ذهبٌ جلّله التراب

img

سماحة الشيخ عبدالجليل البن سعد

ذهبٌ جلّله التراب*

الكلمة اعلاه(1) هي التي سمعتها من أحدهم قبل أكثر من ثلاثين عاما وهو يُعرّف لي هذا السيد الجليل فسكت بعد هذه الكلمة القصيرة وسكت أنا أيضا ،فحقا هي كلمة تكفي المادح وتغني السائل!

ان سماحة السيد محمد علي السيد هاشم السلمان “أكرم الله نُزله” عنوانه التميز، و طريقه الفرادة، يتجلى ذلك في روحه وعقله و سيره وسمته.. فلهو قبـّـة علمية، و همة عملية، و صدارة دينية، لم تتعرف واحة الأحساء على مثلها إلا في القليل القليل من رجال العظمة الأخلاقية والفضيلة الفقهية، والرحابة الاجتماعية من أبنائها اللهاميم..

  • بماذا تحدثنا الحوزة العلمية عن السيد؟

لم تكن الحوزة قبل السيد إلا مواقع متفرقة وبيوتات تتسع لجماعات محددين تتلائم وتنسجم مع أساتذة متنوعين، و هذه ليست خاصية في الأحساء إذ توجد في كل بلدة أو منطقة يقطنها عدة من أهل الفضل النهمين، فترى منهم من  يمارس التدريس الذي هو أحد الأدوار الطبيعية لوجودهم.

وأما الحضور المفتوح و ظهور صور وأشكال من الحلقات العلمية الكثيرة تحت سقف واحد ومن دون سابق دعوة ولا توجيه رسمي كما تحقق حول هذا السيد الراحل “أوسع الله مدخله” فهذا يعني القدرة على الاستقطاب، وهي لا تحصل إلا مع القوة الحيوية الخارقة التي تسمى في عرف اليوم بالكاريزما.. فقد واظبت جماعة من أهل الفضل المشهود لهم على الحضور في الجامع الكبير، و قاموا بتأسيس حلقات الدرس على شرفه، إذعانا منهم لريادته الفطرية غير المتصنعة، ولعل أول و أقوى مساندة حظي بها هو حضور العَلَم الفذ سماحة الحجة السيد محمد الناصر ـ والد الحجة السيد عدنان الناصر ـ فقد فتح هذا الأخير درس اللمعة الدمشقية بالمسجد الجبلي، واستمر إلى جنب ابن عمه قبل أن يُقعِده المرض(2)، وعلى هذا الترم انطلقت الحركة العلمية بالأحساء والتي تحولت أصداؤها بعد مهلة وجيزة من الزمن إلى خارج المنطقة، فقصدها لفيف من طلبة القطيف والمدينة المنورة!! وكنت من شاهدي هذه الحقبة بين عامي:1407- 1409 هـ .

  • التعادل بين الثقافتين العلمية والمجتمعية:

ليس من نتيجة ترجى لحمل الناس على الأعراف والضوابط الحوزية من قبل طالب العلم نفسه إلا الفشل، وليس من نتيجة لانفتاح طالب العلم على الثقافة المجتمعية العامة بلا قيود أو حدود إلا ضياع حصيلته، و تبدد جهوده، وذبول عوده الرطب ببلل الفكر والروحانية..

وإن سماحة السيد محمد علي لا هو من الفضلاء الذين نقلوا نمط عيشهم النجفي أو القمي إلى الأحساء دون أي تغيير يذكر، ولا هو  ممن استجاب لكل رغبة عامة يعرضها عليه الناس.. ومن عجبٍ أنه قد حقق حضورا من دون ظهور!!

ففي الوقت الذي كان بعض الفضلاء يعتذر لانصرافه عن العلم والتحقيق و الذي ربما كان من فرسانه سابقا بمتطلبات المجتمع وضرورة التواصل مع الناس حسب لغتهم ومنطقهم في التواصل الشيء الذي يقتضي الحضور في مختلف النوادي والتنقل إلى القرى والبلدان، بل والقبول بالدعوات الشخصية والتشريفات العامة في كل مجال وعلى كل حال، فقد جاء هذا السيد الجليل متمردا على هذا السلك العام و مُرَشّدا لهذه السنن الاجتماعية، فألزم الناس تجاهه لكن بقدر ما التزم هو تجاههم في معادلة ذكية جدا حيث حرّم على نفسه الضيافات المعهودة على وجبة الغداء، وقد سمعت تعليل موقفه منه مباشرة؛ إذ كان يقول يجب الحفاظ على الوقت بقدر الإمكان، وإنني أستعفي عن القبول بدعوة الولائم نهارا لأنه الوقت الذي استمتع فيه بمكتبتي وقراءتي، وأنا مع أي دعوة تأتي مساءا لأنني اتكلف المطالعة ليلا بسبب ضعف البصر، كما أنه أعفى نفسه عن ترسيم الحضور في بعض القرى البعيدة، ولم يقبل بالحضور المستمر فيها محيلا الدعوة إلى غيره من السادة والمشايخ ممن يقبل ذلك ويتفاعل معه.. وأما القرى القريبة كالمطيرفي والبطالية فقد كان لهما نصيب من حنان أبوته ولكن وفق برنامج منتظم لا مفتوح، فلا يزور البطالية إلا مساء الأربعاء وليلة الخميس يجلس إليهم يتفاعل مع قضاياهم ويجيب مسائلهم وقد استمر على هذا الحال مع أحبته من أهالي البطالية زهاء خمسة وعشرين عاما، وحضرته قبل بلوغي برفقة أستاذي المرحوم الشيخ أمين المقرب”أفاض الله عليه من رحمته”، كما قام بجدول مشابه مع المؤمنين بالمطيرفي كل ليلة ثلاثاء.

وإن الحرص على التنظيم بهذا المستوى أهّله ومكّنه من مواصلة مشروعه في الحوزة وتحقيقاته وكتاباته.

  • في سبيل النقاء والارتقاء الاجتماعي:

الصفاء والصعود هما عنصرا الأمان على النفس والدين، وعادة ما تطمح أعين الناس إلى من لديه شيء من خاصية النقاء والارتقاء في روحه وعقله، ليكون إمام مسيرتهم، وقائد مواكبهم في الطريق إلى المصير الروحاني والإنساني، لا سيما إذا كان من أهل الريادة العلمية، وقد تناغم جلّ مجتمعنا الأحسائي مع سيد ركبهم، سماحة الحجة السيد ابي رضا لما شاهدوا فيه من التفاني و الحضور الميداني القوي، وسنذكر بعض الاتجاهات التي سلك بركب مجتمعه فيها:

أ ـ المخيمات الروحية الفاعلة:

إن التفاعل الديني والإسلامي بين الناس هي القضية التي آمن بها السيد العَمَد”زاد الله في حسناته” وأخلص لها طيلة مدة إقامته بالأحساء والتي قاربت الخمسين عاما، فكان عمود الخيمة الجماعية لكل شعيرة من الشعائر، فيكاد يكون أول من بنى خيمة  دعاء السمات بحضور عام وقد نجح التجمع لهذا الغرض في بعض القرى التي يرتادها، والخيمة الروحانية الثانية كانت في ليالي القدر المباركة فإنه وإن لم يكن الوحيد الذي يقيمها ولكن الناس من المؤمنين يرون في حضوره معهم عطر المكان والمقام!!

كما أسس للخيمة الجماعية الخاصة بالدعاء لمحتاجي المؤمنين ومرضاهم، وذلك في مقر الحوزة بالجامع الكبير، فكان الناس على مختلف أطيافهم يأتون إليه طالبين الدعاء لذوي قرابتهم فيأخذ المايك بنفسه ويرفع النداء العاجل لكل الطلبة الحاضرين في الجامع الشريف آنذاك معلنا أنه على الجميع إيقاف  الدروس عند الساعة التاسعة ـ هذا إذا تقدم أحد بطلب الدعاء ـ والتهيؤ بالطهارة أولا ثم الحضور والجلوس للتوسل الجماعي على هيئة المصلين مستقبلين القبلة وقراءة الآية الشريفة في عدد مضاعف بالمسبحة ثم قراءة دعاء الفرج، وقد خلف هذا التعامل المرهف مع حاجات الناس وتقديره لرغبتهم وجاجتهم أثرا عميقا على نفسية المبتدئين من الطلبة آنذاك، وأنا واحد ممن يدين له بالفضل في هذه الناحية.

ومن قديم الذكريات أن هذه العملية بعد أن صارت تتكرر وبدأ الناس يكثرون في طلب الدعاء من السادة والمشايخ بدا بعض التهاون من قبل قلة من الطلبة، فصاروا يفضلون المغادرة على المكوث لمراسم الدعاء  والتوسل الجماعي حينها غضب غضبَ المربي، وسخط سخطَ المعلم، فجمع الكل وألقى كلمته النفاذة في القلوب فأقام ببليغ لسانه ما كاد يعوج من سلوك بعضهم!

و إن أوسع مخيماته ـ على التشبيه ـ و أطولها بسطا وظلا هي خيمة العزاء على سيد الشهداء خاصة، و آل الرسول عامة صلوات الله عليهم أجمعين، وقد نصب بحذائها خيمة جماعية أخرى للاطعام على حبهم في ساحة الأربعين المباركة، كل ذلك لما كان يراه ويؤمن به من أنه لن يكون للدعاء والعزاء و العطاء هيبة وبهاء أكثر إلا  مع التفاعل الجماعي الذي يشترك فيه الصغير والكبير ويلتحم فيه القريب بالبعيد!

 ب ـ الإصلاح والتصحيح:

ولطالما تبين الجميع ممن حوله موقفه إزاء بعض العادات غير اللائقة وهو موقف يعرب عنه في أدوار متفاوتة فربما نافحه بالقلم، كما اتفق ذلك عندما رأى النساء المؤمنات بالذات يشتغلن بنذر ما يعرف بـ”حلال المشاكل”(3)  وغيره من الحكايات غير الموثقة، فلم يتجرع ضيم السكوت على هذه الظاهرة، فكتب كتابه حل المشاكل بذكر مآثر أهل البيت عليهم السلام، واقتصر فيه على بعض المناقب الثابتة ودعا المؤمنين والمؤمنات إلى الاستعاضة به عما في أيديهم.

ومن أدوار المقاومة لغير اللائق هو حضوره المباشر والتغلب على العادات الشوهاء بهيبته الشخصية التي لا بد أن تحترم أينما مثلت، وشاهد ذلك ارتقاؤه بشعيرة العزاء وانحسار الضرب بالسلاسل وتعرية نصف البدن أثناء اللطم انحسارا تاما في مقر مأتمه الكبير الذي امتد اشرافه عليه أكثر من أربعين سنة وكأنه يفرق بين اللطم والجلد وأن تلك الصفة التي يتخذها بعضهم هي أشبه بالجلد منها باللطم!

 ج ـ رفض المغالاة والتزمت:

كثيرة هي الصور والمواقف التي عايشتها معه في هذا السياق..

1 ـ قد تُقبِلُ النفس والذوقُ التلقائي على عادة ليس في الدين تجاهها تصريح لا قبولا ولا ردا، فترى بعضا ممن يرفضها يتحمس ضد أهلها فينطق بتحريمها لعنوانها ـ وليس لداع خارجي هو يراه مثلا ـ وهذا في اعتبار السيد الكبير منطق جزافي من غير اللائق بالساحة العلمية، ويرى أن مثل هذا الواقع قد يقتضيه الوقوف عنده بالتعليق، وبالمناسبة فإن رده هذا ليس بالضرورة تأييدا لما حرمه ذلك البعض، و إنما يقول أننا نرده و نواجهه لأنه قد تطرف في المنطق العلمي فقط!

هذا ما فهمته منه عندما ناقشته في شأن كتيب صدر له في قضية ما من قضايا الشعائر، فأجابني لم أكتب ما كتبت داعيا لتلك الممارسة، بل لو عرض علي مليون ريال شخصيا على أن أفعلها مرة واحدة بحياتي ما فعلتها، ولكن من غير المنطق العلمي أن نحرمها دون أن يكون هناك ما يصلح للدليلية على الحرمة؟!

2 ـ  في المقابل فإننا عندما ننشئ الحوزة التي تمثل منهجية الحوزات الأم، وكذا بالاشراف من فوق منابر مساجدنا على فتاوى المراجع المعروفين فإن لذلك فحوى ظاهرة الدلالة على أننا لا ننتمي لبعض الاتجاهات ولا نؤيدها ويجب الوقوف عند هذا الحد، وليس علينا أن نزايد في النكران؛ لأن ذلك مما قد يثير النعرات والتي في أقل التقادير يكون الرابح فيها غيرنا وليس لنا منها إلا الخسارة وتمزق نسيج المجتمع الواحد..

وهذا الذي عبرت لكم عنه قريب مما صرح به في أحد المجالس عندما نُـقِل له أن بعض الفضلاء يلاحظون عليكم شيئا من التساهل والمرونة حيال بعض الانتماءات الدينية في الأحساء ولو على مستوى حضور بعض فواتحهم مثلا؟؟

  • الفضائل واللطائف:

إن المآثر وشواهد الدماثة الخلقية كثيرة كثرةً طاغية في حياة هذا السيد المفضال و تزيد على حدود هذا المقال، نقطف منها بعض الذكريات:

الحوار فوق القناعة:

وهذا مبدأ من مبادئه يظهر لكل من عايشه واختلف معه وجها بوجه ورأيا برأي، فإنه لا يستنكف عن المحاورة مهما صغرت المسألة أو كبرت، وقد جربناه مرارا في جلسات مغلقة و أخرى مكشوفة!

فإنه اذا بدأ معك بحثا أو فكرة لا يهنأ حتى يتمها وفي ذات مرة انشد عليّ قصيدة من قصائده الرائعة، فاستوقفته في بيت وقلت له إني لست خبيرا بالشعر، ولكن ذوقي يرفض هذا السبك وخرجت من عنده دون أن أقرّ له ولكن فاجأني بالاتصال عند منتصف الليل ليسمعني آخر تعديل له على البيت!

الروح المتسمحة:

طلب مني القراءة ذات عام وفي الجامع الكبير أيام الفاطمية المباركة وكنت قد اشترطت على الوسيط والمنسق ترتيبا فنيا ولأنه لم يتم فقد بدا عليّ التأثر واضحا وخرجت بعد القراءة أطوي الانزعاج في داخلي تارة ويظهر تارة أخرى، لكن وفي الليلة الوالية اتصل بي شخص آخر من المصاحبين لسماحته وقال ان السيد يعتذر إليك شديد الاعتذار وكلفني أن انسق معك موعدا ليزورك ببيتك، فهالني ما سمعت وقلت له بل أنا من يعتذر ولم أكن أعلم أن انزعاجي سيربك سماحة الوالد العزيز وإلا لم أبده!

 

 الطرافة الذكية:

في مجلس درسه المهيب عند زاوية المحراب بالمسجد الجبلي يدور به طلابه في حلقة كبيرة،  وكان منظره وصوته يهيمن على من يراه أو يسمعه، وإن هذه الهيبة تأخذ مأخذها خصوصا مع الطلاب المبتدئين الذين ما كانوا يجرؤون على الكلام معه، وفي ذات يوم كان قد حضر قبل طلابه فأخذ مكانه المعتاد بين المنبر والمحراب فقام إليه شخص من طلاب المراحل الأولى فاستأذن السيد للسؤال فقال له سل:

قال الشيخ المبتدئ هل الدور باطل؟(4)

نظر إليه السيد وقد ميز الارتباك في وجهه ليس من السؤال بل من شخصه، فأحب أن يلاطفه بتواضعه ليكسر ذلك الحاجز النفسي، فقال له ماذا فهمت أنت من الكتاب؟

الطالب: فهمت أن المناطقة يقولون الدور باطل.

السيد لا عليك إن الدور غير باطل، ألا ترى الحمير تدور على الرز ومع ذلك تصلح لنا غذاءنا!

هنا ضحك الطالب واكتشف أنه أمام عالم لا يتكلف في التبسط والنزول إلى مستوى غيره!

ذكر الموت:

كان يتأثر تأثرا شديدا عند ذكر الموت ومن أعجب ما مر عليّ في حياتي بين الأعلام أنني دعيت للقراءة في مجلسه وعندما أردت أن أقرأ قصيدة “شلون بيه وثقل وزن حسابي”، حيل بيني وبين ذلك مراعاة لوجود السيد الذي لا يتحمل سماع مثلها !

إحساسه المرهف بالأعلام من جيله:

لم يكن هو بالعالم الذي لا يتكلم عن غيره من الأعلام إلا بإظهار عثراتهم كيدا وحسدا، ولم يكن ممن لا يتأثر لفقدهم ولا ممن يمر على تعثر الزمان بهم مرور المتبلد كلا وحاشا..

بل إن سيرته مع الأعلام سواء من كان في جيله أو في جيل أساتذته هي سيرة فاضلة تلهم من وراءه من الطلبة المتقدمين فضلا عن الناشئين منهم.. وهنا لمعات خفيفة:

1 ـ لقد أصر على إقامة مجلس العزاء على بعض الأعاظم متجاوزا بذلك الظروف العامة، التي تمنع من ذلك حينها.

2 ـ في بداية تأسيسه للحوزة اُبلغ بأن سماحة الشيخ محمد الهاجري قد فتح باب بيته أمام حلقات الدرس والتدريس، وذلك بمنزله القديم الكائن بحي الفاضلية، فقصده بنفسه مع نخبة من الفضلاء الذين كانوا مآزرين له في افتتاح الحوزة ومنهم الشيخ إبراهيم البطاط “أعزه الله”، وفاتحوه فيما هم عازمون عليه ودعوه للمشاركة، فرحب بأصل الفكرة وبارك لهم الخطوة، وإن اعتذر عن اللحاق لظروفه الخاصة فانتقل بعض طلاب الشيخ إلى درس السيد محمد علي بتشجيع من سماحة الشيخ الهاجري نفسه(5).

3 ـ لقد زرته بمعية بعض الفضلاء في ذات يوم بغرض التشاور في بعض أمور المجتمع فدخل علينا متأثرا أشد الأثر لجرأة بعض الشباب المتفتحين – انفتاحا غريبا هذه الايام – على العلامة السيد طاهر السلمان وكان يشتكي ويقول كيف يجرأ على مقام هذا السيد العظيم ؟!

4 ـ في إحدى زياراته إلى قم المقدسة قام بتنظيم زيارات إلى بعض أعلامها بقصد الاطلاع على أحوالهم، وممن قام بزيارتهم الشيخ محمد علي الآراكي “طيب الله رمسه”، وقد خرج من عنده ـ كما نقل لي مرافقه ـ وهو يتحدث بانطباع جيد كالمتعجب من ذاكرة الشيخ ودقة ضبطه رغم تجاوزه المائة من العمر.

  • الخضوع للمرحلة الثقافية بالرأي والموقف:

ليس يفصل هذا السيد عن التسعين من العمر سوى بضع سنوات قليلة، ولكنه يحمل روحا متفتحة واستعدادا سريعا للمواكبة مع الاحداث والمتغيرات (وإن كان ذلك في حدود ما هو قريب من حياته فقط) فظهر ببعض العادات التي لم نكن نلحظها على الكثير من أترابه وأسنانه من الفضلاء.

منها: أنه قد سارع إلى استخدام الحاسوب في سن متأخرة جدا، وكان يستعين وقتها بالمرحوم السيد عبد الله باقر وربما أشخاص آخرين لتدريبه حتى تمكن من استخدامه، وقد لا حظته في الفترة الأخيرة يدخل قاعة درسه وهو يحمل جهاز الآيباد بدلا من نسخة الكتاب.

ومنها: أنه كان قد نصبت له طاولة صغيرة عند باب قاعة تدريسه ويهتم المعنيون بأن يضعوا عليها الجرائد الصباحية فإذا جاء جلس للاطلاع عليها وتصفحها وهذا ما كنا نراه يفعله بانتظام يومي، فيستغرق مقدار نصف ساعة أو أقل مع الصحف ثم يدخل قاعة درسه!

ومنها: ما حدثني به الشيخ جاسم الشملان من فضلاء بلدة الطرف أن السيد كان يزورهم في أواسط عمره أي قبل أربعين عاما أو ما يزيد بين الحين والآخر وقد التزم بعض منتسبي أرامكو بإحضار اعداد مجلة قافلة الزيت الشهيرة آنذاك، نزولا عند رغبة السيد محمد علي لأنه يشتاق إلى مطالعتها.

ومنها: أنه لم يكن يهتم للشعر اهتماما واضحا حتى غادر النجف إلى موطنه الأحساء فخضع للمرحلة الجديدة التي كانت تتطلب منه الدعم بالرثاء والمديح لأهل البيت عليهم السلام، فانطلقت قريحته بعد الأربعين من العمر وليس قبل!

والحق أنه لم يحرز نصيبا من الشعر فحسب، بل إنه شرع الطريق أمام مسيرة ففاض شعر الولاء في الأحساء بدرجة فائقة على العهد السابق من تاريخ المنطقة، وإن عدة من الشعراء الشباب والكهول يدينون له في توجهاتهم نحو أدب المودة للآل لكونه قد بسط المجال أمامهم و سخّر لهم منصة المهرجان السنوي الخاص بميلاد السيدة الزهراء سلام الله عليها ومنصة الاحتفالات الراتبة بمجلسه، كما وقد فتح المجال أمامهم للمشاركة وتقديم موائد الرثاء والعزاء لتُلقى في حلبة اللطّـامة في الموقع الرئيسي وهو الجامع الكبير..

ومنها: تشجيعه المستمر و مباركته الحارة بل ومباشرته في أحيان ليست بالقليلة للمشاريع التي بدأت تنشأ في الساحة آنذاك كمشروع الجمعيات الخيرية، والزواجات الجماعية وغيرها، وهذا ما لمسته منه بعض المناطق والقرى بالأحساء خاصة.

ومنها: إدارة الفتوى بحكمة وروية فبينما كنت معه في منزله واذا باتصال من أحد المؤمنين يطلب منه إذنا في بعض متعلقات الدوائر الحكومية على عادة بعض الموظفين الذين لا يبالون في الممتلكات العامة فزبره السيد ورفض عرضه، ولما أغلق الخط التفت إليّ وفسر لي سيئات مثل هذه المواقف حسبما يراه.

ومنها: ما أبداه من تنازل عظيم حيال بعض التطورات فقد كان هو الرئيس وصاحب القرار في الحوزة العلمية بالأحساء شروعا وتعطيلا قبولا وردا وعندما وصل من قم بعض النخبة من الفضلاء الذين يطمحون في التطوير لم ينازع ولم يبرز نفسه صاحب الحق بل قد سمح لهم بالتجربة وابتعد عن كل شيء إلا عن التدريس.

وأما في موضوع الهلال فالكل يعرف أن السيد لديه نظر خاص في تشخيص موضوع التطويق مما جعله يتفرد في كثير من الأحيان بإعلان الهلال في الليلة الثانية ولكن وبعد أن شكلت اللجنة وذهبوا لزيارته، التزم لهم بعدم تفرده برأيه علنا بعدها!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* في ثنايا هذا المقال روايات تلقيتها بالسماع والنقل فلا غرو أن يكون شيء منها واضح لدى بعض المقربين من السيد الفقيد وغير واضح لدى آخرين منهم، وايضا لايخفى القارئ المحب انني قد ضننت ببعض الامثلة ولم اصرح بها وكذا لم ادرج بعض الاسماء في موضعها حتى بدا الكلام مشوبا بشيء من الابهام، وذلك لحساسية بعض الموقف ولكنها لا تفوت على الالمعي من القراء.

(1) العبارة جاءت بالعامية هكذا:”هالسيد ذهب مغطى برمل”!

(2) وهذا برواية بعض من حضر درس العلمين من الطلبة المتقدمين في السن.

(3) ولقد كانت مثل هذه الحكايات منتشرة جدا.

(4)  المقصود بالدور اصطلاحا هو توقف كل من الشيئين على الآخر مثل: “اذا تواجد المال تواجدت السلعة وإذا تواجدت السلعة تواجد المال”، فكيف يمكن ان يكون الشيء علة ومعلولا في نفس الوقت؟!

(5) وهذا من رواية بعض من كان ينتسب لحوزة الشيخ الهاجري المصغرة آنذاك.

 

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً