمبلغ (100) ألف ريال، ولكن للأسف الشديد لم يتحقق هذا المشروع، ولا أدري هل لأنه لم يجد من يتجاوب مع مبادرته، أم هناك أمور أخرى صرفته عنها.

كما أنه (رحمه الله) صاحب فكرة ومبادرة مشروع إنشاء (مكتبات للأطفال) والذي تحقق في حياته بفضل الله وحمده وتوفيقه، وقد تفضلت القائمة على هذا المشروع، الأستاذة الكريمة (كفاح بو علي) بالتعريف بهذا المشروع الكبير والمهم بكلمة مطولة، تضمنت الحديث عن (رؤيته، وهدفه، ورسالته، وأسسه العلمية، ومنهجه في جمع وتحديد المعلومات، وخطة العمل فيه، وأهدافه التفصيلية، ومخرجاته)

وقد قالت في مقدمتها لهذا التعريف بهذا المشروع الثقافي الحيوي نصا: (تعد مبادرة انشاء “مكتبات أطفال” مبادرة خيرية، تقوم عليها -كجهة منفذة- “مؤسسة دار راوي للنشر والتوزيع” وهي مؤسسة فردية تجارية، تقدم خدمات متعلقة بنشر وتوزيع المطبوعات المقروءة، لديها شهادة تسجيل كمؤسسة فردية من وزارة التجارة والصناعة برقم (2051054196) و ترخيص إعلامي من وزارة الثقافة والإعلام برقم (46621) ويدعم هذه المبادرة رجل أعمال -كجهة ممولة- ” الأستاذ مهدي ياسين الرمضان” الذي هو أحد أبرز المثقفين والوجهاء في محافظة الأحساء، وله مساهمات واهتمامات في نشاطات الغرف التجارية، وفي مجال إدارة الأعمال، والقطاع الزراعي، والاقتصاد السعودي، يكرس الكثير من الوقت والجهد للشأن العام، والبذل في نشاطات تطوعية وخيرية محلية عديدة.
انطلقت المبادرة رغبة من الجهتين: (المنفذة والممولة) في المساهمة في بناء مجتمع معرفي، والارتقاء بمستوى الوعي الثقافي في المجتمع، وذلك بعرضها على مجموعة من الجهات المستفيدة، ممن لديهم رؤية ورسالة واضحة، وأهداف محددة، وبما أن هذه المبادرة تبحث عن الأماكن التي ستحظى بكامل الاستفادة فعلياً من خدماتها الخيرية المقدّمة، وجدنا في كل من “جمعية المواساة الخيرية بالقارة، في محافظة الأحساء” و “مركز رياحين الطفولة في مدينة الدمام” و “مركز رفاه للدراسات والتنمية الأسرية في سيهات” و “صالة راوي الثقافية بسيهات” وجهات متميزة، تتوفر فيها جميع المقومات لخدمة الفئة المستهدفة بطريقة علمية مدروسة واحترافية…)
وقد تم وضع هذا التعريف المطول بهذا المشروع الثقافي المخصص للأطفال، في كتاب (من أنا: تجليات مهدي ياسين الرمضان) الذي يضم تراث (أبي ياسين) الفكري والثقافي، والذي أنا (بكل فخر واعتزاز) أحد فريق العمل على إصداره.

الخاتمة:
ربما لا أغالي إذ قلت: إن المهندس مهدي بن ياسين الرمضان تغمده الله بواسع رحمته من أولئك النفر القلائل، الذين لم تشغلهم أموالهم، ولم تلههم تجارتهم، عن التوجه إلى بناء عقولهم، وإنارة أفكارهم، بالعلم النافع، والمعرفة المفيدة، مما جعله يخصص حصة كبيرة جدا من وقته المزدحم للتزود المعرفي قراءة وكتابة، إيمانا منه بقدسية العلم، وأهميته في حياة الإنسان على المستوى الفردي والأسري والاجتماعي على حد سواء.

ومن أولئك النفر الذين يعون مدى قيمة وأهمية نشر الفكر والثقافة عمليا، سواء من خلال دعم النخب الثقافية ماديا ومعنويا، أو عن طريق المبادرات إلى اقتراح وإنشاء مشاريع ثقافية كبيرة، والاستعداد الكامل لدعمها ماديا مهما كانت التكلفة عالية.

فنحن حقا أمام شخصية مميزة، ذات نظرة ثاقبة، وفكر نير، وثقافة واسعة، تملك قلما ثر العطاء، كثير الانتاج، أثرى ساحتنا الثقافية والفكرية بالكثير من الموضوعات ذات القيمة العالية على مختلف الأصعدة والمستويات، كما دعم وساند المثقفين ماديا ومعنويا، وأنشأ مشاريع ثقافية مهمة جدا، بذل فيها الكثير من الوقت والجهد والمال، فهو حقا (ينبوع فكر وعطاء) فهنيئا له لنفسه ما قدم، مما لا نشك أن الله جزاه عليه خير جزاء المحسنين، حشره الله ومتانا وموتاكم في أعلى عليين، مع محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من صور الإعداد لحفل التدشين وذلك قبل الحفل بليلة واحدة.

اترك رداً