التطوع في الثقافة الإسلامية

img
علي عيسى الوباري
0 الوسوم:, ,

علي عيسى الوباري

أصبح التطوع مفهوما عاما عند الأفراد والمؤسسات الخيرية والاجتماعية، ويسمى القائم بتلك الأعمال التطوعية متطوعا.
ولأني غير متخصص بالشأن اللغوي والديني فقد يكون ما أكتبه في هذه السطور ناقصا من حيث المعنى والقصد.

علي مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات يُعرف التطوع بأنه بذل العمل عن رغبة ومن دون إكراه، وبلا مقابل مادي. أمّا في الاصطلاح “فالتَّطوع هو السَّعي إلى بذل المجهود الفكريّ أو العضليّ أو الماليّ أو العينيّ أو النّفسيّ، لفئةٍ من النّاس محتاجةٍ للعون والمساعدة والمؤازرة، على كافّة الصُّعد بصورةٍ فرديّةٍ أو جماعيّةٍ، كما في الجمعيات الخيريّة، أو الشّبابيّة، أو المنظّمات المحليّة والدّوليّة غير الرّبحيّة”.

التطوع منتشر في الأنشطة الاجتماعية والبرامج، في الجمعيات والمنظمات والمؤسسات الخيرية والتنموية، وكل ما يخدم المجتمع. والمتطوع من يقوم بالعمل والنشاط سواء ببذل وقته أو جهده أو بالتبرع بمبلغ أو بمساعدة عينية. لكن هل ما ورد في القرآن الكريم من تطوع يتطابق مع ما هو متعارف عليه اليوم بالثقافة المجتمعية، يعني هل كلمة تطوع تدل على عمل إيجابي في ذاته، أو لا بد من اقتران التطوع بصفة تبين إيجابيتها.

ما نفهمه من “التطوع” في القرآن، هو اختصاصه بالشأن العبادي فقط، كما في بعض آيات القرآن الكريم:
قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) ١٥٨ البقرة، نلاحظ جاءت كلمة تطوع وبعدها خيرا يعني يمكن أن يكون التطوع في غير الخير.

وفي آية أخرى قال الله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ١٨٤ البقرة.
في هذه الآية من نفس السورة تكرر اقتران التطوع بالخير، فكأنه يلزم تمييز التطوع بالخير.

أما في السنة النبوية والأحاديث وروايات أهل البيت عليهم السلام، فحسب الاطلاع المتواضع تأتي كلمة تطوع في العبادات، مثل الصلوات المستحبة والصيام والحج المندوب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من صام يوما تطوعا ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفرة”. وفي الصلاة عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: “إياكم والكسل، إن ربكم رحيم يشكر القليل، إن الرجل ليصلي الركعتين تطوعاً يريد بهما وجه اللّه عزّ وجلّ، فيدخله به الجنة”.

عن أبي جعفر بن محمد عليه السلام أن رجلاً سأله فقال: يا بن رسول اللّه، أنا رجل موسر وقد حججت حجة الإسلام، وقد سمعت ما في التطوع بالحج من الرغائب، فهل لي إن تصدقت بمثل نفقة الحج أو أكثر منها ثواب الحج ؟ فنظر أبو عبد اللّه عليه السلام إلى أبي قبيس وقال له: “لو تصدقت بوزن هذا ذهباً وفضة، ما أدركت ثواب الحج”.

وقد وردت مفردة تطوع في رواية عن الأمام الصادق في مورد التبرع بالمال، قال عليه السلام: “إياكم والكسل، إنّ ربكم رحيم يشكُر القليل،… وإنّه -أي الرجل- ليتصدق بالدرهم تطوعاً يريد به وجه اللّه عزّ وجلّ فيُدخله اللّه به الجنة”.

أما خدمة المسلمين والمجتمع، وقضاء حاجات الناس، والتكافل والتضامن والتعاون، أو ما يسمى بالتطوع المعروف على مستوى الأفراد والجماعات والجمعيات والمؤسسات الخيرية، فجاءت آيات وأحاديث وروايات لا تتضمن كلمتي تطوع أو متطوع، لكنها تضمنت عناوين مختلفة تؤدي في روحها وفحواها إلى معنى التطوع.

ومن الأمثلة على ذلك:
قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى). قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: “من مشى في حاجةِ أخيه ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ، قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين”. “إنَّ اللهَ في عون المؤمن ما دام المؤمنُ في عون أخيه المؤمن ومن نفّس عن أخيه المؤمن كُربةً من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه سبعين كُربةً من كُرب الآخرة”.

وقال أبو عبد الله عليه السلام: “من مشى لامرئٍ مُسلمٍ في حاجتهِ فنصحهُ فيها كتبَ اللهُ له بكُلّ خطوةٍ حسنة، ومحى عنهُ سيّئة؛ قُضيّت الحاجة أو لم تُقضَ فإن لم ينصحهُ، فقد خانَ الله ورسوله، وكان رسول الله – صلّى الله عليه وآله وسلّم – خصمهُ”.

وقال الإمام جعفر بن مُحمَّد الصادق عليه السلام: “إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة، ومن أدخل على مؤمنٍ سروراً فرّحَ الله قلبه يوم القيامة”.

وقال عليه السلام: “من نفّس عن مؤمنِ كُربة نفّس الله عنهُ كُرَب”، وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: “إنّ خواتيم أعمالكم قضاءُ حوائجِ إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم، وإلا لم يُقبل منكم عمل، حنُّوا على إخوانكم وارحموهم تلحقوا بنا”.

وقال الإمام الصادق عليه السلام: “احرصوا على قضاء حوائج المؤمنين وإدخال السرور عليهم ودفع المكروه عنهم فإنّه ليس من الأعمال أحبُّ عند الله -عزّ وجلّ- بعد الإيمان أفضل من إدخال السرور على المؤمنين”.

حتى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تعتبر فريضة من فرائض الإسلام، ومفاهيمه الثابتة، ويعتبر واجبا كفائيا يصل للواجب العيني في بعض الموارد، لكن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأعمال التطوعية في حالات، فقد جاء بالآية القرآنية: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ١٠٤ آل عمران.

وقال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: “مَن أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسول الله، وخليفة كتابه”.

 

اترك رداً