أقلام

زينة أبيها

منى البوخمسين

إن الحديث عن زينب الحوراء في ذكرى ولادتها في الخامس من جمادى الأول و في السنة الخامسة هجرية، إنما هو حديث عن السمو والعلو والرفعة والشخصية الكاملة والمثالية، فهي رمز البطولة والشجاعة وصاحبة الملاحم التي سطرتها في حياتها وحفرتها في ذاكرة الأيام فخلدت عبر الأزمان حتى أصبحت مثالاً للصبر ورمزاً للمكارم وعنواناً للإباء والعطاء, ففاقت كلَ نساء العالم في صفاتها وقيمها, ولم يشهد التاريخ أعظم منها صبراً وتضحية ومُثلاً حتى حازت على لقب الصديقة الصغرى.

زينب بنت علي و فاطمة و سليلة بيت المجد والعظمة ولدت ونشأت في بيت النبوة حيث كان مهبط الوحي ومختلف الملائكة، فنالت مقاماً قريباً من مقام والدتها وظهرت عليها صفات الشموخ التي تأهلها لتصبح سيدة البيت العلوي بامتياز.

فكيف نالت السيدة زينب هذا المقام؟
هناك ثلاثة ركائز أساسية تُبنى عليها حركة الإنسان السلوكية طوال حياته، والسيدة زينب بنت حركتها على أساسها وهي:
1ـ الفكر و العلم
2ـ الهدف و الإرادة
3ـ القدوة و النموذج

الركيزة الأولى:
تسلط الضوء على علم السيدة زينب(ع) ومكانتها العلمية نرى أنها اكتسبتها من جدها رسول الله(ص) ومن أبيها الإمام علي وأمها الزهراء(ع) رغم حداثة سنها ومن أخويها الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة فظهرت عليها علامات النبوغ التي كانت واضحة منذ نعومة أظافرها.
فكانت ذاتُ معرفةٍ وذاتُ عِرفانٍ في سنواتها الأولى، فعندما أجلسها والدها في حِجْره، وكانت صغيرة، سألتْه:( يا أبه، أتحبُّنا؟ قال: بلى، قالت: إذا كان ولا بدّ يا أبه، فالمحبّةُ لله، والشّفقةُ لنا ) فهذا إنّ دلَّ على شيءٍ، فيدلّ على نبوغها في العلم، و ما قول علي بن الحسين لها: ( أنتِ بحمدِ الله عالمةٌ غيرُ معلَّمة، و فهمةٌ غيرُ مفهَّمة ) إلاّ دلالة على مدى علمها، وكأنّه أُفيض عليها إلهاماً، و هذا يبدو جلياً في فصاحتها وبلاغتها وكأنها تنطقُ بلسان أبيها سيد البلغاء وأمير الفصحاء.

وذكر أهلُ السِّيَر أنّ العقيلة زينب كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن الكريم تحضره النساء وخليقٌ بامرأةٍ عاشت في ظِلال البيت النبوي وتأدّبت بآداب هذا البيت وتعلّمت من علوم معلم البشرية الأول رسول الله(ص) أن تحظى بهذه المنزلة السامية والمرتبة الرفيعة.

هذا العلم صنع من زينب المرأة العالمة والمتحدثة ذات الصلابة في مواجهة المصائب والأحداث التي تعرضت لها في حياتها.

الركيزة الثانية:

الهدف و الإرادة المحركان لهذا المحتوى

إن التربية التي حصلت عليها السيدة زينب والبيت الذي عاشت فيه وطريقة تربيتها جعل منها امرأة كالجبل الشامخ الذي لا تهزه الرياح تتحلى بالصمود والثبات، وقد حظيت بمربين من الدرجة الأولى في معرفتهم بأفضل أساليب التربية الهادفة فقام الإمام علي بتربيتها لتكمل دور أمها الزهراء من صغر سنها بعد وفاتها، فتحملت المسؤولية كاملةً و قامت بدورها الرسالي الدعوي والحفاظ على دين جدها. فهذا الهدف السامي جعل من حركة السيدة زينب حركة قائمة على الفكر الصحيح السليم الذي لا عوج فيه المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة و كان المحرك لها على مستوى الفاعلية و التطبيق في كل ما أمر به نبي الرحمة و الامتثال بالطاعة لولي أمرها.

الركيزة الثالثة:

القدوة و النموذج

اتخذت السيدة زينب في حياتها نماذج لتقتدي بهم و في مقدمتهم النبي محمد(ص) وأبوها وصي الأمة وأمها الزهراء(ع). فالسيدة زينب تغذت بلبان أمها و ترعرعت في بيت النبوة والطهارة وأصبحت نموذجاً من شخصية أمها في عبادتها وعفتها وحجابها وعلمها وفي مشاعرها وعاطفتها التي أظهرتها لأخوتها و لمجتمعها ــ فعلمت وفهمت وعملت ــ فشهد لها التاريخ بصدقها ومكانتها ولم يسجل عليها أي خطأ في قول أو فعل وهذا هو السر في هذا المجد و العظمة.

وأخيراً نقف لنقول إن من أراد أن يأخذ بمجاميع النجاح والتوفيق في حياته فليتخذ من زينب قدوة له في الحياة لضمان ذلك النجاح و لتكن رمز كل فضيلة له في مسيرته و حركته، فيتمسك بما تمسكت به من فكر حق ويتعلم العلم النافع الذي يرفع صاحبه إلى أعلى درجات المجد، وأن يتسامى في أهدافه وتكون عنده الإرادة المحركة لتحقيقها ويتخذ القدوات الصالحة التي اتخذتها في حياتها ويجعل حركته في طاعة الله وطاعة رسوله وسائراً على نهج آل محمد في كل مراحل حياته العمرية ليحظى بالنجاح والسداد و التوفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى