الشيخ الموسى يستعرض أقسى صور الظلم الاجتماعي

img

مالك هادي – الأحساء

“عندَما نتحدثُ عنِ الظلمِ فإنَّنا نقصدُ بهِ التعدِّيَ على الحقِّ للباطِلِ؛ أي الجورِ، وكذلكَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِهِ إمَّا بعدولٍ عنْ مكانِهِ أو وقتِهِ، وإمَّا بزيادةٍ أو نقصانٍ، وكذلكَ التصرُّفُ في ملكِ الآخرينَ” بهذا الحديث سلط سماحة الشيخ عباس الموسى إمام مسجد الإمام الكاظم (المغتسل) في بلدة الحوطة بالأحساء حديثه لهذا الأسبوع.

فقال الشيخ الموسى: “كثيرٌ مِنَ الناسِ حينَ يسمعُ الحديثَ عنِ الظلمِ ينصرفُ ذهنُهُ إلى الظلمِ الحسيِّ!! الظاهرِ مِنَ التعدِّي على الأموالِ والدماءِ والأعراضِ ونحوِ ذلكَ مما تنفُرُ منهُ الطباعُ السليمةُ ويعرفُهُ الجاهلُ والعالمُ والصغيرُ والكبيرُ، ولكنْ ثمّةَ نوعٌ خفيٌّ يتساهَلُ فيهِ كثيرٌ مِنَ الناسِ ويخفَى عليهِمْ وينتشِرُ حتَّى في بعضِ البيئاتِ المحافِظَةِ ألَا وهوَ الظلمُ الاجتماعيُّ! فقدْ يظلِمُ الرجلُ زوجتَهَ وكذلِكَ العكسُ، وقدْ يظلِمُ الأولادُ أباهُمْ وكذلِك العكسُ، وقدْ يظلِمُ الإخوانُ والأصدقاءُ والجيرانُ بعضَهُمْ، وهكذا”.

وتعرض الموسى لبعض مظاهرالظلم الاجتماعي فقال: “أليسَ هناكَ مِنْ الأولادِ مَنْ يعُقُّ والدَيْهِ، مَنْ يتعدَّى عليهِما بفعلٍ أو قولٍ أو نظرةٍ، مَنْ لا يُطيعُهُمَا، مَنْ يفضِّلُ زوجَتَهُ على والدَيْهِ، مَنْ يترُكُهُما في كِبَرِهِما ولا يراهُما، من يَسْخَرُ مِنْ تصرفاتِهِما حينَ يكونا مصابَيْنِ بـ (الزهايمرِ) مثلاً؟ كلُّ ذلِكَ ظلمٌ”.

وفي صور أخرى لمظاهر الظلم الاجتماعي تحدث سماحته عن إيذاء بعض الأزواجِ لزوجته، فيضرِبُها، ولا ينفِقُ عليها، ويعتدِي على حقوقِها. ومن الأزواج من لا يبالِي بزوجته ولا يُحسِنُ معاشرَتَها، ومَنْ يتسلَّطُ على راتِبِها وأموالِها.

وفي إشارة لصور منتشرة في المجتمع قال الشيخ الموسى: “أليسَ هناكَ مَنْ يُهمِلُ أولادَهُ وأسرَتَهُ، مَنْ يقصِّرُ في تربيتِهِمْ ورعايتِهِمْ، مَنْ يقسُو عليهِمْ ويرعبُهُمْ بتجبُّرِهِ، مَنْ ينشغِلُ عنهُمْ بالاستراحاتِ والقنواتِ والملهِياتِ والمبارياتِ وقدْ لا يُعطِي مِنْ وقتِهِ لأهلِهِ كما يعطِيهِ لأصدقائِهِ، ولا يجلِسُ مَعَهُمْ كما يجلِسُ معَ أصدقائِهِ، ولا يبذُلُ لأهلِهِ مثلَما يبذُلُ لغيرِهِمْ؟”.

واستعرض الشيخ الموسى أشنع صورِ الظلمِ وهو ظلمُ البناتِ بعضْلِهِنَّ عنِ الزواجِ، فيمنعونَ بناتِهِمْ مِنَ الزواجِ ولأسبابٍ واهيةٍ ومجحِفَةٍ لتبقَى البنتُ عانسًا، وقدْ يمنعُهَا منَ الزواجِ لأنَّها موظفةٌ فيأخذُ أموالَها، لتقومَ بهِ وبشؤونِهِ، أوْ لأنهُ لا يقتنِعُ بمنْ جاءَها حتَّى لو كانتْ هيَ موافِقَةُ.

واستنكر سماحته ما يفعلُهُ بعضُ الرجالِ مِنْ إبقاءِ زوجتِهِ على ذمتِهِ دونَ القيامِ بحقوقِها، فيعلِّقُها لا هوَ طلَّقَها ولا هوَ قامَ بحقوقِها، واعتبره من أقسى صور الظلم، ووجه النصيحة لهؤلاء الأزواج قائلا: “إمَّا أنْ تبقِيَها على ذمتِكَ وتنفِقَ عليها وتبذِلَ لها وتعيشَ معَها معيشةً حسنةً، أو أنْ تطلِّقَها وتسرِّحَها بإحسانٍ وتخلِّيَ سبيلَها”.
ومن جانب آخر حذر الشيخ الموسى تفضيل بعضُ الآباءِ لبعضَ أولادِهِ على الآخرينَ، لا سيما إذا تعدَّدَتِ الأمهاتُ، فيظْلِمُ أبناءَهُ مِنَ الثانيةِ على حسابِ الأولى أو العكسُ، وقال: “لأنهُ يعشقُ هذِهِ أوْ تلكَ، أوْ لأنَّ هذِهِ الزوجة تتسلَّطُ عليه دونَ تلكَ، وتتحكَّمُ في قراراتِهِ فيُقدِّمُ لأبنائِهِ مِنْ هذِهِ الزوجةِ أكثرَ مِنْ أبنائِهِ مِنَ الأُخرى، بلْ قدْ يهمِلُ أبناءَهُ مِنْ إِحدَى زوجتَيْهِ أوْ أزواجِهِ ولا يلتفِتُ لهُمْ ولا يقدِّمُ لهُمْ، وهذا ظلم”.

ثم انتقل سماحته في حديثه إلى الظلم القولي والذي منه إسقاط الآخرينَ مِنْ أعيُنِ الناسِ، أوْ التقلِّيل مِنْ شأنِهِمْ لأنهُمْ لا ينسجمونَ معَهُ في الفِكْرِ، بإبرازِ العيوبِ وتتبُّعِ الهفواتِ والزلاتِ، والتحدث عنهُمْ في كلِّ حركةٍ وفي كلِّ موقفٍ وفي كلِّ وقتٍ.

وفي ختام حديثه حذر سماحة الشيخ الموسى من أنَّ الظلمَ إذا سادَ في المجتمعِ وأصبحَ سلوكًا اجتماعيًّا يمارسُهُ الناسُ تجاهَ بعضهم بأيِّ صورةٍ وطريقةٍ، فإنَّ ذلكَ -إضافةً إلى كونِهِ يُهلِكُ صاحِبَهُ ويجعَلُهُ عرضةً لغضَبِ اللهِ وعقابِهِ- يمزِّقُ المجتمَعَ وينخَرُ في جسَدِهِ. وقال: “ولا بدَّ أنْ ندرِكَ أيضًا أنَّ عِصْمَةَ المجتمعِ وتحصينَهُ ووقايتَهُ منَ الظلمِ مسؤوليةٌ جماعيةٌ علينَا أنْ نبادِرَ لها جميعًا كلٌّ بحسَبِهِ، فعندَما تَرى الزوجانِ يتعدَّى بعضُهُمْ على الآخَرِ قمْ بنصِيحَتِهِمْ، وعندَما ترى الولَدَ يعُقُّ والدَيْهِ وجِّهْهُ بالاتجاهِ الصحيحِ، وعندَما ترى الإخوانَ يتخاصمونَ على إرثٍ فنبِّهْهُمْ أنَّ لكلِّ واحدٍ منهُمْ حقًّا فيهِ، وعندَما ترى مَنْ يتنكرُ لحقوقِ الآخرينَ فعليكَ بتعليمِهِ الحقوقَ، وعندَما ترى مَنْ يتحدَّثُ عنِ الناسِ ولا يُبالِي ويسَقِّطُ هذا وذاكَ لمجردِ الاختلافِ في الفكرِ أوِ التوجُّهِ أوْ أيِّ شيءٍ آخرَ فقُمْ بهدايتِهِ بأيِّ طريقةٍ لكَي لا تنعكِسَ آثارُ الظلمِ على المجتمعِ.

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً