الإنجاز بين الفرد والمجتمع (الجزء الخامس)

img

د/ عبدالجليل الخليفه

من المسؤول عن الإنجاز و صناعة الحضارة، هل هو الفرد او المجتمع؟   استعرضنا في الأجزاء السابقة النظرية الأولى و هي الرأسمالية و التي تنص على أصالة الفرد و النظرية الثانية و هي الماركسية و التي تنص على أصالة المجتمع.

و سنتحدث هنا عن النظرية الثالثة و التي تقول بأصالة الفرد و المجتمع معاً.  و سنخصص هذا الجزء عن تصور هذه النظرية الثالثة  لتفاعل الفرد و المجتمع.

الفرد و المجتمع:

المجتمع ليس تجميعا ميكانيكيا للأفراد فمصلحة الفرد تؤدي بالضرورة الى مصلحة المجتمع، كما تقول الرأسمالية.  و ليس المجتمع مركبا كيميائيا ذابت أفراده كليا في المركب الجديد فما يهم هو مصلحة المجتمع كما تشير اليه الماركسية. إذن فماهي علاقة الفرد بالمجتمع؟   المجتمع مركب حي يتكون من أعضاء حية تتفاعل مع نفسها و مع بعضها البعض.  فكل عضو يحافظ على إستقلاليته النسبية و لكنه في نفس الوقت يؤدي دوره كجزء من مركب حي كبير أسمه المجتمع.  و هذا المركب الكبير أي المجتمع يتحرك و يتطور نتيجة حركة وتطور أفراده و لكن ليس بصورة ميكانيكية. فكل فرد يتحرك و يتطور ذاتيا بنسب مختلفة تعتمد على طاقاته و استعداداته،  و المحصلة النهائية لتفاعل و تطور الأفراد هو تطور المجتمع. و حين يتطور المجتمع ينعكس ذلك على جميع الأفراد بصور مختلفة تعتمد أيضا على طاقاتهم و استعداداتهم الفردية. فللمجتمع حياة و قيم و ثقافة تنسب اليه كمركب حي كبير، كما أن لكل فرد حياة و قيم و ثقافة تنسب له كفرد.

و جدير بنا أن نلاحظ أن لكل فرد مساحة واسعة و حرية في نطاقه الشخصي  للتغير و التطور ذاتيا بغض النظر عن بقية أفراد المجتمع،  و قد ينجح في التأثير على بعض أفراد المجتمع و يدفعهم للتطور تدريجيا في نفس الإتجاه، حتى يكون هذا التطور هو السمة الغالبة على أفراد المجتمع فيصبح هذا التطور إجتماعيا.

و ليس من الضرورة أن يكون هذا التطور نتيجة تطور قوى ووسائل الإنتاج كما ترى الماركسية.  ثم ينعكس هذا التغير الإجتماعي على بقية أفراد المجتمع الذين لم يتطوروا بعد،  حتى يصبحوا جزءا من التغير الجديد.  نعم، تتفاوت درجة التأثير و التغير حسب خلفية الفرد و تفاعله مع بقية المجتمع .

و يعزز التاريخ هذه النظرية في التغيير، و هي بإختصار (إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

فهذا رسول الله محمد بن عبدالله بدأ دعوته الى الإسلام و كان ثباته و عزيمته و حكمته عونا له في نشر دعوته.   و قد ورد في الدعاء بيانا لصفاته: ( صل اللهم على الدليل إليك  في الليل الأليل، و الماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول، و الناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، و الثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول، و على آله الأخيار المصطفين الأبرار).  فمسيرة التغيير التي عاشها و قادها النبي خير مثال لقدرة الفرد على الإنجاز و الإنتاجية، فقد نقل مجتمعه من ظلمات الجاهلية و وأد البنات و عبادة الأصنام الى نور الهداية و عبادة الله الرحمن الرحيم.  و حين أنتشر الدين الجديد و أسس مجتمعه في المدينة المنورة، جاء فتح مكة ليدخل في الدين الجديد من بقي فيها من غير المسلمين. و هكذا قاد النبي هذا التغيير الذي كسر حاجز المكان و الزمان، و ستبقى البشرية تستضيء بأخلاقه و سيرته و شريعته الى يوم القيامة.

المجتمع كجسم  الإنسان:

بنية المجتمع: ذكر تفسير الميزان الجزء الرابع صفحة ٩٥-٩٦ أن أعضاء الإنسان المتفرقة كالسمع و البصر و الأيدي و غيرهم  تؤدي أدوارا مهمة و لكنها حين تتحد في جسم الإنسان الواحد تتولد منها الكثير من الفوائد التي لايمكن حدوثها بدون هذه الوحدة الجسمية.  و منها خاصية الإنجاب و التكاثر و السمو الروحي مثلا.  و هكذا يكون تجمع الأفراد في البنية المجتمعية الواحدة، فتجمع الأفراد الغاية الواحدة،  و تتحقق بها أهداف و طاقات تتعدى حدود الفرد و طاقاته المحدودة.  و لتقريب الفكرة، دعنا نتصور المجتمع كجسم كبير، تتكون أعضاؤه من عدة مجاميع من الأفراد،  فهناك مجموعة أفراد تمثل يدا و آخرى تمثل رجلا و آخرى تمثل رأسا و آخرى تمثل عقلا و آخرى تمثل قلبا و هكذا.  و يتفاعل أفراد كل مجموعة بداخلها و مع بقية أفراد المجموعات الآخرى في  هذا(المجتمع) الجسم الكبير. و يجمع هذه المجموعات وحدة نوعية و غاية مشتركة في هذا الجسم المركب الكبير فحين يكون المجتمع سليما يتحرك أفراد هذه المجموعات التي تمثل أعضاء الجسم لخدمة الجسم الكبير أي المجتمع و تتعاون فيما بينها لتحقيق الغاية المشتركة. و هكذا تتضح علاقة الفرد المتفاعلة مع بقية أفراد المجتمع، ووجوده معهم متحدين ضمن الجسم الإجتماعي الكبير.

أنظمة المجتمع:

نعرف أن لجسم الإنسان  دورة دموية و دورة هضمية ودورة تنفسية يكمل بعضها بعضا و هي في حالة توازن كامل إن كان الجسم سليما. كذلك فللمجتمع أيضا أنظمة تتكامل و تتوازن فيما بينها مثل:  النظام التعليمي و الإقتصادي و الثقافي وكل الأنظمة التي تعمل في حياة المجتمع. و كل نظام كما هي الدورات البيولوجية في جسم الانسان لها مدخلات و مخرجات و تجري فيها عمليات و لها نظام تحكم يضمن كفاءة المنتج. فكما في التنفس يدخل الأكسجين و يخرج ثاني أكسيد الكربون، و يتم ذلك في الجسم من خلال الدورتين التنفسية و الدموية، فكذلك تتكامل الأنظمة الأجتماعية و التعليمية و الأقتصادية. خذ مثلا نظام التعليم  فمدخلاته هم الطلبة و الأساتذة و المناهج، و المخرجات هم خريجو و خريجات المدارس و الجامعات، و العمليات هي التدريس و التدريب، و نظام التحكم هو مراقبة الأداء و تصحيح المناهج. فحين يكون هذا النظام التعليمي قويا تتخرج الكفاءات لتلتحق بالقوى العاملة في المؤسسات و الشركات و يثمر النشاط الإقتصادي. و لكن حين يكون النظام التعليمي ضعيفا يكون مستوى الخريجين او الخريجات ضعيفا، فحين تلتحق كقوى عاملة بالمؤسسات و الشركات ينتقل هذا الضعف ليؤثر سلبا على النشاط الإقتصادي.

صفات المجتمع:

تبين فيما مضى أن المجتمع يشبه مركبا كبيرا متفاعلا من مجاميع إنسانية يحمل صفات الحياة و التطور و الإنتاجية، فله ثقافة وقيم و يشار إليه بإستقلالية عن الفرد الذي يعيش فيه. فقد يكون المجتمع منتجا بينما يكون هذا الفرد او ذاك غير منتج و العكس صحيح. و ذلك لأن الصفة و الروح الجمعية في هذا المركب الإجتماعي الكبير تعكس الصورة الغالبة عليه. و هذه الصورة الغالبة على المجتمع الكبير او الروح الجمعية قد تكون نتيجة: أكثرية المجتمع تتسم بهذه الصفة الغالبة، الأقلية تتسم بهذه الصفة ولكنها تؤثر و تتحكم في مسيرة المجتمع، وجود شخصيات معدودة و لكنها مؤثرة و محورية تمثل الواجهة لهذا المجتمع.

علاقة المجتمع بالمجتمعات الآخرى:

قد يكون المجتمع متكاملا و متزنا فيعمل جميع أفراده و أنظمته في حالة تناغم و تكامل فيما بينها و كأنها جسم الإنسان حين تعمل عيناه و أذناه و يداه و رجلاه و بقية أعضائه كوحدة واحدة لخدمة الجسم الواحد.  و لكن هذا لايعني أنه سيتعامل كمجتمع مع المجتمعات الآخرى بنفس الدرجة من الإتزان و التكامل.  تماما، كما قد تعتدي يد إنسان  فتقتل او تسرق إنسانا آخر. و خير مثال على ذلك هو بعض المجتمعات الغربية التي تتسم بأعلى درجات التكامل في داخلها و مع أفرادها فتهتم بمصالحهم و تسهر على راحتهم و لكنها في نفس الوقت قد تعتدي على مجتمعات آخرى في الدول الفقيرة دون أي وازع من رحمة.  فحين ينظر الإنسان الى هذه المجتمعات يجب عليه أن ينظر الى تعاملها ليس فقط مع أفرادها بل أيضا مع المجتمعات الآخرى.  و هذه إحدى سلبيات الرأسمالية في سعيها الحثيث للسيطرة على بلدان العالم الفقيرة لتحصل منها على المواد الخام الرخيصة و لتغرق أسواقها بمنتجاتها الصناعية و الزراعية.

مصلحة الفرد او مصلحة المجتمع؟

قد تتفق مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع و قد تختلفان، المهم أن يكون هناك توازن و تكامل بين المصلحتين. خذ مثلا جسم الإنسان فلو أن يد الإنسان تستفيد من أدوية معينة لتعطيها القوة و النشاط و لكن هذه الأدوية قد تكون قاتلة للإنسان فتسبب جلطة قلبية او دماغية فهل سينصح الطبيب بها؟ أو أن هذه المنشطات تنمي يدي الإنسان حجما و قوة على حساب أعضائه الآخرى فيصبح جسمه شاذا، فهل من المفيد إستخدام هذه المنشطات مثلا؟  من هنا يتبين أن النظرة الرأسمالية الى مصلحة الفرد كمعيار للإنجاز و الإنتاجية بغض النظر عن مصلحة المجتمع ليس صحيحا.  فمصلحة اليدين مثلا كما سبق قد تكون قاتلة للجسم او مشوهة له.

و بالمثل، فليس كل مايبدو أنه مصلحة إجتماعية يعتبر معيارا للإنجاز و الإنتاجية. خذ مثلا، قد تكون هناك منشطات تبعث النشاط و الحيوية في جسم الإنسان من خلال تسريع الدورة الدموية، و لكنها تتسبب لاحقا في إصابة عضلة القلب بالتضخم،  أي أن مايبدو أنه مصلحة للجسم قد يكون في الواقع على حساب القلب، فهل ينصح الطبيب بمثل هذا؟. و لذلك فإن نظرة الماركسية بأن مصلحة المجتمع هي معيار الإنجاز و الإنتاجية دون مراعاة مصالح الأفراد ليست صحيحة.

يوجد توازن دقيق و حساس بين مصلحة الفرد و مصلحة المجتمع، و هذا التوازن يمثل المعيار الحقيقي للإنجاز و الإنتاجية. أما كيف نستطيع الوصول الى هذا التوازن الدقيق و الحساس فذلك ما سنناقشه مستقبلا إن شاء الله.

اترك رداً