أقلام

الإمام الحسين: حياة دائمة وملك عالمي

علي محمد عساكر.

السلام على الحسين، وعلى جده وأبيه، وأمه وأخيه، والتسعة المعصومين من ذريته وبنيه، وأهل بيته وأصحابه والمستشهدين بين يديه.

مخطئ جدا من يحاول أن يضع للإمام الحسين تاريخ وفاة أو استشهاد، أو يعمد إلى حساب عمره بالسنين والشهور والأيام، ويغفل عن أنه عليه السلام ما ولد ليموت، فهو ما مات منذ أن ولد، ولن يموت أبدا، فنصيبه من هذه الحياة هو الخلود الأبدي!

ولا أعني بكلامي هذا (الحياة المجازية) التي لا تتجاوز حسن الذكر، وجميل الثناء، بل أعني (الحياة الحقيقية الواقعية) بكل ما لهذا الكلام من معنى، متى استثنينا من ذلك أن يكون الإمام الحسين موجودا في دنيانا ببدنه، ولم نعتبر الحياة مجرد جسم يدب على الأرض، وإلا فسيد الشهداء -وإن غاب عن دنيا الوجود بشخصه- فهو حي وموجود بروحه وقيمه ومآثره، وما زال هو الفاعل الأكبر، والمؤثر الأعظم في محبيه ومبغضيه على حد سواء!

فهو عليه السلام يعيش في قلوب أباة الضيم، وأحرار العالم، يتخذونه أسوة وقدوة في كل حسن وجميل، ويستلهمون من ثورته المظفرة دروس الحرية والعزة والكرامة، ويستمدون منه عليه السلام القوة والعزيمة والشجاعة في جهادهم المقدس في مقارعة الظلم، ومحاربة الطغاة والمجرمين، بعد أن تعلموا منه التضحية والفداء في سبيل الحق والعدالة وسائر القيم الإنسانية الفاضلة.

وهذا ما يرعب كل طاغية، ويخيف كل ظالم، ويجعله يندفع بكل قوة لمحاربة الإمام الحسين حتى وهو في قبره، ويعمل على محو اسمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن أنّى له ذلك والحسين عصي على القتل، وأقوى من الموت وأكبر، بل هو الحياة ذاتها!

فلو تأملنا فيما يقوم به الطغاة والمجرمون من حرب لا هوادة فيها ضد أبي الضيم وسيد الأحرار، منها محاولاتهم المتكررة لهدم قبره، وطمس معالمه، ومنع زيارته، لعلمنا أنه ليس سبب ذلك فقط هو الحقد الدفين، والعداء البغيض لسيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، فالحقد وحده -عادة- لا يدفع العدو الحاقد إلى تتبع عدوه حتى وهو في قبره، ولئن دفع عدوا فلن يدفع بقية الأعداء، كما هو الحال في أعداء الإمام أبي عبد الله عليه السلام، حيث تكررت محاولتهم في هدم ذلك القبر الشريف، والمنع من زيارته مرات كثيرة عبر التاريخ!.

فما الذي يدفعهم إلى ذلك إن لم يكن ضعفهم وجبنهم وخوفهم من الإمام الحسين، لعلمهم أنه صلوات الله وسلامه عليه الأٌقوى منهم في كل شيء، وأنه يملك من القدرة ما يمكنه من الإطاحة بهم، والقضاء عليهم، حتى وهو يرقد في ملحودته جثة بلا رأس!.

ولعمري إن إنسانا يكون له كل هذا الأثر الفاعل في هذه الحياة، وبهذا المستوى الكبير في نفوس محبيه ومبغضيه معا، لا شك أنه هو الحي وإن مضى شهيدا على أرض كربلاء القداسة والجلال، وغيره هو الميت وإن دبت فيه الحياة!.

وكما امتاز الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام بحياة أبدية خالدة، كذلك حظي بملك عالمي، بسط من خلاله سلطته على البشرية جمعاء، كونه صلوات الله وسلامه عليه أكبر وأعظم من أن يكون فقط إمام قوم، أو قائد جماعة، وكيف يكون فقط كذلك وهو للبشرية جمعاء نور إلهي، ومصباح هداية، وسفينة نجاة، كما يقول جده الرسول: (مكتوب على ساق العرش الحسين مصباح الهدى، وسفينة النجاة).

ومن طبيعة المصباح أن يضيء للجميع، ومن صفات النور أن يشرق على كل الموجودات، وهكذا كان الحسين في ضيائه ونوره وإشراقه على الجميع بدون استثناء!.

لقد كان الإمام الحسين وما زال وسيبقى مالئ الدنيا، وشاغل الناس، بعد أن جذب قلوبهم إليه كالمغناطيس، وجعل البشرية كلها على هواه تغني!
وإننا لا نعرف إنسانا شغل الفكر الإنساني كالإمام الحسين عليه السلام، فمنذ استشهاده سنة (61هـ) وإلى يوم الناس هذا والاحتفاء به وبثورته ليس فقط لم يتوقف، بل هو في تصاعد وازدياد!.

ولم ينحصر هذا الاحتفاء في لون دون آخر، أو يتقوقع في شكل دون شكل، بل تنوع إلى حد أن شمل كل الألوان والأشكال، من فكر وفلسفة وأدب وفن. حتى أضحت الدنيا كلها هي الحسين!

ولو حصرنا كلامنا فقط في الجانبين (الفكري والأدبي) والمكتوب منهما فقط دون غيره، كالمجالس الحسينية، والاحتفالات والمؤتمرات والأمسيات الثقافية والأدبية، والمعارض الفنية التي تعقد باسم الإمام الحسين، وغيرها مما هو على شاكلتها، لأمكننا القول وبكل ثقة واطمئنان: إنه لم يؤلف ولم يكتب في أحد من عظماء الدنيا -نثرا وشعرا- ما ألف فيه وكتب عنه صلوات الله وسلامه عليه، فمن كتب السيرة والتاريخ، إلى المجالس والمقاتل، ثم الدراسات التحليلية، والبحوث النقدية، والمقالات الثقافية، وصولا إلى الروايات والشعر والأدب؛ سواء باللغة العربية أو غيرها، حتى استطاع الإمام الحسين أن يغني الفكر الإنساني على مختلف الأصعدة والمستويات بما لم يغنه إنسان آخر في التاريخ!

ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن ما كتب في الإمام الحسين -ما بين موجود ومفقود- يفوق العد والإحصاء، وقد ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) قرابة الألف كتاب ورسالة حول الإمام الحسين بحسب إفادة السيد عادل العلوي في سرده لبعض المصادر الحسينية، تحت عنوان (المصادر والمراجع العربية في الإمام الحسين) والتي ذكر فيها (73) مصدرا، إضافة إلى (15) مصدر متعلقة بزيارة عاشوراء.

أما الأستاذ عبد الجبار الرفاعي فقد ذكر (3215) ما بين كتاب ورسالة في المجلدين السابع والثامن من كتابه (معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت عليهم السلام) وقد وقفنا على المعجم بأنفسنا لكننا لم نقم بالعد والاحصاء، وما ذكرناه إنما هو بحسب إحصاء السيد عادل العلوي في مقالته (كتب في الإمام الحسين عليه السلام).

كما الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي (938) مصنفا تحت عنوان (معجم المصنفات الحسينية) وذلك في أربعة مجلدات من (دائرة المعارف الحسينية) ولم يتجاوز العد والإحصاء حرف (الألف) فما بالك إذا أتم الجمع إلى آخر حرف من حروف الهجاء، فأي رقم من الممكن أن نصل إليه حينها؟!

أما المقالات الحسينية فقد جمع منها الشيخ الكرباسي (5466) مقالة في سبعة أجزاء، وكلنا نعلم أن هذا العدد ما هو إلا غيض من فيض، أو قطرة من بحر المقالات الحسينية.

وهذا عدا الكلمات العفوية أو المختصرة التي قالها هذا الزعيم، أو جرت على لسان ذاك السياسي، أو نطق بها هذا المفكر…في هذه المناسبة أو تلك، وقد خصص الكرباسي الجزء (85) الذي هو بعنوان (قالوا في الحسين) لجمع بعض تلك المقالات التي قيلت في حقه عليه السلام في هذه المناسبة أو تلك، كما أنه استل بعض المقالات من مؤلفات مؤلفيها حول الإمام الحسين، وهو الجزء الأول في هذا الموضوع وتتلوه أجزاء أخر.

كما قام المؤرخ الأستاذ سعيد رشيد زميزم -كما في الإعلان عن الكتاب والتعريف به- بجمع أكثر من (160) كلمة من كلمات الزعماء والقادة والسياسيين والمفكرين من عرب وأجانب في كتاب أسماه (الحسين شاغل الدنيا) مؤكدا (أنه اعتمد في مؤلفه على العشرات من المصادر الموثوقة والمعتمدة لدى المكتبة الإسلامية وتم تدوينها في المؤلف، مبيناً أن عدد صفحات الكتاب بلغت (176) صفحة ذات حجم اعتيادي، تم إصداره من قبل مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت).

وأما ما قيل في الإمام الحسين عليه السلام من الشعر والأدب فمنذ أن استشهد الإمام عليه السلام في كربلاء وإلى يوم الناس هذا والشعراء ينظمون قصائدهم في رثائه، والتفجع لمصابه، والإشادة به وبثورته الخالدة، بعد أن اتخذوه رمزا وقدوة لقضاياهم الكبرى والمصيرية في الحياة، ومثالا للإنسانية وقيمها العليا، مما يعني أن ارتباطهم به عليه السلام لم يكن لشخصه، وإنما لمركزه الديني، وقيمه الإنسانية العليا، وثورته الإصلاحية المجيدة.

ولذا فقد نظم فيه وفي ثورته المباركة من الشعر -كما ونوعا- ما لم ينظم في أحد ولا في ثورة، ورغم مرور (1379) سنة على استشهاده، إلا أنه -وكما يقول العلامة الشيخ محمد جواد مغنية-: (من يومه إلى يومنا هذا والأجيال -من قوميات شتى- ينظمون فيه الأشعار بالفصحى وغير الفصحى، وقد تغيرت الحياة، ومرّت بالعديد من الأطوار، وقضت على الكثير من العادات، إلا الاحتفال بذكر الحسين، والهتاف باسم الحسين نثرا وشعرا، فإنه ينمو من عصر إلى عصر، تماما كما تنمو الحياة، وسيستمر هذا النمو -والسين في يستمر للتأكيد لا للتقريب، قياسا للغائب على الشاهد- وما عرفت البشرية جمعاء عظيما من أبنائها قيل فيه من الشعر ما قيل في الحسين بن علي عليه السلام، ولو تصدى متتبع للمقارنة بين ما نظم فيه وما نظم في عظماء الدنيا مجتمعين لتعادلت الكفتان، أو رجحت كفة الحسين عليه السلام).

ويكفيك أن تعلم أن شاعرا واحدا هو الشيخ أحمد البلادي له فيه صلوات الله وسلامه عليه ألف قصيدة جمعها في مجلدين كبيرين كما يشير إلى ذلك العلامة الأميني في غديره العذب الزلال، وأن أكثر من واحد تصدى لجمع ما قيل فيه عليه السلام من القصائد والأشعار فتفاجأ بأن ما جمعة تحول إلى موسوعات، أو جاء في عدة مجلدات، ومن ذلك -على سبيل المثال وليس الحصر- موسوعة (أدب الطف) التي تصدى فيها السيد جواد شبر لجمع ما قيل في ثورة كربلاء ومأساة عاشوراء فقط من الشعر العربي الفصيح، فجاء في عشرة أجزاء أخرجها في خمسة مجلدات، كل مجلد تعد صفحاته بالمئات.

ومع ذلك فهو يؤكد أن ما جمعه ما هو إلا قطرة من بحر، ويوضح أنه لم يهدف في موسوعته إلى جمع جميع ذلك الشعر، لعلمه بعجزه عن ذلك، وعدم قدرته عليه لو أراد، فيقول: (ولا أريد أن أجمع كل ما جاء من شعر الشعراء في الإمام الحسين، ويوم الحسين، ولا أقدر أن أقوم بذلك).

ثم يقول في موطن آخر من مقدمة موسوعته، وكأنه يبيّن سبب ذلك العجز وعدم وجود تلك القدرة: (نعم، إن الشعر الذي قيل في يوم الحسين عليه السلام يحتاج إلى مئات المجلدات إذا أردنا استقصاءه وجمعه).

كل هذا مع ملاحظة أن كلامه فقط عن الشعر العربي الفصيح، وهو ما جمع بعضه في موسوعته، فما بالك إذا أضفنا إلى ذلك الشعر باللغة الدارجة، أو اللهجة العامية، وما قيل فيه صلوات الله وسلامه عليه بمختلف لغات ولهجات العالم؟!

ولا يخفى على أحد أن كل هذه الكتب والمؤلفات والدراسات والتحقيقات والمقالات والكلمات والقصائد. ليست مما انفرد بتأليفه الشيعة الإمامية خاصة، ولا هي فقط من إنتاج المسلمين عامة، بل الكثير منها هو لغير المسلمين سواء من شرقيين أو مستشرقين، ومن كل ملة ونحلة ودين، كاليهود والمسيحيين والتبت والبوذيين والهندوس. ومن مختلف دول العالم كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والمكسيك والنرويج وبلجيكا وإسبانيا وروسيا والصين واليابان والهند ومصر وسوريا ولبنان والعراق والسعودية…ولن نغالي إذا قلنا: من كل ملة ودين من كل بلدان العالم على الإطلاق، ففي كل بلدان العالم للإمام الحسين منبر وموطئ قدم، وكل لسان بكل لغة لهج باسمه، ورتل آيات حمده وشكره صلوات الله وسلامه عليه.

يقول الحاج فلاح حسن العلي في مقالته (الإمام الحسين عليه السلام في الكتابات والدراسات الغربية) المنشورة في مجلة (ينابيع) بتاريخ 14 سبتمبر 2018م متحدثا عن نتاج المستشرقين وغيرهم حول الإمام الحسين: “لقد حظي الإمام الحسين عليه السلام باهتمامٍ كبيرٍ في كتابات ودراسات المستشرقين والكتاب الغربيين وغير الغربيين، بل قد حظي الإمام الحسين عليه السلام باهتمام أكثر المفكرين من جميع دول العالم، ومن مختلف الديانات، في كتابات مستقلة، أو متضمنة بشكل حيادي وآخر انتقادي، بإسهابٍ وتفصيل أو إيجاز واختصار.

المهم أن الكتابة عن الإمام الحسين عليه السلام مثلت وشكلت حيزاً ومكاناً بارزاً ومهماً في المكتبة العالمية والعربية والإسلامية”.

ثم ذكر (12) دراسة ألمانية، و (21) دراسة انجليزية، و (20) دراسة فرنسية، بعدها ختم بقوله: “وهناك دراسات غربية أخرى: (أمريكية وإيطالية وهولندية وغيرها) لم يسع المقام لذكرها، ولعلنا نوفق في مناسبة أخرى للتطرق لها”

وقطعا كل هذا النتاج الحسيني الكبير يتفاوت من حيث الأصالة والقيمة والأهمية، فكما أن بعضه على درجة كبيرة من العمق والدقة والقيمة العلمية، لا شك أن بعضه الآخر يعاني من الضعف، أو يفتقر إلى الموضوعية، والأمانة العلمية، ولذا تم تسليط الضوء على بعض هذا النتاج عرضا أو دراسة وتحليلا، سواء بقصد التعريف به، أو بهدف تقييمه، أو من أجل إفراز الغث من السمين منه.

ولكن بغض النظر عن هذا وذاك، فلا يشك مطلع منصف أن الإمام الحسين عليه السلام فعلا هو مالئ الدنيا، وشاغل الناس، وأمير القلوب، ومعشوق الجماهير، وأن البشرية ما تغنت ولن تتغنى بأحد كما تغنت به، ولا هامت بشخصية كهيامها بشخصيته العظيمة، ولا لهجت ألسنة العالم باختلاف لغاتها بأحد كما لهجت باسمه، ولا كتبت الأقلام عن أحد كما كتبت عنه، ولا عقدت محافل لأحد كما عقد له، حتى أصبح ذلك كله من أهم عوامل إثراء الفكر الإنساني عموما، والإسلامي على وجه الخصوص.

وإن لم يكن هذا كله -وما هو إلا غيض من فيض- هو الحياة الأبدية، والملك العالمي، فقل لي بربك: ماذا كون؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى