لماذا السعوديون لا يدّخرون؟

img
محمد الحسين
0 الوسوم:, ,

محمد الحسين

تحدثت معه قليلاً عن المال والفرص المتاحة. كان يتكلم بمزيج من الأمل والقلق، إلى أن أطرق رأسه بحسرة وقال: “أعمل منذ عشرين عام، ولم أدخر شيئاً”.

حالة صاحبي هذا تكررت أمامي مراراً وإن تفاوتت التفاصيل. يمضي أحدهم سنوات في الوظيفة، يتعب فيها ويشقى، ثم ينظر إلى رصيده لتتملّكه حالة من الأسى على الماضي والخوف من المستقبل. ومهما تغافل أو تلهّى تبقى الحقيقة المرة تعكر مزاجه وتقضّ مضجعه: “لم أدّخر شيئاً”.

لماذا الادخار مهم؟ باختصار، لأنه الوسيلة الأفضل لتحقيق أهدافك المالية. فبالإضافة إلى كونه حصانة أمام نوائب الدهر (القرش الأبيض)، فإن ادخارك للمال يمكّنك من تحسين المستوى المالي لأسرتك على المدى البعيد، فتهيء السكن المناسب والتعليم الجيد والتأمين الصحي. كما أن الادخار هو وقود الاستثمار ومضاعفة المال، وبدونه يصعب الوصول إلى الحرية المالية.

1.6% فقط!

رغم أهمية الادخار في ضمان مستقبل آمن ومزدهر للأسرة، إلا أن المتأمل في الأرقام الرسمية عن الادخار يلاحظ فوراً أن الأمر بحاجة إلى معالجة جادة. خذ مثلاً (مسح دخل وإنفاق الأسرة) الذي أجرته الهيئة العامة للإحصاء في المملكة في 2018، حيث أشار المسح إلى أن متوسط دخل الأسرة السعودية الشهري بلغ 14,823 ريالاً، بينما بلغ متوسط الإنفاق الاستهلاكي للأسرة السعودية 14,584 ريالاً. هذا يعني أن متوسط ادخار الأسرة هو 239 ريال فقط شهرياً. بعبارة أخرى فإن الأسرة السعودية تدخر (1.6%) من دخلها فقط، وهو ما أكده تقرير الشركة الاستشارية KPMG الصادر في مايو 2020 بعنوان (تحليل ادخار الأسرة في السعودية). إن هذا الرقم يقل كثيراً عن الهدف الذي رسمته رؤية 2030 وهو السعي لرفع ثقافة الادخار إلى 10%.

ظروف أم تقصير؟

هنا نتساءل: ما السبب وراء انحسار مدخرات الأسرة السعودية؟ هل هي الظروف الاقتصادية والاجتماعية، أم أن ذلك نتيجة عادات وسلوك أفراد الأسرة؟ برأيي، كلا الأمرين ساهم في خلق هذه الحالة.

فبالنظر إلى الظروف الحالية، يجد رب الأسرة نفسه في مواجهة تحديات مختلفة عن تلك التي عاشها أسلافه. هذه التحديات جاءت نتيجة تغيرات اقتصادية واجتماعية. على سبيل المثال، تتضخم الأسعار سنوياً بوتيرة تفوق كثيراً معدل زيادة الدخل. ففي حين ارتفع دخل الأسرة السعودية من 2007 إلى 2018 بنسبة 5.3% فقط، تضخمت الأسعار بنسبة 49.5% خلال المدة نفسها. ومن الطبيعي أن يستمر التضخم خصوصاً مع إدراج الضرائب ورفع الرسوم.

كذلك يواجه رب الأسرة ضغوطاً اجتماعية مستمرة لزيادة الإنفاق على الضرورات والكماليات. فمفهوم (الضرورات) توسع كثيراً في السنوات الأخيرة (كم جهاز جوال في بيتك اليوم؟). صاحب ذلك سعي متزايد وراء الكماليات والرغبات التي تشكل ضغطاً إضافياً على ميزانية الأسرة. هذا بالإضافة إلى المقارنات الاجتماعية التي استشرت بفعل وسائل التواصل و “المؤثرين” الذين لا ينفكّون عن تحريض أفراد الأسرة على الإنفاق.. والمزيد من الإنفاق.

ماذا عن رب الأسرة؟

بسبب هذه الظروف الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، فإن دور رب الأسرة في ترشيد الإنفاق وتحسين الادخار أصبح ضرورياً أكثر من أي وقت مضى. ولكن هذا لا يمكن إلا بالسعي إلى ثقافة وتوعية مالية قوية. أقول (السعي)، أي أن عليه أن يبادر بنفسه في التعلم والبحث عما ينفعه في هذا المجال، وألا ينتظر أن تهطل عليه الحلول من السماء. واليوم هناك كتب وبرامج توعوية كثيرة يمكن الاستفادة منها. كما أن الشركات والبنوك تقدم اليوم حلولاً وبرامج ادخارية عديدة يمكن الالتحاق بها. وقد ثبت أثر التوعية المالية في تحسين الادخار على مستوى الأفراد والمجتمعات في دول عدة، والمأمول أن يحصل ذلك في المملكة مع تظافر الجهود إن شاء الله.

إن رب الأسرة الذي يمحو (الأمية المالية) بالتعرف على أساسيات الإدارة المالية، مثل وضع ميزانية بسيطة ومتابعة الإنفاق وسداد الديون والادخار، والذي يتعلم كيف يحسّن عاداته في إدارة المال، ويمتلك القدرة على تنشئة أبنائه مالياً بالشكل الصحيح، يستطيع أن يتعايش مع الظروف ويدّخر ويبني لأسرته مستقبلاً مالياً مشرقاً بإذن الله.

اترك رداً