لماذا اليأس؟

img

سلسلة بحوث إسلامية بالنجف الأشرف ـ الطبعة الأولى سنة 1386هـ ـ 1967م

عبدالهادي الفضلي*

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ . تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

لماذا يستعرض القرآن الكريم هذه القصة (قصة الحرب بين طالوت وجالوت)، وهي ليست من أحداث التاريخ الكبرى، التي أعقبها تغيّر كبير في حياة العالم؟!

ولماذا يستعرض القرآن هذه الفترة بالذات من أحداث الصراع بينها، أو من حوادث القصّة دون سواها من فتراتها وأطوارها؟

نحن نعلم أن القرآن ليس مدونة تاريخية أنزلت لتستعرض أحداث الأمم السالفة بصفتها حوادث وقعت في التاريخ.. وإنما هو كتاب دعوة: دعوة إلى الإيمان بالله تعالى، وإلى العمل وفق أوامره ونواهيه، يأخذ لنشرها بين الناس، ومن أجل غرسها في نفوسهم وغلغلتها في أعماق قلوبهم بشتى الوسائل ومختلف الأساليب إلى ذلك، وفي الوعيد، وفي الحكم يفصّل، والموعظة تبدى، والقصّة تستعرض، وفي أمثال هذه شيء من ذلك.

فالقرآن الكريم لا يذكر حكاية من التاريخ ليدونها حدثاً تاريخياً يستفيد منها المؤرخون فقط، وإنما يأتي بها وسيلة من وسائل حمل الدعوة، وأسلوباً من أساليب نشرها.

ومن هنا كان لا يمّر بالقصّة كاملة كما تفعل كتب التاريخ المعنية بذلك، وإنما يجيء منها بموضع الشاهد فقط، والمجال الذي يسهم في تأدية رسالته في الدعوة.

وموضع الشاهد من قصّة طالوت وجالوت هذه: هو أن يركّز انتباهنا حول فئة من قوم طالوت، (وهو يقود إلى نصر الله تعالى، ونشر كلمته العليا في الأرض ) آمنت بالله ولم تيأس من رحمته.

وفئة أخرى من قومه أيضاً أصابها اليأس أن تنتصر، لأن جالوت وجنوده كانوا قوة هائلةً لا تقوى الفئة القليلة -فيما تزعًم هذه الفئة اليائسة- أن تغلبهم. 

وينتهي القرآن في استعراضه لهذا الموقف من الحادثة: إلى أن الفئة الرَّاجية، الفئة المؤمنة بنصر الله تعالى، الفئة التي لم يستولِ عليها اليأس، كانت هي الغالبة ـمع قلتهاـ حيث هزموا جنود جالوت بإذن الله وقتله داوود، (وكان من جند طالوت).

والقصّة بكاملها تدور حول لون من ألوان الصراع بين الحقّ والباطل التي تعيشها على مرمى التاريخ ومرور الحياة، غير أنها أكّدت نقطةً بارزةً في الصراع، تلك هي: (فكرة اليأس).

وإلى هنا، قد يُتَسَاءلُ: لأي شيء أكّدت القصّةُ هذه الفكرة بالذات؟

ذلك لتأخذ من الموقف الفاصل فيها نظرةً كانت تقرير مصير، وكانت عبرة لمن يأتي، وتجربةً تضيء الطريق أمام المجاهدين في سبيل الله تعالى أمام الخائضين غمار المعركة التاريخية بين الحقّ والباطل.

كيف عاق اليأس فئة عن الجهاد والعمل؟ وكيف دفع الإيمان الفئة الأخرى إلى النزول الى الساحة ثقةً بوعد الله، فالخروج منها فوزاً بنصره تعالى؟

كيف يعمل اليأس في نفوس، وكيف يعمل الأمل في غيرها؟

وهي -في عقيدتي- وسيلة ناجحة، لأنّ الواقع تجربة حقيقية تقطع مجال العذر وتغلق الطريق إلى اختلاق أي تبرير.

وفي القرآن الكريم أمثالها قصص أُخر، ولنفس الغاية أيضّاً، وفي التاريخ منها ثروة ضخمة، كذلك لمن شاء أن يستشهد بها.

وما جميع هذا، إلاّ لأن فكرة اليأس عقبة تقف في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وعائق شرير ويوقف مسيرة العمل لإعلاء كلمة الحقّ  في الأرض.

فهي -إذن- عامل خطير من عوامل شلّ الحركة، فلا بدّ أن يُهْدَم، ولا بدّ أن يُستَأْصل من النفوس .. والعبرة إحدى الوسائل تلك.

ووسيلة أخرى هي (الحكم)، فقد اتخذ منه القرآن الكريم وصلةً إلى القضاء على اليأس وتخليص الإنسان من شروره في إعاقة الحركة عن الانطلاق والدعوة عن الانتشار.. ونلمسه في قوله تعالى: ﴿… إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

والآية الكريمة هذه حين تدرج (من ييأس من روح الله تعالى) في عداد الكافرين، إنما ذلك لأنه يلتقي والكافر الذي لا يؤمن بالله تعالى، لأن الكافر -في واقعه- في يأس، لأنه لا يؤمن بالله حتى يرجو أن ينصره، فكذلك المسلم  الذي ييأس من رحمته الله، فإنه يعدم رجاء نصره تعالى مثله.

على أنّ المراد من الكفر -هنا- معناه العام، وليس الخاص الذي يقابل الإسلام.

ومن الآية الكريمة، ومن أمثالها من النصوص التشريعية وغيرها، استفاد الفقهاء الإسلاميون حرمة اليأس وعدُّوه من الكبائر التي يفسق صاحبها، وربما الضرورة قائمة على ذلك أيضاً.

واليأس حين نزع من نفوس الأوائل من رجال المسلمين، كان ذلك الزخم الهائل الذي بنى للأمة كيانها التالِد، ورَفَعَ عنها عار الخنوع للغير، ووصمة الفرقة، وسجّل لها شرف الحياة الرفيعة وعزّة الطاعة لله تعالى.

واليوم، وهو يشكّل حلقةً من سلسلة العقبات في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وأمام المجاهدين في سبيله، حيث استولى على بعض النفوس فأقعدها عن العمل والدعوة.. وبخاصّة نفوس أولئك الذين يفهمون من التشريع الإسلامي ما لا يفهم الآخرون، ويعلمون من أحكام اليأس ما لا يعلمه سواهم.

ولا أقول: إنهم يبررّون القعود باليأس، فبعضهم أبعد عن التضليل، ولكنه شعور بالعجز أو الضعف أمام قوة مثل قوة جالوت.

أقول: اليوم، واليأس كذلك، فإن القضية تحتّم علينا أن نعمل على استئصاله من النفوس أو التقليل من تأثيره، بإعادة هذا المفهوم الإسلامي البناء الذي رأيناه في قصص القرآن وأحكامه، وفيما أفاده الفقهاء منهما ومن أمثالهما لتعود فاعلية (الرجاء) وحركته في نفوس الأفراد والمجتمع تدفعهما إلى الدعوة إلى الله والعمل في سبيله.

ولتعلم أن العمل -أي عمل- أول ما يبدأ ضعيفاً، ثم يقوى.. وتاريخ الدعوة الإسلامية برهان على ما أقول، فقد عاش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث سنين، بدء الدعوة -كما تؤرخ السيرة- في مكة المكرّمة لم يُسْلِم خلالها غير أربعين شخصاً، كانت تضمهم -خوف الإيقاع بهم من قبل المشركين- دار الأرقم المخزومي، وهي الملتقى السري لأولئكم الدعاة الأوائل.. وقضى (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة أيام في الطائف لم يُسْلِم خلالها سوى خادم غير عربي كان يعمل هناك.. وكانت حوادث أخرى تماثل هذا، إلى أن جاء دور المدينة، وشرع العمل يقوى حتّى كانت الدولة الإسلامية في صداها المدوّي بين المشرق والمغرب.

والشرّ حيث ينتشر اليوم، يكون أدعى إلى العمل لدفعه وإزالته، لأن النفوس -والحالة هذه- أقرب إلى تقبل الحقّ واتباع المصلحين.. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولا تيأسنّ لشرّ هذه الأمة من روح الله تعالى، لقوله: {… إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}).

ولعله (عليه السلام) يشير إلى ذلك أيضاً، مضافاً إلى تعليله منه عليه السلام بأن اليأس مخالفة الله تعالى.

والتجربة التي يمرّ بها العاملون في سبيل الله تعالى الآن، وكيف أصبحت تؤتي أكلها في انتشار الفكرة الإسلامية وفي استجابة الأمة لدعوتهم إليها، حافز آخر  يدفعنا إلى العمل دفعاً.

وبرهان ثانٍ على أن (الرجاء) هو الطريق إلى تأدية الواجب، وبالآخرة هو الطريق إلى الله تعالى.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

النجف الأشرف 9/9/1386هـ.

اترك رداً