الممسكُ بعُرى السماءِ

img

أحمد اللويم

(في رثاء العلامة السيد محمد علي العلي (قدس سره الشريف)

المجدُ يصنعُهُ الفتى لا الجاهُ
ما استمسكَتْ بعُرَى السماءِ يداهُ

ما اجتاز للعلياءِ صعبَ رِهانِهِ
وأَناهُ تكدحُ في رِهانِ أَناهُ

ما كان مثلَ (محمد) إذ أثمرت
خُضْرًا بجرفِ المستحيلِ مناهُ

يا موتُ ما لكَ قد ختلتَ لروحِه؟
هلا انتظرتَ لكي يُتمَّ عَطاهُ

أرأيتَ مجتمعًا بَكاهُ ؟ لأنَّهُ
كحلٌ لعينيه فخافَ عَمَاهُ

يابنَ الهواشمِ إن رحلْتَ فلم تزلْ
تتلوكَ والآياتِ ثمَّ شفاهُ

وتعيدُ نَصَّكَ أعينٌ مبحوحةٌ
من فرطِ ما دمعٌ بهنَّ تَلَاهُ

ماذا؟ وقد عضَّ القضاءُ على يدٍ
فبرى أنامَلها فما أقساه
،
وفتًى توضَأَت الحياةُ بصمتِهِ
وإذا تُصلي فالإمامُ صداهُ

نقشَتْ له الأحساءُ في تاريخِها
ذِكْرًا يقيسُ به الخلودُ مَداهُ

رأت (ابنَ هاشمَ) شاهرًا قنديلهُ
والليلُ يشحذُ في الفجاجِ دُجاه

ومشتْ على اسمِ (اللهِ) خلفَ ظلالهِ
وتعلقَتْ خطواتُها بخطاه

فإذا بها تَرِدُ الصباحَ مبللا
بندى وضوءٍ قطَّرَتْ يُمناه

حيث المساءُ مضى وفي أهدابِهِ
ومضٌ تشظَّى من سِراجِ دُعاهُ

وشفيفُ دمعٍ رقرقتْهُ نجومُهُ
والبدرُ يمسحُ دمعَها كُمَّاهُ

قد كان يبكي السبطَ حتى ينحني
دمعٌ بجفنيه تخورُ قُواهُ
،
أَسَرَ القلوبَ ولم تكنْ أصفادُهُ
إلا خلائقَ زانَهُنَّ نقاهُ

لتواضعٍ رتعَتْ قلوبٌ حولَهُ
ولهيبةٍ أغضَتْ هناك جباهُ

يا مطلقًا للحبِّ ألفَ حمامةٍ
بيضاءَ رجعُ هديلِها تيَّاهُ

ومبلسمًا جُرْحَ الخلافِ بحكمةٍ
حتى استعادتْ بُرْءَها أَحْساهُ

أجريتَ في (الأحساءِ) إنسانيةً
كعيونها عَذُبْتْ بِهِنَّ مِياهُ

إن كنتُ أحلمُ بـ (النبيِّ) سجيةً
قلْ لي فما بيديكَ رفَّ لِواهُ؟

لا (أنبياءَ) تجيءُ بعدَ (محمدٍ)
لكنْ يجيءُ بصنعهم أشباهُ

شفُّوا فكدْنا أن نرى إلهامَهُم
من فَرطِ طُهرِهمُ يَشفُّ سناهُ

يتجلببون بزيِّ (إبراهيمَ) أو
(موسى) تُسبِّحُ في يديه عَصَاهُ
،
يا (سيدَ النخلِ) المعاهدِ جذرَهُ
ألا تخون جذورَه أفياهُ

ألا يُرى شيصًا جَناهُ يعافه
جوعى فلاكوا مُسْغِبِين ثراهُ

في (الحوزةِ) استنطقْتَ صمتَ حجارةٍ
فإذا الحجارةُ كلُّها أفواهُ

ولكَم بها من مشعلٍ أوقدتَهُ
فأضاءَ في المحرابِ زيتُ هُداهُ

كالوردِ قد عَمَّدْتَ منه عبيرَهُ
بشذاكَ حتى اعتدَّ فيه شذاهُ

في (الحوزةِ) ابتدرَ الطموحُ مناديًا
أين الضمينُ؟ فكنتَ رجعَ نِداهُ

أيقونةُ العلم التي عن رؤيةٍ
(للهِ) سَكَّ مثالَها فبراهُ

أهداهُ (للأحساءِ) قوسَ صعودِها
حتى به بلغتْ تخومَ علاهُ

فأزارها كوخًا بناهُ (محمدٌ)
فرأتْ كأنَّ النجمَ بعضُ حَصاهُ
،
يا سيدي يا صاحبَ الشجنِ الذي
دارتْ على وجعِ (الشهيدِ) رحاهُ

وشعائرٍ كالفرضِ رُحْتَ تقيمُها
فكأنْ أقرَّ بفرضهنَّ (إِلهُ)

فكأنَّ يومَ (الطفِّ) لم يرحلْ بهِ
زمنٌ وجفَّفَتْ السنينُ دماهُ

فنكادُ نلمسُ (كربلاءَ) تجسَّدَتْ
رُؤْيا تُجَسِّدُها لنا رُؤْياهُ

ونكادُ نقتحمُ الغبارَ مفخَّخًا
بالهولِ لم ننظرْ إلى عُقْباهُ

تخذَ الشعائرَ كحلَ عينِ بصيرةٍ
فرأى (الحسينَ) كما (الحسينُ) رآهُ

نَمْ تحتَ أطباقِ الثرى متوسدًا
قلبي وحاذرْ أن تروعَكَ آهُ
،
يا (آلَ سلمانَ) الذين توارثوا
صبرًا يؤازرُ جَدَّهُمْ أَبَواهُ

فإلى أرومةِ (كربلاءَ) جدودُهُ (م)
انتسبوا فحقَّ لصبرِكم خُيَلاهُ

بفقيدِكم عثرَ الزمانُ بلحظةٍ
شجَّتْ من الآناءِ رأسَ ضُحاهُ

هل نشتري صبرًا وأنتمْ كنزُهُ؟
مُذْ شدَّ محزمَهُ بعاشوراهُ؟

وبكم رضيٌّ لا يزال ملاذَكم
فهو الحليمُ الصابرُ الأَوَّاهُ

فإليهِ نركضُ ما توجسَ خاطرٌ
فزعًا فيسكنُ خاطرٌ آواهُ

فدَّيْتُ جفنَكَ أن يرقرقَ دمعَهُ
حزنًا ؛ فحزنُكَ في القلوبِ مُداهُ

بِكَ لاذَ ذو حزنٍ فعادَ وقلبُهُ
طفلٌ تسابقُ ظلَّهُ سَلْواهُ

فلقدْ فهمْنا الصبرَ درسًا مثلما
علمتَناهُ ونحنُ أتقناهُ

صبرًا وإنْ عَصَفَ الفراقُ بمدمعٍ
وبه أحسَّتْ غربةً عيناهُ

فلكُم بسبطِ (المصطفى) أمثولةٌ
جَفَّ الكلامُ ولم يَجِفَّ رِثاهُ

يبقَى الفراقُ حكايةً أخرى إِذا
بسطَتْ دفاترَها فواويلاهُ

من ذا يقاومُ حزنَهُ بِتَصَبُّرٍ
والحزنُ يغرزُ ظفرَهُ بِحَشاهُ

 

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً