دول لا تعرف الليل ..كيف يصوم مسلموها؟

img

 

سارة الصحراوي – الدمام

عدد ساعات صيام شهر رمضان الكريم، يختلف باختلاف المواقع الجغرافية للدول، ولعل أكثر المناطق إثارة للانتباه وحب الاستطلاع، تلك التي يطول فيها يوم الصيام. فكيف يصوم مسلمو تلك المناطق؟ وكيف يحددون مواقيت الإمساك والإفطار؟

تختلف مواعيد الإفطار في روسيا على امتداد مناطقها الزمنية،ولعل حالة مدينة مورمانسك الواقعة خارج الدائرة القطبية الشمالية هي الأكثر إدهاشا وتعقيدا لربما في العالم بأسره.

تقع مدينة مورمانسك على شبه جزيرة في أقصى الشمال الغربي من روسيا، ويصنف موقع المدينة على أنها تقع في دائرة القطب الشمالي، سماها ابن بطوطة ببلاد الظلمات، النهار بهاته المدينة يستمر لمدة 24 ساعة خلال هذه السنة، ترى كيف يتعامل  قاطنو المدينة من المسلمين مع تحديات الصيام خلال  شهر رمضان الكريم؟

حل شهر الخير والبركة في كل أرجاء المعمورة، لكنه في مناطق الشمال الروسي وتحديدا بمدينة مورمانسك يتميز عن كل بقاع الأرض. فهي المدينة الأكبر في العالم التي تقع خارج الدائرة القطبية ويحل فيها خلال فصل الصيف ما يعرف بالنهار القطبي.حيث يمتد ضوء النهار لمدة 40 يوما متصلة لا يرى فيها ساكنوها شروق الشمس ولا غروبها، وهو الأمر الذي دفع بعلماء الشريعة إلى إصدار فتوى تبيح لمسلمي المدينة، الصيام حسب توقيت المناطق الأقرب إليهم جغرافيا داخل الدائرة القطبية. وعلى الرغم  من ذلك  ففترة الصيام تمتد لعشرين ساعة يوميا.

وبالرغم من عدم وجود شمس حارقة إلا أن ساعات الصيام الطويلة وبرودة الطقس وعدم تناول الطعام لمدة طويلة يؤدي إلى شعور الصائم بالبرودة.

المسلمون في المدينة ليسوا من السكان الأصليين، فهم من أعراق مختلفة ومن أقاليم روسية متعددة، لكن الإسلام يجمعهم في الصيام والصلاة.

في هذه المدينة التي لا تعرف الليل صيفا ولا النهار شتاء، لا حائل يحول دون صيام شهر رمضان المبارك، لا ضوء النهار، ولا درجات الحرارة المتقلبة، ولا ساعات الصيام الطويلة.

وكأن الوقت توقف في هاته المدينة رغم أن عقارب الساعة تدور وتدور… لا فرق فيها بين ساعات الليل وساعات النهار،فضوءالنهار لا يغادر المدينة.

وإذا شددنا الرحال صوب القارة الأمريكية، وبالضبط كندا،فالصيام في القطب الشمالي بها يختلف كلياً عن الصيام في غيره من بقاع الكرة الأرضية، ويكمن السبب في كون المنطقة تعيش أياماً لا تغيب الشمس فيها صيفاً، ولرفع الحرج اتفق العلماء فيها على أن يتبع المسلمون في تحديد أوقات إمساكهم وإفطارهم توقيت مكة المكرمة.

وينعت الكنديون هذه الظاهرة بـ: Midnight sun أي شمس منتصف الليل”، وهي ظاهرة طبيعية تحدث في أشهر الصيف في الأماكن الشمالية من الدائرة القطبية الشمالية أو جنوب الدائرة القطبية الجنوبية.

المسلمون في مدينة  نونوفت -وهي من مدن القطب الشمالي الكندي-  خلال شهر رمضان يمارسون أعمالهم ووظائفهم بشكل طبيعي، مع الاستمرار في الصيام والإفطار بحسب أذان مكة.

وفق التقويم القمري يتقدم موعد بدء شهر رمضان بمعدل أقل من أسبوعين كل سنة مقابل التقويم الميلادي. وفي البلدان القريبة من خط الاستواء -مثل السعودية وسنغافورة وإندونيسيا- لا يُحدث هذا التغير فرقا كبيرا في عدد ساعات النهار الثابتة بين عام وآخر.

المسلمون المقيمون في معظم دول العالم الشمالية، بالقرب من الدائرة القطبية، يواجهون أزمة في فصل الصيف عند الصوم.فالمسلم النرويجي في الشمال مثلا، يجد نفسه هذه السنة أمام تحدي صيام يوم تصل ساعاته حتى 21 ساعة و51 دقيقة.

وقد أثار طول يوم الصيام نقاشا حول الحلول الممكنة لتدبيره،حيث يرى بعض المسلمين أن طول فترة الصيام تتطلب إتباع التوقيت المحلي، في حين يرى آخرون أن عدد الساعات الطويلة يجعل القدرة على الصيام صعبة، وبالتالي ينبغي الإمساك والإفطار وفق توقيت مكة المكرمة باعتبارها مهد رسالة الإسلام.

أما الرأي الثالث، فهو منتشر لدى بعض الجاليات المسلمة في النرويج التي ترى بضرورة التغلب على طول فترة الصوم بإتباع التوقيت المتبع في البلد الأصلي، في حين هناك رأي لا يحظى باتفاق كبير يدعو إلى عدم صيام رمضان والقضاء بعد انقضاء الشهر، وهو ما ينطبق أيضا على من ينادون بالصوم حسب توقيت أقرب بلد مسلم للنرويج.

في أيسلندا تغرب الشمس عند منتصف الليل وتشرق بعد غروبها بساعتين فقط خلال ذروة الصيف .

وفي فنلندا -وخاصة إقليم لابلاند لا تختفي الشمس طوال اليوم، ليجد المسلمون أنفسهم أمام 23 ساعة ونصف الساعة من العطش والجوع، مما يحول فريضة الصيام إلى محنة غير محتملة، لذلك اختار سكانها الصوم وفق مواقيت دول الشرق الأوسط .

وقد أوصى مجلس كبار العلماء المسلمين في السعودية، بضرورة مراعاة المرء للتوقيت المحلي طالما أن الليل يمكن تمييزه عن النهار، حتى لو كان ذلك يعني الصوم لأكثر من 23 ساعة يوميا في الصيف، ولبضع ساعات في الشتاء، ووجدوا هذا اختبارا لتعزيز الإيمان بالإسلام.

خلال هذه السنة ستكون الجزائر أطول دولة عربية في عدد ساعات صيام شهر رمضان، بمعدل 16 ساعة بين أوله وآخره، حيث سيبدأ نحو 15 ساعة ونصف الساعة، وسينتهي بـ 16 ساعة ونصف الساعة، مما يجعل المعدل 16 ساعة تقريبًا. بينما ستكون الصومال أقل الدول العربية في عدد ساعات الصيام بنحو 13 ساعة ونصف الساعة. أما في المملكة العربية السعودية فأقصر عدد ساعات الصيام بالرياض 14 ساعة و40 دقيقة في أول يوم وأطول عدد ساعات آخر يوم هو 15 ساعة و12 دقيقة.

ولا شك أن صيام شهر رمضان الكريم رغم ما يحيط به من ظروف الزمان والمكان في دول العالم المختلفة، فإنه يظل شهرا متميزا بأجوائه الروحانية وفضائله الربانية، ومن كل أنحاء الكون تتجه الأنظار إلى المملكة العربية السعودية، فمن كل فج عميق تتهافت أفئدة المعتمرين على البيت العتيق، لكسب ثواب الحج بعمرة رمضان، ويتنافسون في تحصيل الثواب والأجر في شهر القرآن، فمنهم المعتكفون في رحاب المسجد الحرام، والطائفون بالكعبة المشرفة والساعون والركع السجود، مما يعيد تشكيل صورة الحشود من ضيوف الرحمان أثناء مواسم الحج.

والكل يشهد كيف تمتلئ جنبات وأدوار وأروقة المسجد الحرام، وساحاته وسطوحه، بأفواج من المعتمرين الذين يتوافدون على أم القرى لأداء مناسك العمرة وصلاة العشاء والتراويح، فيما يحرص الكثير منهم حضور ختم القرآن الكريم بالمسجد الحرام في ليلة السابع والعشرين التي يتحرى فيها ليلة القدر. ومن كل أقطار الدنيا يهفو المعتمرون والزائرون على حد سواء إلى مهوى أفئدة المسلمين، مأوى ومثوى النبي الكريم، المدينة المنورة ليعيشوا فيها أجواء من الروحانية والسكينة بجوار قبره عليه الصلاة والسلام، واستحضار عظمة الإسلام بين معالمها الدينية والتاريخية العظيمة.

 

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً