برودكاست: يقظة الأفكار المنسيَّة

img

اختيار وإعداد:

رضوان محمد النمر

النسيان عمليةٌ عادية يعرفها الأسوياء، حيث تفقد فيها بعض أفكار ساحة الوعي طاقتها الخاصة نظراً لأن انتباه صاحبها قد انحرف عنها، إذ عندما ينصرف الإهتمام إلى اتجاه آخر، فإنه يترك في الظل الأشياء التي كان المرء مهتماً بها في السابق، تماماً كما تفعل أنوار كشَّافة في منطقة من المناطق إذ تنير بقعةً جديدة بعد أن تترك بقعةً أخرى غارقةً في العتمة وهذا أمرٌ لا مناص منه، ذلك أنه ليس باستطاعة الوعي أن يحتفظ إلا بصورةٍ قليلة واضحة كلَ الوضوح في وقت واحد، بل إن هذا الوضوح نفسه يتغير.

بيد أن الأفكار المنسية لا ينتفي وجودها، وعلى الرغم من أنه يصعب استعادتها إرادياً، إلا أنها تكون موجودة في منطقة ما دون الشعور – أي تماماً خلف عتبة التذكر – وهي المنطقة التي يمكن أن تنبثق منها مرةً ثانية وبصورةٍ تلقائية في أي وقت، وغالباً ما يحدث ذلك بعد سنواتٍ كثيرة من النسيان الظاهري الكامل.

إنني هنا، أتكلم عن أشياء رأيناها أو سمعناها بوعينا التام، ثم نسيناها فيما بعد، لكننا جميعاً نرى ونسمع ونشم ونذوق أشياء دون أن نلاحظ ذلك في حينه، إما لعدم انتباهنا إليها أو لأن المُنَبِّه بالنسبة إلى حواسنا كان أضـأل من أن يترك انطباعاً في ساحة الوعي، لكن العقل الباطن يلحظها ومثل هذه المدركات الحسية اللا شعورية تلعب دوراً هاماً في حياتنا اليومية. فهي، ودون أن نعرف بها، تؤثر في الطريقة التي تتشكل بها ردود أفعالنا حيال الأحداث والناس على حد سواء.

والمثال على ذلك، إنما قدمه لنا أستاذ كان يمشي في الريف مع أحد تلاميذه، مستغرقاً في حديث جدي، وهو مثال أجده بالغ الإيضاح، فقد لاحظ ذلك الأستاذ أن أفكاره يقطعها دفقٌ مفاجئ من الذكريات العائدة لطفولته الباكرة دون أن يستطيع تعليل انقطاع أفكاره ذاك. فما من شيءٍ قاله كان له، على ما يبدو، علاقة بتلك الذكريات لكنه ما إن نظر إلى الوراء ، حتى رأى أنه كان يعبر بمزرعة عندما بدأت أولى تلك الذكريات الطفولية بالاندفاع إلى ذهنه. فقال لتلميذه إن عليهما أن يعودا إلى النقطة التي بدأت فيها تلك الخيالات بالظهور، وحين وصلا تلك النقطة، شم الأستاذ رائحة إوز، وللتو أدرك أن تلك الرائحة هي التي أطلقت العنان لدفق الذكريات ذاك.

ففي صباه كان قد عاش في مزرعة يربى فيها الإوز. وقد تركت رائحته المتميزة انطباعاً دائماً في ذهنه وإن كان منسياً. وهكذا، حين مَرَّ بالمزرعة وهو ماشٍ، تَنبَّه باللا شعور إلى الرائحة، وهذا الإدراك الحسي اللا شعوري هو الذي أعاد إلى ذاكرته تجارب من طفولته كان قد نسيها منذ زمن طويل، لقد كان الإدراك الحسي كامناً في منطقة ما دون الوعي، نظراً لأن الانتباه كان مشغولاً بأشياء أخرى والباعث لم يكن قوياً إلى حدٍّ يكفي لحرفه عما هو مشغول به وإيـصاله إلى ساحة الوعي مباشرة. رغم ذلك فقد أدى الى استحضار الذكريات «المنسية».

المصدر:

كتاب الإنسان ورموزه ..كارل غ. يونغ

        

‏‎ ‏

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً