كيف يضع الدماغ القرارات في سياقها؟

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

كيف يضع الدماغ القرارات في سياقها؟ دراسة جديدة على فأر تعرفت على منطقة في الدماغ غير متوقعة منهمكة في هذه المهمة

جمعت أبحاث جامعة كولومبيا بين علوم  الرياضيات والأعصاب، سلطت الضوء على القوة المدهشة لمنطقة دماغ واحدة لدمج كميات هائلة من المعلومات، بشكل متزامن.

عندما تريد أن تعبر شارعا ما، فإلى أي جهة تلتفت برأسك أولا للتحقق من السيارات القادمة؟ هذا القرار يعتمد على سياق أين أنت، إذا كان الشخص الماشي في الولايات المتحدة فسينظر إلى اليسار ليتحقق من السيارات القادمة، ولكن لو كان  في المملكة المتحدة فسينظر إلى اليمين .

مجموعة من الباحثين في معهد زوكرمان Zuckerman في جامعة كولومبيا، تدرس كيف تستخدم الحيوانات هذا السياق عندما تتخذ قرارات.

والآن، نتائج أبحاثهم الأخيرة ربطت هذه القدرة بمنطقة دماغية غير متوقعة في الفئران: منطقة تسمى القشرة الحركية الجانبية الأمامية، anterior lateral motor cortex, أو الALM، التي كان يعتقد سابقا أنها توجه، وتخطط الحركة بشكل أساسي.

هذا الاكتشاف، الذي نشر في 26 فبراير 2020 في مجلة نيرون Neuron، أعطى رؤية جديدة لقدرة الدماغ على اتخاذ القرارات.

إن اتخاذ قرار مرن هو أداة حاسمة لفهم محيطنا فهما واضحا، ويمكننا من أن يكون لنا ردود فعل مختلفة لنفس المعلومات، من خلال أخذ السياق في الاعتبار، قال باحث الأعصاب مايكل شادلين، دكتوراه في الطب والمؤلف المشارك في الورقة مع ريتشارد أكسل، دكتوراه في الطب: “إن صنع القرار المعتمد على السياق هو لبنة بناء للوظائف الإدراكية العليا في البشر”.

“إن ملاحظة هذه العملية في المنطقة الحركية في دماغ الفأر، كما شاهدنا أن هذه الدراسة، تقربنا خطوة نحو فهم الوظيفة الإدراكية على مستوى خلايا ودارات circuits الدماغ.”

قال عالم الأعصاب والمؤلف الأول الدكتور تشنغ (هربرت) وو Zheng (Herbert) Wu: “إذا كان شخص ما يقف بالقرب مني بشكل غير مريح في شارع مهجور، فقد أحاول الهرب، ولكن إذا حدث نفس الحدث على عربة مترو مزدحمة، فلن أشعر بهذا الخطر، قراري بالتحرك أو عدم التحرك يعتمد على السياق الذي أنا فيه؛ وبالتالي يعطي السبب الذي وراء الخيارات التي أختارها “.

في النهاية، نريد توضيح المبادئ الأساسية التي تفسر السلوكيات البسيطة [ السلوك البسيط هو الذي تكون فيه الاستجابة نتيجة مباشرة للسبب]، لكن ذلك الأمر الواضح جدا يعطي نظرة ثاقبة، للوظائف الإدراكية العليا لدى البشر.

للتحقيق في كيف يتحصل الدماغ على هذه المرونة المستندة الى السياق، قام الفريق بمسح العديد من مناطق الدماغ المخصصة لمعالجة ودمج المعلومات الحسية، لكنه وجد أن المنطقة الحاسمة هي جزء من القشرة الحركية التي تسمى ALM، التجارب السابقة أشارت إلى أن ALM لديها وظيفة بسيطة نسبيا: فهي توجه حركات لسان، وعضلات وجه الفأر.

بناء على هذه المعرفة، صمم الباحثون تجربة جديدة تتطلب من الفئران اتخاذ قرارات مرنة، باستخدام ألسنتها وجهاز حاسة شمها، والذي يوجه حاسة الشم لديها.

في التجربة، شم الفأر لأول مرة رائحة واحدة (مفردة)، كان على الفأر أن يتذكر هذه الرائحة، لأنه بعد توقف قصير، قام الباحثون بعد ذلك بنفخ رائحة ثانية على أنف الفأر، لو كانت الرائحتان متماثلتين، كان على الفأر أن يلعق أنبوبا على اليسار للحصول على ماء، ولو كانت الرائحتان مختلفتين، فعليه أن يلعق أنبوبا على اليمين.

العمل السابق في هذا النوع من اختبار “التطابق المتأخر مع العينة” (وهذا يعني أن يُعرض على الفأر- في هذه التجربة-  رائحة في وقت ما.

ثم بعد حين يطلب منه أن يطابق تلك الرائحة بواحدة من روائح متعددة)، سيقود المرء إلى أن يتوقع أن يستخدم الفأر مناطق الدماغ المخصصة للإحساس بالرائحة، لاتخاذ قرار طريقة لعق الأنبوب [جهة اليمين أو اليسار]، يبدو أن تسجيلات نشاط الدماغ من هذه المناطق تؤكد هذه الآلية.

قال الدكتور شادلين: “بناء على هذه التسجيلات، يمكن للمرء أن يتصور أن مناطق الدماغ هذه لديها الجواب على متى يتلقى الفأر الرائحة الثانية”.

“كل ما تبقى القيام به هو نقل تلك الإجابة إلى الجهاز الحركي، في الدماغ لإنتاج استجابة لعق مناسبة على جهة اليسار أو جهة اليمين”، إذا كان الأمر كذلك، فيجب ألا تلعب المنطقة الحركية دورا حتى يتم نفخ الرائحة الثانية، وعندها يقرر الفأر ما إذا كانت الرائحتان متماثلتين أو مختلفتين.

ابتكر الدكتور و Wu طريقة ذكية لاختبار هذا التنبؤ، أطفأ ALM في الفأر حتى بالضبط قبل نفخ الرائحة الثانية مباشرة، وأعاد تشغيلها في الوقت المناسب لتلقي الفأر الجواب ( تلقي الرائحة الثانية).

وفقا لوجهة النظر المألوفة  فإن الفأر يجب ألا يكون منزعجا، من هذا التلاعب لأن جهاز شمه لم يمس، كما قال الدكتور شادلين  ” لكنه قد أضعف عن القيام  بالمهمة (اللعق)”، قال الدكتور وو Wu: “تشير نتائجنا إلى أن ال ALM كانت متطلبة، لحل مسألة ما إذا كانت الرائحتان متطابقتين، ثم يقرر الفأر في أي جهة يلعق، مما دفعنا إلى إعادة التفكير بشكل كبير، فيما يفعله الدماغ لاتخاذ هذه القرارات”.

لم تعرف ال ALM أنها معنية بالإحساس بالرائحة، لذلك ألقى الدكتور وو Wu نظرة فاحصة على خلايا الدماغ في ال ALM.

واكتشف نوعا جديدا من الخلايا العصبية في ال ALM بالقرب من سطح الدماغ تستجيب للرائحة الأولى، وتبقي على هذه المعلومات جاهزة حتى يتم تلقي (الإحساس ب) الرائحة الثانية، لاستكشاف هذه النتيجة غير المتوقعة، التفت فريق البحث إلى باحث علم الأعصاب النظري  الدكتور اشوك ليتوين-كومار  Ashok Litwin-Kumar, للتحقيق في مجموعة متنوعة من الآليات المحتملة.

التي يمكن أن تمثل دور  ال ALM، “الحكمة التقليدية لا تزال صحيحة في أن منطقة الدماغ الشمية للحيوانات ينبغي أن تقوم على معالجة الرائحة بنفسها.

ومن ثم تقوم بتغذية المعلومات إلى ال ALM، والتي ستقوم على توجيه اللسان” كما قال الدكتور ليتوين-كومار، “غير أن البيانات تخبرنا بقصة مختلفة؛ أول رائحة هي بمثابة فكرة سياقية، تقوم بتهيئة  priming  الـALM  لتشير إلى تلك العلاقة لتقرر الجهة التي تتوجه اليها لتلعق، استجابة للرائحة الثانية.

“هذه النتائج، في حين إنها ركزت على  ALM، فهي مهمة لمدى إفادتها للباحثين للمعرفة بوظائف الدماغ ككل بشكل أفضل”.

“في نهاية المطاف، نريد أن نستنبط المبادئ الأساسية التي تفسر السلوك البسيط، ولكن هذا الوضوح  يعطي نظرة ثاقبة في الوظائف الإدراكية العليا في البشر”، وقال الدكتور شادلين shadlen “الخطوة الأساسية نحو ذلك الهدف هي لحياكة المعارف معا عن  الخلايا العصبية، والدارات circuits والسلوك باستخدام لغات البايلوجيا والرياضيات، هذا المشروع التعاوني يسلط الضوء على هذه الاستراتيجية الواعدة”.

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي
عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً