الشيخ حسن بوخمسين: قراءة في الرؤى والأفكار

img

 

في يقيني أنه لا يختلف اثنان على أن الذي أكتب عنه هذه السطور المتواضعة (سماحة الشيخ حسن بن الشيخ باقر بو خمسين رحمه الله تعالى) هو من مفاخر (أسرة بو خمسين)، ومن رجالها المبرزين، بما له من مقام علمي رفيع وصل فيه إلى مرحلة البحث الخارج، وما يمثله من وزن وثقل اجتماعي كبير، وما تجسد في شخصيته الرائعة من عظيم السجايا والمثل، وسائر القيم الإنسانية العليا، التي جعلت الجميع يشهدون له بأنه لعلى خلق عظيم.

في حدود ما اطلعت عليه مما كتب فيه أو قيل عنه بعد رحيله إلى جوار ربه في ذلك اليوم المقدس (يوم عرفة) المصادف ليوم السبت من هذا العام (1440هـ)، وتشييعه في تلك الليلة المباركة (ليلة الجمعة 14 ذو الحجة 1440هـ) رأيت أن كل ما هو مكتوب عنه (أو جله) ينحصر في تسليط الضوء على الجانب القيمي والأخلاقي في شخصيته، وما له من دور ريادي في النشاط الاجتماعي، والخدمات الإنسانية، إلى حدّ أن بعض المواضيع أصبحت متشابهة، بل ربما متطابقة في الأفكار والشواهد، وإن اختلفت في التعبير والأسلوب.

ورغم إيماني الكامل بأهمية تناول تلك الجوانب القيمية المهمة، كونها الكاشفة عن أبعاد شخصيته الاجتماعية والإنسانية رحمه الله تعالى، إلا أنني أظن أنه لا يصح أن نحصر أنفسنا في الحديث فيها، إلى حد إغفال أو إهمال جوانب أخرى ربما لا تقل قيمة وأهمية عنها، ومن المهم أن نقف عندها، ونتعرف عليها كونها تكشف عن أبعاد أخرى من أبعاد شخصيته تغمده الله بواسع رحمته.

ولذا فإني سأحاول في هذا الموضوع المتواضع أن أتجاوز ما تمّ إشباعه من حديث عن قيمه الأخلاقية، وسيرته الاجتماعية، لأتحدث عن (رؤاه وأفكاره) خصوصا حول بعض القضايا والمواضيع الحساسة والمهمة، والتي تمس حياة الإنسان الدينية والفكرية والاجتماعية على حد سواء.

فظني أن الحديث عن رؤى الآخرين وأفكارهم حول مختلف القضايا والمواضيع، يتيح لنا فرصة التعرف على توجهاتهم الفكرية، كما أنه يكشف لنا النقاب عما تتمتع به هذه الشخصية أو تلك من عقلية وقادة، وفكر نير، ونظرة ثاقبة، أو افتقادها لكل تلك الصفات، وذلك حسب ما نراه في تلك الرؤى والأفكار التي تحملها تلك الشخصية من وعي ونضج، وما تمثله من أصالة وقيمة.

وسبب آخر دفعني لاختيار هذا الموضوع دون غيره، وهو أن تواضع الإنسان وبساطته، أو عفويته في تعامله مع الآخرين، أحياناً يجعل البعض يأخذ تصورا خاطئا عنه، فيظنه بسيطا، أو ساذجا، ولا يحمل من الوعي والفكر ما يؤهله لإبداء رأي، أو أن تكون له وجهة نظر!.

ولأن من أعظم سمات الشيخ حسن بو خمسين وصفاته: الأدب الرفيع، والتواضع الجم، والبساطة الكاملة، والعفوية التامة في تعامله مع الآخرين، إلى حد أن اندكت إنيته في ذاته اندكاكا وهو عند الله عظيم، كما أنه رحمه الله لم يحاول أن يزج بنفسه في مجادلات فكرية، أو خلافات اجتماعية تضج بها الساحة، ولم يحاول أن يبرز رؤاه وأفكاره إلى العلن، وقلما يبدي رأيا أو يطرح وجهة نظر في جلساته العامة، بل يكتفي بالملاطفة، وحسن المعاشرة، والخوض في الأحاديث العامة، فربما (وأقول: ربما) تصوّر البعض أنه من أولئك الأشخاص الذين ليس لهم أية رؤية تجاه أية قضية!.

ولا شك أن هذا التصور (إن كان موجودا فعلا) فهو تصور خاطئ جدا، إذ أن لسماحته الكثير من الآراء في الكثير من القضايا والمواضيع، بعضها يتصف بالحصافة، وبعد النظر، إضافة إلى ما في بعضها من جرأة وشجاعة، كما سيتضح لنا بعد قليل.

صعب جداً أن أتكلم عن جميع رؤى وأفكار سماحة الشيخ حسن رحمه الله تعالى في مختلف القضايا والمواضيع، ليس فقط لأن ذلك يستدعي الإطالة، بل لأنني أجهل الكثير منها أيضاً، كوني (قطعاً) لم أقف عليها جميعها، ولذا سأكتفي بذكر بعض الرؤى والأفكار التي ستكون محصورة فيما يلي:
أولا: رؤيته حول مؤهلات الخطيب الحسيني.
ثانيا: رؤيته حول مواصفات القضاة.
ثالثا: رؤيته للأوقاف الشرعية.

كما سأحاول -ومن باب الإثراء للموضوع- تقديم قراءات مختصرة لهذه الرؤى والأفكار، تكون بمثابة الإلماعات المساعدة على الشرح والتوضيح.

أولاً: رؤيته حول مؤهلات الخطيب الحسيني:
ربما يتفق الجميع على أن المنبر الحسيني من أهم الوسائل الإعلامية والتعليمة لدى الشيعة الإمامية، وأنه لا يمكن للمنبر أن يضطلع بدوره، ويؤدي رسالته، ما لم يملك الخطيب من المؤهلات ما يؤهله لتحمل هذه المسؤولية الجسيمة، والقيام بها على أكمل وجه.

وكان سماحة الشيخ حسن واعيا لأهمية المنبر، وضخامة رسالته الفكرية والعلمية، مؤمنا أن تلك الرسالة لا يمكن تأديتها على الوجه الصحيح، ويكون لها دورها الفاعل في إحياء النفوس، وإضاءة القلوب، وإنارة العقول بالمعرفة الصحيحة والعلم النافع، ما لم يكن الخطيب جديرا بحملها وتبليغها على الوجه الصحيح، فسماحته -رحمه الله- لا يؤمن أن المنبر الحسيني مجرد (بركة) ولا أن الخطيب مجرد (ناع) بل يرى المنبر (رسالة) والخطيب (رسول).

ففي الحوار الذي أجراه مع سماحته الأخ العزيز الأستاذ سلمان الحجي، والمنشور في بوابة (حجي الحبيب السلطان للتراث والثقافة)، سأله عن أهم ما يجب توافره في الخطيب من صفات ليكون مؤهلا لاعتلاء المنبر، فكان جوابه عليه من الله كل الرحمات: “الحافظة، والصوت، والتحضير الميز، وطرح المواضيع التي يحتاجها المجتمع طبق أوامر الدين”.

وحقيقة هي رؤية ثاقبة، ركز فيها سماحته على صفات جدا مهمة، الاتصاف بها من شأنه أن يرتقي بالمنبر ليواكب تطورات العصر، كما أن إهمالها يؤدي به إلى الضعف، والعجز عن أداء رسالته على النحو الأكمل.

فالصوت الشجي الجميل (خصوصا في النعي وتصوير المصيبة) من شأنه أن يخلق تفاعلاً إيجابياً بين الخطيب والمستمع بما يتركه من أثر إيجابي في النفوس، يجعل المستمع ينتقل بعقله وروحه إلى كربلاء، ليشاهد الملاحم البطولية الخالدة التي سطرها سيد الشهداء وصحبه وأهل بيته على أرض كربلاء القداسة والجلال، وأيضا يرى تلك المأساة الدامية بعين القلب والبصيرة، فتتوطد العلاقة العاطفية بينه وبين الإمام الحسين، ويتأثر لمصابه، ويبكي لما جرى عليه من نكبات، وحلّ به من محن، وكأنه يعيش فصول الفاجعة فصلاً فصلاً، من خلال تلك الصور المأساوية المؤلمة التي يرسمها الخطيب بحسن تصويره، وجمال صوته الشجي المؤثر.

وأما تأكيد سماحته على (طرح المواضيع التي يحتاجها المجتمع) فهو من الأهمية بمكان، بل هو المنسجم مع دور المنبر ورسالته، المتمثلة في محاولة بناء المجتمع الصالح من خلال تربية أبنائه على العفة والفضيلة والطهارة، ودعوتهم إلى التحلي بالقيم العليا، وتجسيدها في سلوكهم العملي، والعمل على حل المشاكل التي يعاني منها المجتمع، سواء كانت دينية، أو فكرية، أو أخلاقية، أو اجتماعية، أو غيرها، لننعم بمجتمع ملائكي يمشي على الأرض.

ومتى افتقر المنبر إلى هذا النوع من المواضيع والأطروحات يكون قد انحرف عن أداء رسالته، مما يجعله يفقد قيمته، بل وربما انتفت الحاجة إليه.

واللافت فيما أكد عليه الشيخ حسن بو خمسين من وجوب توظيف المنبر في (طرح ما يحتاج إليه المجتمع) أنه أيضاً قيّد ذلك بأن يكون (طبق أوامر الدين).

والحق أن هذا القيد ليس فقط يحمي المنبر من تقديم أطروحات بعيدة عن حاجة المجتمع، أو لا تناسبه بالمرة، بل أيضا فيه دفع للخطيب نحو التحصيل العلمي، والتفقه في الدين، ولو في حدود ما يحتاجه موضوعه، ليتمكن من تقديمه (طبق أوامر الدين) عقيدة وشريعة، بعيدا عن الخرافات والخزعبلات التي يتم طرحها، والتسويق لها عبر المنبر باسم الدين، كما هو الحال في الكثير من المنابر بكل أسف.

كما أن هذا القيد (طبق أوامر الدين) من شأنه أن يحمي المنبر من التوظيف لما هو خارج اختصاصه، كأن نجعله وسيلة إعلام خاصة، أو نوظفه لحساباتنا الشخصية، والنيل من خصومنا، والوقوع في الذين يختلفون معنا في الرأي أو الموقف من هذه القضية أو تلك، أيضا كما هو حاصل في بعض المنابر (سواء الحسينية أو منابر المساجد) بكل أسف.

وانطلاقا من رؤيته الواعية في أن المنبر ليس فقط من أجل (البركة) ولا هو (مهنة من لا مهنة له) أو أنه مجرد (وظيفة) يسترزق منها الخطيب، أكد سماحته على (التحضير) للمواضيع والأطروحات المنبرية، وليس أي تحضير، بل (التحضير المميز) الذي يحمي المنبر من العشوائية، والأطروحات السطحية، أو تقديم ما لا ينسجم مع العقل والدين، كما أنه يساعد على الارتقاء بالمنبر ليحوله إلى مدرسة إسلامية كبرى، تساهم بشكل كبير في بناء شخصية الإنسان الفكرية على المستوى النظري، وتربية نفسه، وتهذيب سلوكه على المستوى العملي.

وحقا كم هو رائع وجميل هذا الوصف (التحضير المميز!) فالتحضير لا يقتصر فقط في الإكثار من القراءة، وحشو المعلومات في الذهن، ليكون الخطيب مجرد (صندوق معلومات) يقرأ ثم يحفظ ثم يطرح دون وعي أو فهم وإدراك، بل التحضير (فن) المادة (أدواته) والخطيب هو (الفنان) الذي يجب أن يكون ماهرا وحاذقا في استخدام تلك الأدوات بشكل صحيح من أجل رسم اللوحة الفنية بالكلام والحركة معا، فالقضية ليست فقط قراءة وتراكم معلومات، بل دقة في اختيار الموضوع، وتحديد أهدافه، ووضع عناصره، وبناء أفكاره، وانتقاء أدلته وشواهده الإثباتية، وكذا أمثلته التوضيحية. وكل هذا يحتاج إلى قراءة مركزة، وعقلية وقادة، وفكر نير، وتأمل عميق، ليتمكن الخطيب من التعامل مع المادة، والتحضير لموضوعه بحرفية ومهارة.

وأما (الحفظ) فهو مما لا غنى عنه في المنبر، كونه من أهم عناصر الخطابة الحسينية، وليس فقط حفظ قصائد الرثاء بشقيها (العامي والفصيح) بل الخطيب أيضاً بحاجة إلى حفظ ما يحتاجه موضوعه من استشهادات نقلية، سواء من القرآن أو الحديث، أو الحكم و الأمثال، بل وحفظ وفهم القواعد المتعلقة بالموضوع حسب نوعه وطبيعته، وما شابه ذلك مما يجب إتقان حفظه وفهمه وإدائه على حد سواء، إذ متى كان الموضوع خاليا من ذلك كله، فقد جزءً كبيرا من قيمته وأهميته، وربما تحول إلى مجرد كلام إنشائي عام لا يسمن ولا يغني من جوع.

وبالجملة فإن رؤية سماحة الشيخ حسن بو خمسين للمنبر الحسيني، رؤية ثاقبة، تدل على وعي حقيقي، ومعرفة كاملة بالدور الكبير والمهم الذي يجب أن يضطلع به المنبر في المجتمع، والصفات التي اشترط توافرها في الخطيب جدا مهمة، ولو تم أخذها والعمل بها لحقق المنبر قفزة نوعية في مجاله، ولما أصبحنا نشتكي مما نشتكي منه الآن في الكثير من الأطروحات المنبرية.

ثانيا: رؤيته حول مواصفات القضاة:

وكما نعلم فإن لسماحة الشيخ حسن رحمه الله خبرة كبيرة جدا بالقضاء، وهي خبرة عملية نتيجة توليه لهذا المنصب الخطير تارة، وعمله مساعدا للقضاة تارة أخرى، فوالده سماحة الشيخ باقر بو خمسين تقلد هذا المنصب لمدة تقرب من ربع قرن، ابتدأت بتاريخ 10/10/1388هـ، بقرار حكومي صدر عن أمير المنقطة الشرقية حينها، الأمير عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي بن تركي آل سعود، واستمر في منصبه هذا إلى يوم رحيله إلى عالم الخلود، مساء يوم الخميس (ليلة الجمعة المباركة) الخامس من شهر ربيع الأول من عام 1413هـ، وكان سماحة الشيخ حسن المعاون الأول لأبيه في حضوره، والنائب عنه في غيابه، بل وكما يقول الأخ العزيز سماحة الشيخ محمد الحرز في بحثه (ورحل شيخ الفقراء والمساكين سماحة العلامة الشيخ حسن آل أبي خمسين): “كان هو القاضي الفعلي في العقد الأخير من حياة والده، بسبب المرض الذي أنهك العلامة الشيخ باقر، وأضعف قدرته على إدارة شؤون القضاء”.

وبعد رحيل والده إلى جوار ربه تولى هو رحمه الله دفة القضاء لفترة وجيزة جدا، ثم تنازل عن ذلك، قائلا جملته المشهورة، الدالة على تحرجه في دينه، واحتياطه لنفسه: “لن أجعل القضاء بوابة دخولي إلى النار” ليتقلد آية الله سماحة الشيخ محمد الهاجري رحمه الله منصب القضاء إلى أن انتقل إلى جوار ربه في اليوم الحادي والعشرين من رجب، عام (1425هـ) ليتم تعيين سماحة الشيخ محمد اللويم قاضيا، ويكون سماحة الشيخ حسن بو خمسين مساعدا له.

وحين سأل الأستاذ سلمان الحجي سماحته عن سرّ ومعنى جملته تلك: (لن أجعل القضاء بوابة دخولي إلى النار) وألا يمثل رفضه القضاء سابقا، وقبوله أن يكون مساعدا بعدها، تناقضا؟!
أفصح سماحته رحمه الله تعالى عن سر ذلك القبول، وبيّن سبب تلك الجملة، بقوله في الجواب: “بالنسبة للمنصب الجديد كمساعد للقاضي الرسمي سماحة العلامة الشيخ محمد اللويم أقحمت بتوليه، وأصر عليّ من قبل المسؤولين القبول بذلك، وأما عن عبارتي السابقة فكنت أخشى أن أكون ظالماً في الحكم، وأدعو الله القدير أن لا أكون كذلك”.

ولو أردنا دراسة هذه الجملة: (لن أجعل القضاء بوابة دخولي إلى النار) وتقديم قراءة أو دراسة لها، لرأينا أنها تدل على أمرين مهمين:
الأول: إنها تكشف عن مدى زهد سماحته، وعدم سعيه نحو المناصب، أو افتتانه بالمظاهر.

وهذه حقيقته أكدتها سيرته العملية، فكلنا نعلم ما يمتاز به سماحته رحمه الله من بساطة في المعيشة، وعفوية في التعامل، وعدم الترفع على الآخرين، والانفتاح الكامل على كل الشرائح الاجتماعية، والمشاركة للجميع في الأفراح والأتراح، والزيارات العامة دون أي تصنيف طبقي.

وظني أن هذه الصفات مما يجمع عليها الجميع، لبروزها في شخصيته بكل جلاء ووضوح، والكلمات التي ألقيت في مجلس عزائه، والمقالات التي كتبت عنه رحمه الله تكاد تكون منحصرة في الحديث عن هذا الجانب من شخصيته (كما أشرنا) وفي بعضها ذكر شواهد عملية يذكرها أصحاب تلك الكلمات والمقالات ويؤكدون حدوثها لهم معه رحمه الله، فيشيدون بمساعدته لهم، ويثنون على سعيه في حل بعض مشاكلهم، ويشكرون بعض مواقفه منهم، وما أسداه من جميل ومعروف إليهم، فكأنهم في هذا الموضوع شاهد عيان.

الثاني: هذه الجملة تكشف عن رؤيته عليه الرحمة لمنصب القضاء، وأنه ليس تشريفا، بل هو تكليف، كما أنه من المناصب الحساسة والخطيرة جدا، التي يجب على من يشغلها أن يكون على حذر، لأنه منصب وإن رفعه في الدنيا، فقد يؤدي به إلى النار يوم القيامة، إن لم ينتبه لنفسه، فلا يجعل هذا المنصب الكبير الخطير (غاية)، بل يتخذه (وسيلة) لتجسيد عدالة الله في أرضه.

وعلى أية حال فقد كانت مسؤوليته حين شغل منصب المساعد للقاضي اللويم وبالتنسيق معه -كما في جوابه للأستاذ سلمان- تتعلق “بكافة الأمور التي لها علاقة بالعقود والوراثة، ومشاكل النساء” وبقي في منصبه هذا إلى سنة (1430هـ) ليتفرغ بعدها لأمور ومشاغله، وحياته العامة.

ولا شك أن هذه الخبرة الطويلة في مجال القضاء كوّنت لدى سماحته رحمه الله رؤيته الخاصة عن القاضي، وعما يجب أن يمتاز به من سمات وصفات، أوجزها رحمه الله في ثلاث: (الحلم، والفطنة، والعلم).

ولا أظن سماحته (وهو الخبير في هذا المجال) ركّز على هذه الصفات من فراغ، بل لأنها فعلا أهم المؤهلات الذاتية التي يجب توافرها ليس في القضاة فقط، بل في كل من يحاول أن يمارس العمل الاجتماعي، أو يريد أن يكون مصلحاً بين الناس.

فالقاضي يحتاج إلى (الحلم) لأنه يقابل الشرائح الاجتماعية بمختلف أنواعها، وبما بينها من فوارق في عاداتها وطباعها، واختلاف في طريقة تعاملها، وبما يوجد بينها من تباين في الوعي والفكر والفهم، بمن فيهم من هو عصبي المزاج، حاد الطباع، سريع الانفعال، قليل الاحترام، سليط اللسان. ولن يستطيع القاضي أن يتعامل مع كل هذه النوعيات من الناس، ويستمع إليها بهدوء وأريحية، ويحكم بينها وبين خصومها بعدل وإنصاف، دون أن يستفزه غضب، أو تأخذه أنفة أو حمية، ما لم يكن متصفا بالحلم، وسعة الصدر، والقدرة على ملك جماح النفس عند الغضب، فمن لم يكن حليما فمن الصعب جدا أن يكون قاضيا عادلا، أو مصلحا حكيما!.

أما (الفطنة) فهي التي يحبها الله في عباده المؤمنين، والتي متى افتقدها القاضي، لم يفده حلمه وعلمه شيئا، خصوصا وأنه قبل أن يصدر الحكم (كقاضي) سيحاول الحل والعلاج (كمصلح) ولذا فهو يحتاج إلى الوعي والفطنة في أمور كثيرة، منها:
1- تشخيص نوع المشكلة وحجمها.
2- التفريق بينها وبين أعراضها وأسبابها.
3- عدم الوقوع في (فخ) من يحاول اللجوء إلى المكر والمراوغة والخداع ليكسب القضية.
4- قراءة نفسيات المتخاصمين، ومعرفة كيفية التعامل معهم.
5- القدرة على ابتكار الحلول التوفيقة أثناء محاولة الاصلاح قبل الحكم والقضاء.

فكل ما سبق (وهو على سبيل المثال) داخل في أمور الحكم والقضاء والإصلاح، وهو يحتاج إلى قدر كبير جدا من الوعي والفطنة، كما أدرك الشيخ حسن ذلك من خلال عمله وخبرته، مما جعله يعتبر الفطنة من أهم الصفات التي يجب توافرها في القضاة والمصلحين.

أما (العلم) فليس فقط من الصفات التي يستحسن توافرها في القاضي، بل هو شرط أساس لا يمكن لمن يفتقده أن يتولى مقاليد الحكم والقضاء، بل من شرائط القضاء في مذهب أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام أن يكون القاضي (مجتهداً) وليس (عالماً) فقط، وعليه فإن منصب القضاء -في الأصل والحقيقة- مختصّ بالفقيه المجتهد، أما غيره فيتصدّى له نيابة عنه، وبوكالة منه، إذ أن القضاء يدخل في الأمور الحسبية، التي يقوم بها الوكيل أصالة إن كان مجتهداً، ووكالة إن كان غير مجتهد.

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الشيخ حسن رحمه الله لم ينطلق في جواب سؤال الأستاذ سلمان الحجي عن أبرز الصفات التي يجب توافرها في القاضي من منطلق فقهي، ليذكر له الشروط المذكورة في الفقه الإسلامي، وهي: (البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة، وطهارة المولد، والعلم، والذكورة، والحرية، والاجتهاد، الذي قد يكون داخلا في العلم) وإنما أعرض عن ذلك لعلمه بأنه لن يتقلد القضاء إلا من كانت متوفرة فيه، وفقط ركز على أهمها، أو ما هو من أهمها، وهو (العلم) من باب التذكير، كون أن القضاء الصحيح لن يتم إلا به، وأما مع الجهل بالأحكام الإسلامية المتعلقة بالقضاء، فيستحيل أن يتم البت في القضايا، والفصل في الخصومات وفق الشرع المقدس.

وذكر سمتين مهمتين تساعدان القاضي إلى حد كبير في حكمه وقضائه متى اتصف بهما، هما: (الحلم والفطنة) بل افتقادهما قد لا يُمكِّن القاضي من (العدل) في القضاء، سواء كان ذلك بتأثير الغضب والانفعال، أو بسبب انطلاء حيل ومكر أحد المتخاصمين عليه نتيجة عدم وعيه وفطنته.

والواقع أن تركيزه على هذه السمات الثلاث: (الحلم، والفطنة، والعلم) لهو من دلائل نظرته الثاقبة، وبراهين وعيه وفطنته في رؤيته، تغمده الله بواسع رحمته.

ثالثا: الأوقاف الشرعية.

موضوع الوقف من المواضيع الواسعة والمتشعبة والحيوية التي أولاها الإسلام عناية خاصة، وله أحكامه ومسائله الفقهية الكثيرة المذكورة في كتب الفقه والرسائل العملية.

والحق إن موضوع الوقف من المواضيع الجديرة بالدراسة والاهتمام، كونه يمس حياة الناس الدينية والمادية والاجتماعية على حد سواء، فهو من المشاريع الاستثمارية الضخمة، التي من شأنها أن تحل الكثير من المشاكل التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك على أكثر من صعيد وصعيد، لو أنها تمت بطريقة صحيحة، ووفق رؤية واعية.

ولعل أهم وأكبر مشكلة نعاني منها في موضوع الأوقاف هي (عدم الوعي والفطنة) مما فوت علينا الاستفادة الحقيقية منها في حل الكثير من القضايا التي يعاني منها المجتمع.

وربما سماحة الشيخ حسن بو خمسين أكثر من غيره دراية وإدراكا لهذه المشكلة، وما يمكن أن ينتج منها، ويترتب عليها من مشاكل متراكمة، وذلك بحكم اشتغاله بالقضاء لمدة طويلة جدا من الزمن، وما عايشه خلال تلك السنوات من مشاكل متعلقة بالأوقاف.

ولذا فحين طلب منه الأستاذ سلمان الحجي تعليقا على سوء توظيف الأوقاف بالمنطقة، أكد سماحته أن (الوقف على طبق ما أوقف عليه، ومعظمها كان موقوفاً على إحياء مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، والعلاج الحضاري لذلك يتطلب البحث عن مخارج شرعية بالمراجعة مع الحاكم الشرعي)
وهذا التعليق وإن كان مختصرا، إلا أنه يتضمن أمورا ثلاثة هي في غاية الأهمية:

الأول: بيان الحكم الشرعي المتعلق بالأوقاف، وهو أن الوقف على طبق ما أوقف عليه، فلا يجوز مخالفة ذلك شرعا.

الثاني: الإشارة إلى وجود مشكلة يعاني منها المجتمع الأحسائي في موضوع الأوقاف، وهي أن معظمها على إحياء مصيبة الإمام الحسين عليه السلام.

الثالث: انطلاقا من قناعة سماحته بأن كل مشكلة لابد أن نبحث لها عن حل، وأن يكون الحل صحيحا، أو حضاريا (حسب تعبير سماحته) فهو لم يكتف بالدعوة إلى توعية المجتمع فيما يتعلق بالموضوع، بل تجاوز ذلك ليطالب بما هو أكبر، وهو البحث عن حل لما هو موجود من أوقاف على إحياء مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، بلغت من الكثرة ليس فقط إلى حد أنها تحقق الاكتفاء الذاتي، بل إلى حد أن أصبحت زائدة عن حاجة المجتمع، وربما تشكل عبئا عليه.

لكنه لا يريد حلا كيفما اتفق، وبأية طريقة كانت، بل يريد حلا (حضاريا) متماشيا مع مصلحة المجتمع، وموافقا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، لذلك أكد على ضرورة أن يكون هذا الحل من خلال (البحث عن مخارج شرعية بالمراجعة مع الحاكم الشرعي).

والحق إن هذا الطرح كما يدل على ما يتمتع به سماحته من عمق في الرؤية والتشخيص والبحث عن الحل، كذلك يدل على ما يتحلى به سماحته من جرأة وشجاعة في طرح رؤاه وأفكاره حتى في المواضيع الحساسة التي قد تسبب له مشكلة، أو تولد نقمة اجتماعية عليه.

فالحديث عن الأوقاف المتعلقة بمصيبة الإمام الحسين عليه السلام، والتأكيد على كثرتها، والمطالبة بتقنينها، والبحث عن حل لها، يمس عاطفة الكثيرين من الناس، الذين قد يندفع بعضهم (بسبب عاطفته، أو عدم وعيه) إلى تصور أن الشيخ حسن يحارب إحياء المصيبة الحسينية، ويدعو إلى العمل على الخلاص مما هو موقوف عليها، خصوصا في حال نظرنا إلى قدم الحوار النسبي الذي أجراه الأستاذ سلمان الحجي مع سماحته، حيث لم يصل المجتمع إلى ما وصل إليه اليوم من وعي وفطنة وانفتاح، وتقبل لمختلف الآراء والأفكار.

وقطعا لسنا بصدد محاربة الشعائر الحسينية، ولا ضد إحياء مصيبة الإمام أبي عبد الله، وليس لنا أي موقف سلبي من الأوقاف المساعدة على إحياء مصيبته عله السلام، بل نحن ضد كل من يتخذ مثل هذه المواقف السخيفة، أو يطالب بمثل هذه المطالب الفاسدة الباطلة، ولكن متى تجردنا عن العاطفة، ولم نزايد على الولاء لسيد الشهداء عليه السلام، وتناولنا موضوع الأوقاف بواقعية وحيادية، فحقيقة لا نملك إلا التسليم بصحة ما أشار إليه الشيخ حسن من مشكلة كثرة الأوقاف على إحياء مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، خصوصا وأن أكثرها (إن لم يكن كلها) موقوف بطريقة خاطئة، وتترتب عليه مشاكل معقدة، فبعض الآباء (مثلا) يختار موقعا في وسط مزرعته ليوقفه على مصيبة أبي عبد الله، فتنعدم بذلك المنفعة من المزرعة في حال البيع وما شابه ذلك، أضف إلى ذلك أن هذه الأوقاف على مصيبة الإمام الحسين -عادة أو في الأعم الأغلب- لا تكون عامة ليمكن الاستفادة منها في أكثر من جانب وجانب من جوانب القضية الحسينية، كطبع الكتب المتعلقة به وبثورته وأهل بيته عليه السلام، أو دعم الخطباء، ومساعدتهم على الدراسة العلمية، أو تأسيس مكتبات تعينهم على البحث والمرجعة والتحضير، بل أكثرها موقوف على (الإطعام) وعلى (حسينية معينة) لا يجيز الواقف نقل إطعامه إلى غيرها، ولذلك نرى الآن الكثير من المدن والقرى في أيام عاشوراء تعاني من مشكلة الطعام والإطعام، فثلاث أو أربع حسينيات كلها تقرأ في أوقات متقاربة، وكل حسينية فيها إطعام باسم الإمام الحسين، في حين أن إطعاما واحدا في حسينية واحدة قد يكون كافيا، خصوصا في القرى الصغيرة، ذات العدد السكاني القليل!.

لذلك فعلا الكثير من الأوقاف (سواء ما يتعلق بمصيبة الإمام الحسين أو غيرها) تحتاج إلى مراجعة، وإلى البحث عن حلول واقعية وعملية، وأظن أن هذا أمر ممكن جدا دون أية مخالفة للأحكام الشرعية، لما يذكره الفقهاء في مؤلفاتهم الفقهية، ورسائلهم العملية من موارد عدة، يجوز فيها بيع الوقف، أو نقله، أو التوسع في دائرة الانتفاع به في غير ما هو موقف عليه، بل في بعض الموارد تنتقض الوقفية تماما، ويعود الوقف ملكا لواقفه.

ولو يتم الأخذ بمقترح سماحة الشيخ حسن رحمه الله، وتتشكل لجان من ذوي الخبرة والاختصاص لحصر الأوقاف، ودراستها، وتقييمها، وكتابة تقارير مفصلة عنها، ورفعها إلى المرجعيات العليا، لدراستها ومناقشتها، والبحث عن مخارج شرعية لها، فربما نحل مشكلة كبيرة تعاني منها الكثير من المجتمعات، أو نحجمها على أقل تقدير.

كما من المهم جدا أن يتم العمل على توعية المجتمع فيما يتعلق بموضوع الأوقاف، فهناك مجالات أخرى كثيرة، ومشاريع اجتماعية وثقافية وتنموية جبارة تحتاج إلى دعم مالي كبير، من الممكن أن تحققه الأوقاف متى أحسنا استغلالها، والاستفادة منها بشكل صحيح، فمهرجانات الزواجات الجماعية في الأحساء تعتبر الآن من أضخم وأنجح المشاريع، وهو مشروع جبار يحتاج إلى دعم مادي كبير لمواصلة مسيرته ونجاحه.

ولدينا الكثير من الكتاب والباحثين والمؤلفين إلى الآن مؤلفاتهم حبيسة الأدراج، ولم تشق طريقها إلى المطابع لترى النور، بسبب ضعف الحالة المادية، وعدم قدرة هذا المؤلف أو ذاك على الطباعة، ولدينا طلبة علوم دينية وأكاديمية وضعهم المادي قد لا يساعدهم على مواصلة دراستهم، والوصول فيها إلى مراحل متقدمة، ولدينا شباب يمتازون بعقليات عبقرية، وذكاء حاد، وحماس كبير، ولديهم طاقات ومواهب عظيمة في أكثر من مجال ومجال، لكنها قد تموت بسبب عدم الدعم المادي، ولدينا الكثير من الجمعيات الخيرية تحتاج إلى دعم ومساندة في رعايتها للفقراء والمحتاجين، إلى غير ذلك مما يمكننا أن نوظف الأوقاف فيه، لنحقق أكبر قدر ممكن الاستفادة منه.

من هنا نرى أنه من المهم جدا الالتفات إلى دعوة الشيخ حسن في التخطيط والتنظير أولا، ومن ثم العمل الجاد ثانيا، في حل مشكلة الكثير من الأوقاف، و البحث لها (عن مخارج شرعية بالمراجعة مع الحاكم الشرعي)

الخاتمة:

إن فقيد الأحساء الكبير: سماحة الشيخ حسن ابن الشيخ باقر بو خمسين رحمه الله تعالى، لم يكن فقط من الشخصيات الأحسائية البارزة على الصعيد الاجتماعي، نتيجة انفتاحه على المجتمع بكل شرائحه، ومختلف طبقاته، وكذا مساعداته المادية الجليلة للفقراء والمحتاجين، إضافة إلى توظيف علاقاته الواسعة والمتشعبة في خدمة المجتمع على أكثر من صعيد وصعيد، بل هو (إضافة إلى ذلك كله) صاحب فكر نير، ورأي سديد، وله وجهات نظر صائبة في الكثير من القضايا والمواضيع، وبعض آرائه وأفكاره فعلا عميقة ومفيدة، وجديرة بالتأمل فيها، والدراسة لها، والاستفادة منها، بغض النظر عما يمكن الاتفاق أو الاختلاف فيه مع سماحته، رحمه الله رحمة الأبرار، وحشره مع النبي محمد وآله الأطهار.

 

اترك رداً