الإنجاز بين الفرد و المجتمع (الجزء السادس)

img

د/ عبدالجليل الخليفه

من المسؤول عن الإنجاز و صناعة الحضارة، هل هو الفرد او المجتمع؟

استعرضنا في الأجزاء السابقة النظرية الأولى و هي الرأسمالية و النظرية الثانية و هي الماركسية و بدأنا في الحديث عن النظرية الثالثة حيث أستعرضنا العلاقة بين الفرد و المجتمع. و تأكد أن التوازن الدقيق و الحساس بين مصلحة الفرد و مصلحة المجتمع هو المعيار الحقيقي لتحفيز الإنجاز.  و سنتحدث هنا بالتفصيل عن النظرية الثالثة.

ركزت النظرية الرأسمالية على تحفيز الإنتاج و تعظيم الثروة و الملكية الفردية، أما الماركسية فأهتمت بتوزيع الثروة و الملكية العامة، و قد تبين عجز النظريتين عن حل المشكلة الإجتماعية و الإقتصادية.

تتميزالنظرية الثالثة بسعيها الحثيث لضمان صلاح و سعادة الفرد و المجتمع المادية و المعنوية،  فهي نظرية أصيلة إنسانية إجتماعية إقتصادية أخلاقية يجب علينا أن نبذل الجهد لدراسة آرائها و من ثم عرضها في الساحة العالمية للمناقشة و الدراسة و التطبيق ما أمكن. و أحب أن أذكر أن هذه النظرية الثالثة في الإنجاز تصلح بصفتها الإنسانية للتطبيق بغض النظر عن الدين و الجغرافيا.   نعم، قد تبدو بعض الأنظمة كالحقوق الشرعية دينية، و يبدو التشجيع على الصدقات و غيرها من الأعمال الأخلاقية بالجزاء الأخروي غيبيا، و هذا مانعتقده و نؤمن به، و لكن هذا لا يمنع الإنسان، دينيا او لادينيا، شرقيا او غربيا، أن يطبق هذه النظرية لأنها تتفوق على النظريتين السابقتين و تقدم الحلول الناجعة للمشكلة الإنسانية.   إن هدفنا هو تشجيع و تحفيز الإنجاز و الإنتاجية لتتحقق السعادة و تتطور الإنسانية في أرجاء الدنيا شرقها و غربها.

علاقة الإنتاج ثلاثية العوامل في الرأسمالية والماركسية:

تسعى كل النظريات الإجتماعية و الإقتصادية الى تشجيع و تحفيز الإنجاز و الإنتاجية في الفرد و المجتمع.و لكن ماهو المجتمع الذي نعنيه هنا؟  المجتمع هو الأفراد الآخرون الذين يعيشون او يشتركون او يعملون مع الفرد.  و حيث أن الإنتاج عملية تحتاج الى الأرض و المصادر الطبيعية من الماء و المواد الخام، لذا فإن العوامل الثلاثة المهمة في علاقة الإنتاج، كما تراها الرأسمالية و الماركسية، هي عوامل مادية: و هم الإنسان، و الإنسان الآخر الذي يعمل او يعيش معه (أي المجتمع)، و الطبيعة (أي الأرض). لذلك درست النظريتان هذه العلاقة ذات العوامل الثلاثة بصورة مادية بحتة بعيدا عن الأخلاق و القيم و الدين.

العامل الرابع في النظرية الثالثة:

تضيف النظرية الثالثة عاملا رابعا الى هذه المعادلة الثلاثية و هو الله سبحانه و تعالى.   و هذا العامل الرابع يرسم علاقة جديدة تختلف تماما عن العلاقة السابقة ذات العوامل المادية الثلاثة، فوجود الله في المعادلة الرباعية يجعل الإنسان خليفة على الأرض و مستأمنا عليها من قبل الله (المالك الحقيقي).  و يجعل العلاقة مع الإنسان الآخر علاقة تتسم بالإنسانية، كما ورد: (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، فله حق الحياة بعزة، دون إستغلال لحاجته او إمتهان لكرامته.  و يضيف هذا العامل الرابع نظاما إقتصاديا و إجتماعيا شرعه الدين عبر الرسول المرسل من قبل الله، وهو النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم.  كما و يضيف إعتقادا راسخا بحياة آخروية أبدية فيها الثواب و العقاب مما يعطي معنى متكاملا مع الحياة الدنيا.  إن وظيفة هذه العلاقة الرباعية و ما أسست له هو ضمان سعادة الفرد و المجتمع المادية و المعنوية.   فهي تضمن تحفيز الإنجاز و الإنتاجية و صناعة الحضارة و تكوين الثروة و الغنى و معالجة الفقر في الدنيا و تضمن الخلود في الجنان في الدار الآخرة، فقد جاء الحث صريحا، حيث ورد: (أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و أعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)، و قال  تعالى: (و أبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنسى نصيبك من الدنيا)، و قال تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر على شيء و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لايعلمون).  تجدر الملاحظة بأنه يمكن دراسة هذه النظرية بالتفصيل من زاوية إقتصادية في المراجع المختصة.

ركائز النظرية الثالثة:

1- تحفيز الإنتاج من خلال: التشجيع على العمل و طلب الغنى، و ضمان حرية الإنتاج و الأسواق،

2-عدالة التوزيع من خلال: ضمان حق السبق لأي إبداع او إختراع و تقدير جهد العامل، و فرض حقوق مالية على الثروات و الأرباح، و إستخدام هذه الحقوق لتأمين الضمان الإجتماعي لمحدودي الدخل من الفقراء و المحتاجين، و حث الأغنياء على الإحسان و تقديم العون للآخرين،   3-السماح بالملكية الفردية الخاصة لتشجيع الأفراد على الإنتاج و الإدخار و الإستثمار، و تلبية لفطرة الإنسان في حب التملك، و منها يتكون القطاع الخاص كالمؤسسات و الشركات،

4 –  السماح بالملكية العامة للكثير من المصادر و الممتلكات العامة و استثمارها في البنى التحتية و المشاريع الأساسية ذات الكلفة العالية و المردود الربحي القليل و التي يحجم عنها الأفراد و الشركات المملوكة للقطاع الخاص.

5- المال أي النقود ليست سلعة تباع و تشترى، فلا يجوز إقراض المال مقابل ربح مضمون (الربا).  فبدلا من تكديس الثروة نقدا في البنوك، يفضل المشاركة بها مع اليد العاملة في أعمال تجارية او غيرها على أن توزع الأرباح حسب أتفاق الأطراف المشاركة.  و حين ننظر الى الهزات الإقتصادية السابقة نجدها قد أفلست بالكثير من الشركات و الحكومات نتيجة الديون المتراكمة و الفوائد الربحية الباهضة المفروضة عليها.

سمات النظرية الثالثة:

1-التوازن بين القطاع الخاص و القطاع العام يحقق تنمية إقتصادية متوازنة تلبي جميع الحاجات المادية و المعنوية، فبينما يقوم القطاع الخاص بالإستثمار و التنافس على المشاريع ذات الفرص الربحية، يتولى القطاع العام مشاريع الخدمات و البنى التحتية من الكهرباء و الماء و الصرف الصحي و القطارات و المطارات و الجامعات و المستشفيات و غيرها،

2-الكفاءة في الإنتاج نتيجة الحرية المتاحة للإستثمار و للأسواق و قوانين العرض و الطلب لتحديد الثمن مما يشجع المنافسة على ضمان الجودة و الإنتاجية بأقل تكلفة ممكنة،

3- تحريم الغش و الإحتكار مما يضمن تنافسية عادلة و كفاءة مميزة في العملية الإنتاجية،

4-  تحريم التبذير في الإستهلاك مما يوفر المصادر الطبيعية لتلبية حاجة البشر و لضمان التنمية المستدامة،

5-تجنب الدعاية الإستهلاكية ما أمكن و تحريم الإحتكار لرفع الأسعار،

6-عدالة التوزيع تضمن سعادة الفرد و المجتمع في المجالات المادية و المعنوية،

7- حيث أن الإنسان فطر على حب ذاته، فإن هذه النظرية تلبي هذه الفطرة في الدنيا و الآخرة. ففي الدنيا تشجع الإنسان على العمل و الجد لإكتساب الثروة و الغنى و تسمح له بالملكية الفردية.  و في الآخرة  تبشر الإنسان بالسعادة و الدرجات العليا جزاء لإيتاء الحقوق المالية المفروضة عليه و لإحسانه و إعانته للفقراء و المساكين،

8- توافق هذه النظرية القيم الأخلاقية في بسط العدالة و تقدير الكفاءات و محاربة الفساد المالي و الإداري.

(الأرباح أولا) أو (الإنسان أولا):

حين ننظر الى العملية الإنتاجية في عصرنا الحاضر يتبين بجلاء ووضوح أهمية الإنسان المتعاظمة في صناعة الإنجاز. إن أي خطأ يرتكبه الإنسان في عمله قد يكلف ملايين الدولارات أحيانا.  و إن أي إكتشاف او إختراع يصنعه الإنسان قد يؤسس لمستقبل مشرق للشركات تزيد قيمته عن بلايين الدولارات. و قد تزايدت هذه القيمة للإنسان في عصر المعلومات فأضحت الفكرة و المعلومة جوهرة الإقتصاد الحديث. و لكن مع الأسف، بنيت مدارس الإدارة الغربية على النظرية الرأسمالية التي تحكم أسواق العالم المفتوحة و أسواق البورصة لأسهم الشركات المدرجة.  و حيث أن الإدارة تمثل أصحاب رؤوس الأموال المساهمين في ملكية الشركة فإن جل إهتمامها هو زيادة قيمة السهم السوقية و هذا لا يكون إلا بتعظيم الأرباح و تقليل التكاليف (الأرباح أولا). و لذلك قد تدفع أي هزة إقتصادية إدارة الشركات لتسريح مئات الآلاف من العاملين و ذلك لتقليل التكاليف.   و هذا ما يسبب قلقا متزايدا لدى الطبقة العاملة و شعورا بعدم الأمان و عائقا يثبط عملية الإنجاز الفردي و الإجتماعي.

لقد آن الأوان أن تتغير مدارس الإدارة الحديثة الى نمط (الإنسان أولا) و الذي يعطي حافزا قويا و دافعا صادقا للإنجاز و الإبداع على مستوى الأفراد و الشركات.  إن نمط (الإنسان أولا) يتأكد بناء على النظرية الثالثة التي توازن بين مصلحة الفرد و مصلحة المجتمع و التي أضافت الطابع الإنساني الأخلاقي الى العوامل المادية.  نأمل أن نتحدث عن هذا النمط الجديد في الإدارة مستقبلا إن شاء الله.

اترك رداً