الأدمغة الأكبر، أكثر ذكاءً لكن ليس كثيراً

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

 

بـِ استخدام مجموعة بيانات أكبر من جميع التي استخدمتها الدراسات السابقة مجتمعة، التي اجريت على نفس الموضوع، وجد الباحثون علاقة بسيطة ولكنها مهمة بين حجم الدماغ والأداء الإدراكي.

إن المصطلح الإنجليزي “المثقف”، المشتق من وصف مادي للجمجمة التي بالكاد تستطيع أن تحوي دماغ بداخلها، يأتي من اعتقاد قديم في وجود صلة بين حجم الدماغ والذكاء.

لأكثر من ٢٠٠ سنة، بحث العلماء عن مثل هذه العلاقة، بدأ التحقيق باستخدام قياسات تقريبية كحجم الجمجمة المقدرة أو محيط الرأس، وأصبح التحقيق في الأمر أكثر تقدماً في العقود القليلة الماضية، عندما وفرت أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي فحصًا دقيقًا للغاية لحجم الدماغ.

ومع ذلك، فقد ظلت العلاقة غامضةً ومسببة للإرباك، حيث فشلت العديد من الدراسات في تفسير المتغيرات المربكة، مثل الطول والحالة الاجتماعية الاقتصادية، تخضع الدراسات المنشورة أيضًا إلى “تحيز في نشرها”، حيث الميل لنشر النتائج الجديرة بالاهتمام فقط.

وقد أوضحت هذه الدراسة الجديدة، وهي الأكبر من نوعها، بقيادة جدعون نيڤ من كلية وارتون Wharton وفيليب كوولينغر من جامعة ڤريجي أمستردام Vrije Universiteit Amsterdam، باستخدام المعلومات المستمدة من التصوير بالرنين المغناطيسي حول حجم الدماغ فيما يتعلق بنتائج اختبار الأداء الإدراكي ومقاييس التحصيل التعليمي (الدراسي) التي تم الحصول عليها من أكثر من ١٣٦٠٠ شخص، وجد الباحثون أنه، كما اقترحت الدراسات السابقة توجد علاقة إيجابية بين حجم الدماغ  والأداء على  اختبارات الإدراك، ولكن هذه النتيجة تأتي بتحذيرات مهمة،

يقول نيڤ الأستاذ المساعد في التسويق في وارتن Wharton: «التأثير موجود” في المتوسط، يميل الشخص الذي لديه دماغ أكبر إلى أداء في اختبارات الإدراك أفضل من شخص لديه دماغ أصغر، لكن الحجم ليس سوى جزء صغير من الصورة ويفسر حوالي ٢ % من التباين في أداء الاختبار، وبالنسبة إلى التحصيل العلمي؛ كان التأثير أقل فزيادة حجم “كوب من الدماغ ” (١٠٠ سنتيمترًا مربع) قد يزيد من متوسط فترة الدراسة  للشخص بأقل من خمسة أشهر، يقول كولينغير Koellinger” هذا يعني أن عوامل أخرى غير هذا العامل الوحيد الذي حصل على الكثير من الاهتمام على مر السنين تفسر  98% من التباين الآخر في أداء الاختبار الإدراكي”.

ومع ذلك، فإن التأثير قوي بما فيه الكفاية بحيث أن جميع الدراسات المستقبلية التي ستحاول كشف العلاقات، بين المزيد من المقاييس الدقيقة لتشريح الدماغ والصحة الإدراكية، يجب أن تقلل من آثار حجم الدماغ الكلي على النتيجة، وهكذا نرى دراستنا كمساهمة صغيرة، ولكنها مهمة، لتحسين فهم الاختلافات في الصحة الإدراكية.”

المتعاونون مع نيڤ Nave و وكولينغير Koellinger في البحث، نشروا النتائج في مجلة سايكلوجيكال ساينسPsychological Science، ضم كل من جوزيف كابيل Kable، والبرفسور بريد تيرم  Baird Term في قسم علم النفس في قسم السايكلوجيا في جامعة ولاية بنسلفانيا Penn.

منذ البداية سعى الباحثون إلى تقليل آثار التحيز والعوامل المربكة في أبحاثهم، لقد قاموا بتسجيل للدراسة مسبقاً ، مما يعني أنهم نشروا الأساليب التي استخدموها والتزموا بالنشر قبل أن تخرج النتائج، بحيث لا يستطيعون ببساطة تغييب النتائج لو بدت أنها غير ذات أهمية، كما خضعت  تحليلاتهم للتقليل من آثار  عوامل قد يكون لها تأثير مشتركُ كـ الجنس، العمر، الطول، الحالة الاجتماعية الاقتصادية، وهيكلة  السكان، التي  قيست باستخدام وراثيات  genetics المشاركين، يتلازم (يتساوق) الطول  مع الأداء الادراكي الأفضل والأحسن على سبيل المثال، ولكن أيضًا يتلازم مع  الدماغ الأكبر حجماً، لذا حاولت دراستهم التركيز على تأثير حجم الدماغ في حد ذاته.

دراسات سابقة حددت بشكل ثابت التلازم بين حجم الدماغ والأداء الإدراكي، لكن التلازم بدا أضعف عندما ضمت الدراسات مزيدًا من المشاركين، لذا يأمل  نيڤ Nave و كولينغر Koellinger وزملاؤهم  في متابعة المسألة  بحجم عينة تقزم الجهود السابقة.

اعتمدت الدراسة على مجموعة بيانات تم تجميعها مؤخرًا، من البايوبانك في المملكة المتحدة UK Biobank، وهي خزينة لمعلومات مستقاة من أكثر من نصف مليون شخص في جميع أنحاء المملكة المتحدة، يشمل البايوبنك معلومات عن صحة ووراثيات genetic المشاركين، بالإضافة إلى صور مسح الدماغ لمجموعة فرعية من حوالي عشرين ألف شخص، وهو عدد يزداد كل شهر.

“هذا يعطينا شيئا لم يكن موجوداً من قبل، يقول كولينغر Koellinger: “حجم العينة هذا ضخم – أكبر- ب ٧٠ % من جميع الدراسات السابقة، التي أجريت حول هذا الموضوع مجتمعة، ويسمح لنا باختبار العلاقة بين حجم الدماغ  والأداء الإدراكي  بمزيد من الموثوقية”.

يعد قياس الأداء الإدراكي مهمة صعبة، ويشير الباحثون إلى أنه حتى التقييم المستخدم في هذه الدراسة له نقاط ضعف، عمل المشاركون استبيانًا قصيرًا يختبر القدرة على الإستدلال العقلي والمنطقي logic و reasoning ولكن لا يضم قياس المعرفة المكتسبة، مما يعطي مقياسًا فيه “تشويش” للأداء الإدراكي العام.

وباستخدام نموذج يضم مجموعة متنوعة من المتغيرات، تطلع الفريق إلى معرفة أي متنبيء أفضل بتحقيق الأداء الإدراكي والتحصيل التعليمي، وحتى بعد تقليل تأثير العوامل الأخرى (التي لها تأثير مشترك)، كالطول، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، والنسب الوراثي، فقد كان هناك تلازم ايجابي بين حجم الدماغ مع كليهما (الأداء الإدراكي والتحصيل التعليمي).

النتائج هي بديهية إلى حد ما” إنه تشبيه مبسط، لكن تَصوّر جهاز كمبيوتر”، يقول نيڤ “لو كان لديك المزيد من الترانزستورات، يمكنك القيام بالحوسبة بشكل أسرع ونقل معلومات أكثر، قد يكون الوضع هذا هو نفسه في الدماغ، إذا كان لديك المزيد من الخلايا العصبية، فقد يتيح لك ذلك أن تكون لديك ذاكرة أفضل، أو إنجاز المزيد من المهام بالتوازي.

ومع ذلك، قد تكون الأمور أكثر تعقيدًا في الواقع، على سبيل المثال؛ افترض إمكانية أن الدماغ الأكبر والذي يعد وراثياً للغاية، له علاقة بكون الشخص والداياً (مربياً) أفضل. في هذه الحالة، قد يعكس الارتباط بين الدماغ الأكبر وأداء الاختبار تأثير الوالدية على الإدراك، لن نتمكن من سبر أغوار هذا بدون عمل المزيد من الأبحاث”.

واحدة من النتائج البارزة للتحليل تتعلق بالاختلافات بين الذكور والإناث، بالضبط مثل الطول، هناك فرق كبير بين الذكور والإناث في حجم الدماغ، ولكن هذا لا يُترجم إلى فرق في الأداء الإدراكي كما يقول نيڤ.

نظرة أكثر دقة في فحوصات الدماغ قد تفسر هذه النتيجة. ذكرت دراسات أخرى أنه في الإناث تميل القشرة الدماغية، وهي الطبقة الخارجية للجزء الأمامي من الدماغ، إلى أن تكون أكثر سمكاً من نظيرتها في الذكور.

“هذا قد يفسر حقيقة أنه على الرغم من أن لديهن أدمغة أصغر نسبياً في المتوسط، لا يوجد اختلاف فعال في الأداء الإدراكي بين الذكور والإناث،” يقول نيڤ “وبالطبع، يمكن أن تحدث أشياء أخرى كثيرة”.

يؤكد الباحثون على أن العلاقة المتبادلة بين حجم الدماغ و”الذكاء” كانت ضعيفة، لذا لا ينبغي لأحد أن يقيس أحجام رؤوس المرشحين لوظيفة ما خلال عملية التوظيف، كما كان ينكت نيڤ Nave في الواقع، ما يبرز من التحليل هو كم يبدو ضئيلاً ما يمكن أن يعنيه حجم الدماغ، إن العوامل كأسلوب التربية، التعليم، التغذية، الإجهاد، وغيرها من العوامل، من المرجح أن تكون مساهمة رئيسية لم يتم اختبارها بشكل محدد في الدراسة.

“كانت التقديرات السابقة للعلاقة بين حجم الدماغ والقدرات الادراكية غير مؤكدة بما فيه الكفاية حيث أن العلاقة الحقيقية يمكن أن تكون مهمة جداً من الناحية العملية، أو بدلاً من ذلك لا تختلف كثيراً عن الصفر (لا شيء)، يقول كيبل Kable “تتيح دراستنا للمجال ليكون أكثر ثقة حول حجم هذا التأثير وأهميته النسبية للمضي قدما”.

كمتابعة للبحث، يخطط الباحثون تسليط الاهتمام لـ يحددوا ما إذا كانت مناطق معينة من الدماغ، أو الروابط فيما بينها، تلعب دورًا كبيرًا في المساهمة في الإدراك.

كما أنهم يأملون في أن يساعدهم على فهم أعمق للأسس البيولوجية للأداء الإدراكي على تسليط الضوء على العوامل البيئية المؤثرة، والتي يمكن أن يتأثر بعضها بالإجراءات الفردية أو السياسات الحكومية.

“افترض أن لديك البيولوجيا اللازمة لتصبح لاعباً عظيماً في لعبة الجولف أو التنس، لكنك لم تتح لك فرصة اللعب، إذاً لن تتمكن من أن تدرك قدراتك أبداً، يقول نيڤ: “يحدونا الأمل في أنه إذا استطعنا فهم العوامل البيولوجية المرتبطة بالأداء الإدراكي، فسوف يسمح لنا ذلك بتحديد الظروف البيئية التي يمكن للأشخاص من خلالها تجسيد إمكاناتهم بشكل أفضل والحفاظ على صحتهم الإدراكية” يضيف كولينغر ” لقد بدأنا للتو بعمل أدنى شيء بسيط ممكن من المشروع الكبير”.

اترك رداً