أقلام

الجاذبية في الحوارات

السيد فاضل آل درويش

قال تعالى: { .. وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }{سبأ الآية ٢٤}.
المحاور الناجح يمتلك مجموعة من المهارات والإمكانات التي تسعفه في طريق إيصال المطلوب وتوضيح الفكرة مع الاستدلال عليها، وهذا ما يدعونا إلى البحث عنها في سبيل التحصيل والاقتدار وخصوصًا في وقتنا المعاصر الذي كثرت فيه الآراء واختلط فيه الغث بالسمين، فالثروة اللغوية تساعد المحاور على طرح فكرته بشكل واضح دون لبس أو إبهام، والطريق لتكوينها هو الاطلاع والقراءة النافعة وتبادل الأفكار ووجهات النظر مع الأصدقاء حتى تتبلور وتتكون القدرة على المحاورة بشكل جيد، كما أن الحديث له قواعد وآداب وأهمها الهدوء وإظهار احترام الآخر أثناء النقاش دون الحياد عن ذلك أبدًا، كما أن مراعاة الناحية النفسية للطرف الآخر من خلال تجنب التهجم على فكره أو استصغار من يعتقد به، فتقبل الدخول في النقاش والاستماع للرأي الآخر يستلزم التحلي بسعة الصدر والصبر مهما كانت درجة التباين الفكري.
هذا الخطاب النبوي لمشركي قريش ينبيء عن قدرة فائقة عند الرسول الأكرم (ص) على إقناع الغير بفكرته التوحيدية ك، من خلال تهيئة الأجواء النفسية وتقبل الآخر لمجرد المناقشة والحوار حول فكرة تتباين فيها الرؤى تمامًا بين النظرة التوحيدية ومعتقد الإشراك بالله عز و جل، والغاية المستهدفة من هذا الحديث معهم أن يكون في جو بعيد عن التشنج والتزمت وسد الأذنين عن استماع الآخر، فالدعوة إلى الاستماع لوجهة نظرك ينبغي أن تتم بأسلوب يتسم بالحكمة واحترام الآخر وتقديره مهما كانت درجة الاختلاف الفكري والثقافي والعقائدي.
وادعاء امتلاك الحقيقة في كل ما تطرحه ينسف أسس أي حوار ويفقد الطرف الآخر الداعي والمحرك نحو استماع ما يختلف معه، إذ يشعر بأن الحوار سيكون عقيمًا ولا فائدة منه حيث سيجري بنحو العبثية وتضييع الوقت. ولذا نجد الحكمة والجاذبية في الطرح النبوي مع المشركين في بيان أن الحقيقة والمنطقية في المعتقد ليست بيد أحد، وإنما يسعى الطرفان من خلال الحوار وطرح الأدلة والبراهين التي تدعم رأي كل واحد هو ما سيوصلهما إلى انكشاف المعتقد الحق، وهذا – بالطبع – لا يعني أن الرسول الأكرم (ص) يشك في صحة ما يؤمن به من الطرح التوحيدي، وإنما هو أسلوب في كسر الجليد في علاقته مع المشركين الذين اتخذوا دور المناوأة والمعاداة غير المنطقية فما استمعوا لحديثه حتى يرفضوه، ولا سبيل لجرهم لطاولة استماع الآخر إلا من خلال التنزل وتهدئة مخاوف الطرف الآخر، فهي ليست أكثر من عرض الأفكار وتبادلها ومناقشة رأي الآخر بمهنية وموضوعية بعيدًا عن العواطف العمياء والتقليد الأعمى للآباء.
والحوار مع الآخر لا يستهدف قبول كل من يستمع له برأيه كهدف لا بديل عنه، بل الهدف الأسمى من الحوار هو إقناع الآخر بمعنى طرح الفكرة ومناقشتها مهنيا بعيدا عن المهاترات والمشاحنات والانفعالات التي تحول الحوار إلى حلبة مصارعة يتقاذف فيها الطرفان ألوان الكلمات المسيئة والتهم الجزافية والخروج عن موضوع الحوار الأصلي.
الحوار المفيد يبدأ من إقناع الآخر بجدواه والفائدة المرجوة منه، وبيان الهدف منه وهو تبيان الحقيقة، وعرض الآراء دون ممارسة عنف فكري وقسر الآخر على أي تصور معين، وقوة الخطاب و متانة الاستدلال تظهر ثقة المرء بنفسه وقناعته بما يقدمه من وجهات نظر، فالانفعالات واللجوء للصراخ أو المراوغة في الكلام يدل على ضعف في القدرة على إيصال الفكرة، وأما عدم قناعة الطرف الآخر بما تطرح فهذا يرجع إليه ولا يدل على خطأ ما تطرحه، وإنما المطلوب حسن الأداء والأسلوب الهاديء والمنطقي في عرض ما تؤمن به، وكذلك في حالة معارضة وعدم قبول رأي الآخر فلابد أن يكون من خلال عرض البراهين المؤيدة لما تقول.
وهناك فئة من الناس تمارس التحبيط والضغوط النفسية والاستفزاز مع من يمتلكون قدرات خاصة في الحوارات الناجحة، ولكن متى ما امتلكنا قدرة على ضبط النفس وتحديد الهدف من الحوار من دون الانجرار للنقاشات الجانبية أو شخصنة الحوار والتركيز على محددات شخصية المحاور وترك التركيز على نفس الفكرة والرأي، كان الحوار نافعًا وموصلًا للهدف المرجو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى