أقلام

كورونا.. وحرب الخليج (الحلقة السابعة)

رباب حسين النمر

أصبحت الزوراء كأطلال الجاهلية، يتصاعد الدخان من أبنيتها المتصدعة ومنازلها المتهدمة وشوارعها النازفة،ولا يزال الطاغية متسكعًا هاربًا مختبئًا في جحره، ضائعًا بين الأشباه الذين صنعهم للتخفي مثل حرباء متلونة تغير جلدها كلما شعرت باقتراب هجوم مرتقب.
في الحرب تولد حياة جديدة، وينشأ جيل جديد تحت السماء المشبعة بالسخام وأدخنة الحروب.

مستشفى الولادة مزدحم بالصرخات المعلقة بين الموت والحياة، وتكاد الصرخات تتعانق لتعلن ميلاد خلق جديد. الأسرّة تتكدس حتى تسد الممرات، والمواليد ينامون على صدور أماتهم ببراءة وابتسام، وما بينهم تعبر قوافل الحوامل وأمامهن بطونهن المتدلية وآلام المخاض، يبحثن عن مساحة في غرفة الولادة تحتضن أوجاعهن وتستوعب مشاق الولادة وأتعابها.

كن يذرعن الممر جيئة وذهابًا والمخاض يزداد شراسة وعنفًا، وبوادر الولادة تنبيء باقتراب الموعد، وفي المنزل ترتفع يديها بالدعاء إلى عنان السماء مختلطًا ببلل دموعها، وتسعى بين أسرتهن الثلاثة التي أعدتها لاستقبالهن بعد الوضع كسعي هاجر حائرة بين الصفا والمروة تبحث عن نجدة من الله حينما حاصرها وابنها حر الظمأ.

ولم يكف قلبها عن الوجيب وعيناها عن الهطول وجسدها عن السعي سوى رنين الهاتف الذي ارتمت عليه وأسرعت تستطلع الأمر، فزف إليها المستشفى نبأ ولادتهن وبشرى طفل وفتاتين.

كنت أقرأ الفرح في ملامح جدتي، وعلائم الاستبشار في ملامحها الناضحة بالسرور، عل السعادة تبعد شبح قلق الحروب لبرهة، وعل الابتهاج يكسر رتابة البيت الذي امتلأ بالأشرطة اللاصقة التي أحاطت بأجهزة التكييف والنوافذ.
السماء كانت تنزف الحزن ووجهها مصطبغ بالدخان الأسود المتسلل من آبار النفط المشتعلة، حتى حجب الرؤية، ورئتاها متعبتان من شدة السعال المتواصل.
أشعة الشمس لا تكاد أن تصل إلى سطح الأرض!
الانتقام الذي أراده صدام أن يبقى لسنوات طويلة قبل أن يغادر الكويت بإحراق آبار النفط نكاية من سعر البترول المرتفع، وليجبره على الانكسار في شاشات سوق الأسعار العالمية، وبسكب كميات كبيرة من ناقلات النفط في قلب الخليج، ليتسبب بكوارث بيئية مروعة. نفوق الأسماك وتلوث الماء والهواء، وانسداد شريان الحياة أمام الناس فلا يستنشقون سوى الهواء الملوث، ولا يتغذون إلا على أسماك طليت بقار النفط الأسود!
أية جريمة بيئية يرتكب بحماقاته حتى يجبر سلاح البحرية الأمريكي على مغادرة الخليج!

جريمة .. يدفع ثمنها من ليس له بالحرب ناقة ولا جمل فينطحن تحت حوافر فتك صدام وأطماع أمريكا، ويدفع ثمن فاتورة الحرب من أمنه وصحته واقتصاده وحياة عياله.

يتبع ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى