امرأة تملك كلّ شيء، لكنها معجزة في ترك كلّ شيء!

img

أم عباس الطاهر النمر

بمناسبة ميلاد السيدة زينب (ع)، أكتب لمحة مختصرة من سيرة السيدة زينب (ع)، والتي أظن أنها تمسّ حاجتنا وواقعنا. هناك جوانب سلوكية في حياة السيدة زينب (ع) لم يُضاء عليها، ولم يُكتب حولها؛ على سبيل المثال لا الحصر، السيدة زينب (ع) كانت متزوجة من عبد الله بن جعفر (رض)، وهو ثريّ جدًا جدًا، ومن كبار التّجار. وكان بلاشك يولي للسيدة زينب (ع) إكراما بالغًا كما يُنقل عنه التاريخ، وكرمه لا غبار عليه. لكن مع ذلك، لم يظهر هذا الغنى الفائق أي مظهرٍ على سيرة وسلوك السيدة زينب (ع)، ولو كان هناك أثرٌ، لبان وذُكر.

لقد كانت في ملبسها ومظاهرها تراعي الاقتصاد في مسالكها كما يصف أمير المؤمنين (ع) في خطبة للمتقين “وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ”(1)، قد تقولون هذه صفة عادية، لاتعدّ فضيلة لمقام كمقام السيدة زينب (ع) ولكن سأطرح مسألة تأسيسية يُركّز عليها القرآن، لكي نعرف عمق هذه الفضيلة.

القرآن يتحدث عن قارون، والذي كان من قوم موسى (ع) وقريبه.. ولم يذكر عن قارون إلاّ عدة مسائل؛ منها مسألة مهمة للغاية يقول تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ القصص الآية: ٧٩

نسأل هنا: هل هناك عيب في أن يخرج الانسان بكامل زينته على قومه؟ لماذا القرآن يركّز على هذا الامر؟

باختصار، هناك ثقافة الترويج للتجملات والتزينات (وليس الترتيب والتنظيم)، وهذا يؤدي إلى أن يتمنى الناس كل زينته، ويصرف الناس لا شعوريًا إلى إرادة الحياة الدنيا وزبرجها، وزخرفها، وتوافهها، وينزل بالإنسان إلى حدّ التحف الجمادية.

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ القصص الآية: ٧٩

حينما نُحيي هذه الأماني في نفوس الناس، حينما نشيع ثقافة التزيين في المأكل والملبس، والرحلات، والسفرات، وووو… وقد جاء عن الصادق (ع) “اكتم ذهبك، وذهابك، ومذهبك” لأن الناس لا تطيق النعمة تراها على غيرهم.

البعض قال أن هذه الرواية يُراد منها التّقية؛ فأخفِ مذهبك تقيةً من الناس، وذهبك حتى لايسرق،.. الخ .. وهناك من نظر لهذه الروايات تنظيرات فئوية. ولكن ذيل الرواية يساعد على ما نحن فيه (وممكن الجمع بين الوجوه) وعلى ما هو بلاؤنا. لأنها تعلل بأن الناس لا تطيق النعمة تراها على غيرها.

يجب أن نعرف أن للبيئة الاجتماعية أثرًا كبيرًاً على تضعيف وتقوية طاقة الإنسان. فالإنسان عنده طاقة تمكنه من أن يستغني بما يكفيه، وأيسر ما يكفيه يغنيه. لكن إذا كان هناك محركات خارجية إضافيه لشهواته، فإن طاقته ستضعُف أمام المغريات.

“أخفِ ذهابك” بينما نحن نصور سفراتنا، ورحلاتنا، وذهابنا وإيابنا. وكأننا نعطي دروسًا عملية للآخرين. وذهبنا نلبسه لنظهره على قومنا في زينةٍ للحياة الدنيا. وحتى مذهبنا، وحسينياتنا، وشعاراتنا دخل فيها الاستعراض.

قد يقال أن القرآن أوصى بالتحدث عن نعمة الله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ الضحى: ١١ والروايات تنص أن الله يحب أن يرى نعمه على عبده، ونقول: لا تنافي في البين، لأن الآية تأمر بالتحدث والترويج لعطايا الله من جهة كونها مظهرًا للربوبية (نعمة ربك)، (نعمته على عبده) ليظهر العبد العبودية، وهذه مسألة ثانية!

لأن كثيرًا من الناس يخفي ماعنده ليوهم الآخرين أنه محتاج وهذا مرض آخر، الحرص وإخفاء النعمة يولّد قلّة الشكر، ويتحول الإنسان من شاكر إلى شاكي والعياذ بالله.

ثقوا.. أننا نحيي استعدادًا كامنًا في نفوس الآخرين!

القرآن يشير إلى آثار هذه الأماني.

لاحظوا أن الناس ما عادت تكتفي بموديل، ولا تجديد، لأنها لا تلاحق العروضات.

قد تقولون وما الضرر في ذلك؟

أقول فارق بين إنسان يحيي الزهد والميل للآخرة، وإنسان يحيي الأماني المادية. إذ كيف يجاهد ويقاتل موسى الطغاة برجال همّها المال، ونساء همّها المصرف؟! المسألة نمط حياة وطريقة عيش.

لأي شيء أنت تروّج؟ لأي شي أنت تدعو؟ وعندما جاء السؤال على لسان الحواريين: “يا روح الله، من نجالس؟ قال: من يذكركم الله رؤيته”(2).

إن الجبال والرمال والمياه والغربان والشجر، كله يذكر بالله رؤيته. فما أسخف الإنسان حين يعجز على أن يؤدي وظيفتها!!

إن عقيلة الطالبيين سيّدة الفاضلات، وهي المُظهرة لأسماء الله وحاكميته، ولذلك إذا ذكرتها؛ ذكرت الآخرة، والجهاد والتضحية، وعلو الهّمة، وطرْتَ شوقًا للعلم والمعرفة.

وكذلك فقدت كلّ شيء؛ لأن الله شاء أن يراها مُحرّرة له، أسيرة لأذلّ الناس، فكما أنه لم يملكها، ولم يقهرها شيء، لا المال، ولا الحزن، ولا الضيم، ولا عنف الأعداء.

سيرتها هذه ممكن أن نسميها نمط عيش.

امرأة تمتلك كل مقومات ما تتمناه أي امرأة؛ مال، وجاهة، علم، جمال، فصاحة، ثراء، كل شيء، كل شيء!! لكنها معجزة في ترك كل شيء، كل شيء، كل شيء!!

أليست زينب (ع) معجزة، وجوهرة نادرة؟

 

1. نهج البلاغة

2. شرح أصول الكافي، ج٢، ص١٠

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً