دراسة: أنت مجموع أصدقائك

img

بقلم: دوغلاس روشكوف
ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

التطور البشري كوّن الروابط الاجتماعية قبل أن يكوُن الهوية الشخصية.

التماسك  الاجتماعي البشري مدعوم بعمليات بيولوجية دقيقة وآليات تغذية ارتجاعية. كالأشجار التي تتواصل من خلال منظومات جذورها، فقد طور البشر آليات معقدة للتواصل ومشاركة المعلومات مع بعضهم البعض.

أجهزتنا العصبية تعلمت لتعتبر صِلاتنا الاجتماعية على أنها مهمة من الناحية الوجودية – حياة أو موت- . التهديدات لعلاقاتنا تتم معالجتها من قبل نفس جزء الدماغ الذي يعالج الألم.  إن الخسائر الاجتماعية، كوفاة أحد أفراد الأسرة، أو الطلاق، أو الطرد من مجموعة اجتماعية، يُِشعر بها كرِجل  مكسورة.

إدارة العلاقات الاجتماعية تتطلب أيضًا من الناس تطوير ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا، “نظرية العقل” – وهي القدرة على فهم ومشاركة الآخرين أفكارهم ودوافعهم.

من منظور تطوري، جاء مفهوم الذات بعد قدرتنا على تقييم وتذكر نوايا وتكتيكات الآخرين.  بخلاف التغيرات الثقافية الحديثة نسبياً التي شجعت على أفكار الهوية الشخصية أو الإنجاز، فقد حدثت  تكيفاتنا الاجتماعية على مدى مئات الآلاف من السنين من التطور البيولوجي. الروابط الاجتماعية المستمرة تزيد من قدرة المجموعة على العمل معًا، وكذلك تزيد من فرصها في الإنجاب.  عيوننا  وأدمغتنا وجلودنا وأنفاسنا  كلها جُعلت لتقوم بوظائفها على أمثل وجه لتحسين ارتباطنا وعلاقتنا  بالآخرين.

السلوكيات الإجتماعية؛ مثل الإقتداء”التشبه البسيط”ما يُعرف بتقليد عمل وتصرفات الآخرين- تجعل الناس يشعرون أنهم مقبولون من الآخرين، ومن ضمنهم، مما يحافظ على تماسك المجموعة وانسجامها بمرور الوقت.

في إحدى التجارب، الأشخاص الذين تم تقليدهم بشكل خفي أفرزوا كمية أقل من هرمون الإجهاد من  أولئك الذين لم يتم تقليدهم. أجسامنا كُيفت  لتسعى وتستمتع من كونها مقتدىً بها /مقلدة /محاكاة. عندما ينخرط البشر في تقليد غيرهم، يتعلمون من بعضهم البعض ويعملون على تقدم  مهارات مجتمعهم.

الإشارات (التلميحات/القرائن)، المادية التي نستخدمها لإقامة علاقة كانت موجودة في حياتنا حتى قبل أن نتكلم أي ونحن في مرحلة الطفولة قبل أن نستطيع الكلام.  لقد استخدمنا هذه الإشارات لنرتبط (نقيم علاقات) مع الآخرين حتى  قبل أن نتعلم أن نتكلم، كأطفال رضع أو حتى كبشر منذ آلاف السنين.
نغمز بحواجبنا عندما نريد أن ينتبه لنا شخص ما. نجاري  بتنفسنا شخصاً آخر عندما نريده أن يعرف أننا نتشاعر معه.  حدقات أعيننا تتوسع عندما نشعر بالانفتاح على ما يقدمه شخص آخر لنا.  في المقابل، عندما نرى شخصًا يتفاعل معنا ، نرى عينيه مفتوحتين كدلالة على قبولنا، إيماءة رأسه الخفيفة، تشعرنا بأننا مفهومين ومقبولين لديه.  خلايانا العصبية المرآتية تنشط، مفرزةً هرمون الأوكسيتوسين- وهو هرمون الترابط/العلاقات/الحب- في مجرى دمنا.

البشر يتواصلون بسهولة، كما لو أننا نتقاسم (نشترك في) نفس الأدمغة.  إن الرنين الحوفي،  كما يطلق عليه وهو قدرتنا على التوفيق بين الحالات العاطفية لبعضنا البعض؛ في حالات دماغ الأمهات وأطفالهن مرآة عاكسة  لبعضها البعض. يمكنك أن ترى هذا في فحص التصوير بالرنين المغناطيسي. الرنين الحوفي عملية غير معروفة والتي من خلالها يتغير الجو المزاجي للغرفة حين يدخل شخص سعيد أو شخص آخر عصبي، أو الطريقة التي يصل بها شخص يستمع إلى قصة الى نفس حالة دماغ تلك التي لدى الحكواتي.

الأجهزة العصبية المتعددة تتزامن وتستجيب معًا كما لو كانت شيئًا واحدًا. نحن نتوق لمثل هذا الإنسجام، وكذلك هرمونات السعادة والتنظيم العصبي الذي يصاحبها.  لهذا السبب يريد أطفالنا أن يناموا معنا – أجهزتهم  العصبية تعلمت كيف تنام وتستيقظ من خلال تقليدنا ومحاكاتنا في ذلك .  هذا هو السبب في أن الكوميديا التلفزيونية لها تأثير صوتي، حتى يمكن اقناعنا بتقليد ضحك جمهور من أقران يشاهدون معنا.  نحاول بطبيعة الحال أن ننسجم مع الحالة الدماغية للجمهور .

إن هذه العمليات الفيزيائية والكيميائية المتطورة  بعناية فائقة في العالم الحقيقي هي التي تمكّن  وتقوي ترابطنا الاجتماعي وتماسكنا، وتشكل الأسس للمجتمعات التي بنيناها بالنتيجة .

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً