انت لست غير منطقي، وإنما احتمالي كمومي فحسب

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

مقدمة المترجم

تلاقح الأفكار بين العلماء في مختلف الحقول العلمية له أهمية كبيرة في التقدم العلمي في شتى المجالات . لاحظنا مثلاً كيف استخدمت بعض المدارس نظرية الاحتمال في غير واحد من فروع العلوم الإسلامية .  وتظهر أهمية هذا التلاقح الفكري من وجود أدوات معرفية في أحد المجالات العلمية قد تصبح مفاتيح لعلوم أخرى وهذا بالضبط ما عملته الباحثة الدكتورة وانغ في هذا البحث النفسي من استخدام أدوات في علم الفيزياء لبيان سلوكاً بشرياً عجزت عن شرحه النظريات الكلاسيكية.  البحث دسم لكنه ممتع بل ممتع جداً ولذلك حاولت ان أقوم بترجمته كاملاً لعله يقدم مفتاحاً مفيدا لبعض المختصين.

البحث:

لو أن شخصاً اتهمك باتخاذ قرار غير منطقي في المرة القادمة،  بين له أنك ترضخ لقوانين فيزياء الكم.

هناك اتجاه جديد يتشكل في العلوم النفسية لا يستخدم  فيزياء الكم لبيان “(أحيانا) التفكير المتناقض للناس فقط، وانما  قد يساعد الباحثين على حل بعض التناقضات بين نتائج الدراسات النفسية السابقة أيضا.

ووفقا لتشنغ جويس وانغ وغيرها الذين يحاولون نمذجة عمليات اتخاذنا القرار رياضياً، فالمعادلات والبديهيات التي تنسجم مع  السلوك البشري قد تكون تلك المتجذرة في فيزياء الكم.

وقالت وانغ الاستاذة المشاركة في الإتصالات ومديرة  الإتصالات communications وعلم النفس الفسيولوجي في جامعة ولاية أوهايو “، جمعنا الكثير من النتائج المتناقضة في مجال الإدراك، وخصوصا في عملية اتخاذ القرار”.

“لو حدث شيء على نحو لا ينسجم مع النظريات الكلاسيكية، فنحن في كثير من الأحيان نسمه على أنه” غير منطقي “. ولكن من ناحية  الإدراك الكوانتي (الكمومي)، فإن بعض النتائج لن تبقى منطقية. فهي تتوافق مع نظرية الكم ومع كيف يتصرف الناس في الواقع”.

في ورقتي مراجعة نشرتا في دوريات أكاديمية، أوضحت وانغ وزملاؤها أسلوبهم النظري الجديد في علم النفس. إحدى الورقتين نشرت في دورية الاتجاهات الحالية في العلوم النفسية، والآخر في دورية اتجاهات في العلوم المعرفية.

وتشير دراستهم الى  أن التفكير بأسلوب شبيه بالكمومية  – الذي بالضرورة لا يتّبع المقاربة التقليدية التي تعتمد على النظرية الاحتمالية الكلاسيكية –  يمكّن الناس من اتخاذ قرارات مهمة في وجه حالة الشك، ويتيح لنا مواجهة الأسئلة المعقدة على الرغم من محدودية مواردنا  العقلية.

عندما يحاول الباحثون دراسة السلوك البشري باستخدام نماذج رياضية كلاسيكية  منطقية فقط، فإن بعض جوانب السلوك الإنساني لا يمكن حوسبته. من وجهة نظر كلاسيكية، تلك السلوكيات يبدو أنها غير منطقية، كما أوضحت وانغ.

على سبيل المثال، عرف الباحثون منذ زمن طويل أن طريقة  ترتيب طرح أسئلة الاستبيان على الناس يمكن أن يغير اجابة  الناس، وهو التأثير الذي كان يعتقد في السابق أنه يعود إلى تأثيرات وسمت labelled  بشكل غامض ، مثل ” التأثير المُرحَل (للمعنى والأمثلة، راجع ٤) ” و “الترسية والتعديل( للتوضيح راجع ٥)، “أو ضوضاء noise  في البيانات.

المنظمات التي تعمل  الاستبيانات عادة ما تغير ترتيب الأسئلة بين المشاركين، على أمل أن يكونوا قادرين على  إلغاء هذا التأثير. ولكن في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في عام ٢٠١٤، أثبتت وانغ والمتعاونون معها أن هذا التأثير يمكن التنبؤ به  بدقة وتوضيحه بجانب سلوك الناس الشبيه بالكمومي .

نفكر عادة في فيزياء الكم أنها  تصف سلوك الجسيمات دون الذرية subatomic ، وليس سلوك الناس.  وقالت وانغ إن الفكرة ليست بعيدة المنال. وأكدت أيضًا أن برنامجها البحثي لا يفترض ولا يقترح أن أدمغتنا هي أجهزة كمبيوتر كمومية.  مجموعات بحثية أخرى تعمل على هذه الفكرة ؛ وانغ ومعاونوها لا يركزون على الجوانب الفيزيائية للدماغ ، بل يركزون على كيف يمكن للمبادئ الرياضية لنظرية الكم أن تسلط الضوء على الإدراك والسلوكيات البشرية.

قالت وانغ نحن عادة نعتقد أن فيزياء الكم تصف  سلوك الجسيمات ما دون الذرية، وليس سلوك الناس. لكن الفكرة ليست بالبعيدة . وأكدت أيضا أن برنامج أبحاثها لا يفترض او يقترح أن أدمغتنا هي كمبيوترات كوانتية بالمعنى الحرفي.

كما أن هناك مجموعات بحثية أخرى تعمل على هذه الفكرة  فإن وانغ ومعاونوها لا يركزون على الجوانب المادية للدماغ، ولكن  على كيف يمكن للمبادئ الرياضية المجردة من نظرية الكم ان تسلط الضوء على الإدراك البشري والسلوكيات.

قالت الباحثة “في العلوم الاجتماعية والسلوكية،  ككل، نحن كثيراً ما نستخدم نماذج الاحتمال ” “على سبيل المثال،  نسأل، ما هو احتمال أن شخصاً يتصرف بطريقة معينة أو يتخذ قراراً معيناً؟ تقليديا، تعتمد كل تلك النماذج على نظرية الاحتمال الكلاسيكية  التي نشأت من الفيزياء الكلاسيكية للنظم النيوتنية. لذلك في الحقيقة ليس غريباً أن يفكر علماء الاجتماع في نظم الكم ومبادئها الرياضية ايضاً “.

تتعامل فيزياء الكم مع الإبهام (الغموض)  في العالم المادي. حالة جسيم معين، و الطاقة التي يحتوي عليها، وموقعه، كل ذلك  غير مؤكد، ويجب أن يكون محوسباً على أساس الاحتمالات.

الإدراك الكوانتي (الكمومي) :هو ما يحدث عندما يكون على الناس  أن يتعاملوا مع الإبهام عقليا (ذهنياً). أحيانا نحن لسنا على يقين مما  نشعر به، أو هناك ابهام حول أي خيار نأخذه، أو يجب علينا ان نتخذ قرارات مستندة على معلومات محدودة ( غير كافية).

وأضافت وانغ ” دماغنا لا يمكنه تخزين كل شيء. ليس لدينا دائما رأي واضح حول بعض الأمور. ولكن عندما تسألني سؤالا، مثل ‘ماذا تريد للعشاء “، يجب علي أن أفكر في الأمر أو أعطيك رداً واضحاً في اللحظة  “؟ قالت وانغ. “ذلك الإدراك الكمومي.”

“أعتقد أن الصيغة الرياضية التي قدمتها نظرية الكم هي منسجمة مع ما نشعر به حدسياً كسايكلوجين. نظرية الكم قد لا تكون بديهية على الإطلاق عندما تُستخدم لوصف سلوك جسيم، ولكنها في الواقع بديهية جداً عندما تُستخدم  لوصف عقولنا( أذهاننا) المترددة والغامضة عادةً “.

استخدمت وانغ  مثال قطة شرودنغر  – وهي التجربة الفكرية والتي فيها يكون لدى القطة التي في داخل صندوق  بعض الاحتمالات كونها إما حية أو ميتة. فكلا الاحتمالين له إمكانية في أذهاننا. بهذا المعنى، القطة لديها  إمكانية أن تصبح حية أو ميتة في نفس الوقت. ويسمى هذا التأثير ‘بالتراكب الكمومي quantum superposition’. عندما نفتح الصندوق، لم يعد أياً من  الاحتمالين، متراكباً حيث يجب أن تكون القطة إما حية أو ميتة.

بالإدراك الكمومي ، فإنه كما لو أن كل قرار نتخذه هو  قطة شرودنغر الخاصة بِنَا.

وعندما نفكر  في خياراتنا، نتصورها في عين عقلنا. لبعض الوقت، كل الخيارات تتواجد بدرجات مختلفة في نفس الوقت مع إمكانية أننا سوف نختارها : هذا هو التراكب superposition. ثم، عندما نركز على  الخيار المفضل لنا، فإن الخيارات الأخرى تصبح غير موجودة بالنسبة لنا.

مهمة نمذجة هذه العملية أمر صعب رياضياً لأن كل المخرجات الممكنة تضيف أبعاداً الى  المعادلة. على سبيل المثال، الشخص الجمهوري الذي يحاول أن يصوت لمرشح بين المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة في عام ٢٠١٦  يواجه مشكلة ذات أبعاد عالية مع وجود ما يقرب من ٢٠ مرشحاً.

بالمقاربة التقليدية لعلم النفس، فقد تكون الإجابات لا معنى لها،  ولذا يجب على الباحثين وضع بديهيات رياضية جديدة لتفسير السلوك في تلك الحالة بالذات. فالنتيجة: هناك العديد من النماذج الكلاسيكية النفسية، وبعضها متعارض، وليس من بينها ما يصلح  لكل حالة.

بالمقاربة الكمومية ، تناقش  وانغ وزملاؤها أن العديد من الجوانب المختلفة والمعقدة من السلوك يمكن تفسيرها بنفس المجموعة المحدودة من البديهيات. نفس النموذج الكمومي الذي يفسر  كيف يغير ترتيب أسئلة الاستبيان إجابات الناس يفسر أيضا المخالفات للمنطقية في ‘معضلة نموذج السجين’، وهو التأثير الذي فيه يتعاون الناس حتى عندما يكون ذلك في غير مصلحتهم القيام بذلك.

وقالت وانغ. “معضلة السجين وترتيب مسائل الاستبيان نوعان من تأثيرات مختلفة تماماً في علم النفس الكلاسيكي، لكنهما يمكن أن يفسرا بنفس النموذج الكمومي”،  “وقد استخدم نفس نموذج الكم لشرح نتائج أخرى كثيرة تبدو أنها غير ذات صلة ببعضها ومحيرة في علم النفس. و هذا شيء بديع “.

 

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً