الموت والرجعة: ماذا يمكن أن تخبرنا تجارب الإقتراب من الموت عن الموت

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

لا يمكن لأحد أن يقدم تقرير أول شخص (تقرير كتبه الكاتب من وجهة نظره هو) حول ما يعني أن يموت، لكن تجارب الإقتراب من الموت والشعور الذي ينتاب المتعاطي لمواد الهلوسة يمكن أن تقدم لنا لمحة تتجاوز ما هو معروف( الى ما هو غير معروف سيما حياة ما بعد الموت).

ماذا يعني أن تموت؟ في 2012، جراح الاعصاب الأمريكي المتقاعد ايبن الكسندر‪Eben Alexander ‬ طمأننا في كتابه إثبات الحياة بعد الموت ‪Proof Of Heaven‬  أنه هو الشعور بالنعيم.

وبطبيعة الحال، انه لم يتحدث عما بعد القبر، مزاعمه استندت الى ما قال  أنه حدث له خلال أسبوع قضاه في غيبوبة قبل بضع سنوات، حين كان على وشك الموت من جراء إصابته بالأشريشبة القولونية ‪E. coli‬-  (نوع من البكتيريا) في الدماغ اصبح  تقريباً غير نشط، الكسندر قال:” انها كانت تجربة ونقلة تحويلية شملت الإنتقال عبر ثقب أسود، فائض بالنور: النور الذي يبدو أنه جاء من الجرم السماوي الرائع”.

كما وصف أنه كان  يشعر بالإرتياح  في رحلته من قبل امرأة شابة تتميز  بارتفاع عظام الخد وعينين زرقاوتين، وقالت له: “انه لا شيء يخاف منه وأنه محبوب وعزيز، الى حد بعيد، والى الابد”.

في حساب الكسندر الوهمي رأي منقسم هرع الملايين من الناس لشراء كتابه، بالإضافة الى ان مجلة نيوزويك الأمريكية نشرت قصته على غلافها تحت عنوان ” الجنة حقيقية- 2″ ‪Heaven is real‬، ومع  ذلك علماء الأعصاب البارزين مثل سام هاريس ‪Sam Harris‬، وكولن  بلاكمور ‪Colin Blakemore‬، انضما الى قائمة الانتظار حتى يجدا عيوبا في الحديث، و لتقديم المزيد من نسختهم حول هذة الأحداث على أساس بايلوجي.

كتب بلاكمور في ذلك الوقت: “بالطبع، يقوم الدماغ بأشياء غريبة عندما ينفد الأكسجين، التصورات الغربية هي مجرد آثار مترتبة على  نشاط مشوش في الفصوص الزمانية  ‪temporal lobes‬”.

تحتوي قصة ألكساندر على العديد من الميزات لما يسميه الباحثون اليوم( تجربة الإقتراب من الموت)، صاغ المصطلح عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ريموند مودي في كتابه الأفضل مبيعا لعام 1976( الحياة بعد الحياة ‪Life After Life‬ )، الذي عرض فيه أحداث اقتراب 150 شخصا من الموت، مشيرا إلى أنه هذه التقارير غالبا ماتحتوى  على نفس السمات،  مثل نور ساطع؛ الشعور بالخروج من الحسد؛ والوجود الذي يشعر بالإرتياح من قبل أشخاص آخرين؛والشعور بالصحة وقلة الخوف.

من الممكن تتبع صور مماثلة الى زمن بعيد  في الماضي، على سبيل المثال اللوحة الفنية، عروج الخير، ‪Ascent Of The Blessed‬، التي رسمها هيرونيموس بوىش ‪Hieronymus Bosch‬ في أوائل القرن الساد اماس عشر، تتميز بنور ساطع في نهاية النفق.

مثل قصة ألكساندر التي لها رأي منقسم، كذلك الأمر بالنسبة إلى تجربة الاقتراب من الموت بشكل عام، يعتقد بعض العلماء مثل الدكتور بروس جريسون ‪Dr Bruce Greyson‬، برفسور فخري في الطب النفسي وعلوم السلوك العصبي في جامعة فرجينيا والمؤلف المشارك لكتاب تجارب الإقتراب من  الموت‪The Handbook Of Near -Death Experiences‬,، حث قال:” أنهم يتحدون تقريرا عن حدث مادي خالص لتجربة بشرية، تجربة الاقتراب من الموت،
تقدم لنا بيانات يصعب تفسيرها من خلال النماذج الفسيولوجية أو النفسية الحالية”، وذلك حسبما كتب بروس في عام 2013.

ومع ذلك ، يعتقد كثيرون آخرون، كالدكتورة شارلوت مارتيال‪Charlotte Martial‬ في مجموعة كوما ‪Coma‬ للعلوم في مستشفى جامعة لييج ‪Liege‬( النرويجية )، وكريس تيمرمان ‪Chris Timmermann‬ في مجموعة إمبيريال كولدج سايكاديلك ريسيرش ‪Psychedelic Research Group‬، أن هناك تفسيرا علميا وكيميائيا عصبيا لتجربة الاقتراب من الموت.

تقول مارتيال أنا” مقتنعة جدا” بمثل هذه التفسيرات، على الرغم من أن تيمرمان يحذر من أن( الدليل القاطع قد يكون مستحيلا باستخدام أدواتنا الحالية، لأنه سيتطلب من الباحثين سبر أغوار أدمغة البشر في لحظة الموت، وهو أمر غير أخلاقي “.

مواد الهلوسة  والإقتراب من الموت
قصص الوصف الكيميائي العصبي يعطى ثقلا من خلال المراقبة الفضولية، تسرد العديد من الميزات الرئيسية لتجربة الاقتراب من الموت ليس فقط من قبل الناس الذين  اقتربوا من الموت، ولكن أيضا من قبل الأشخاص الذين تناولوا أدوية سايكدلية( أدوية مسببة للهلوسة)‪psychedelic drugs‬.

وتشمل هذه، على سبيل المثال لا الحصر، أدوية الهلوسة التي  تعمل على جهاز هرمون السيروتونين في الدماغ( السيروتونين هو ناقل عصبي يؤثر في المزاج والإدراك، من بين وظائف أخرى).

تُعرف هذه العقاقير باسم( الأدوية المسببة للهلوسة الكلاسيكية)، وتشمل ‪LSD‬( ثنائي إيثيل أميد حمض الليسيرجيك)، والسيلوسيبين( المركب المهلوس في الفطر السحري) و ‪DMT‬( ثنائي ميثيل تريبتامين أو ” جزيء الروح”، الموجود في العديد من النباتات الموجودة في حوض الأمازون)، استخدمت مركبات الهلوسة  عبر التاريخ للمغامرات الروحية أو لزيارة الحياة الآخرة ( الإقتراب من الموت).

في القرن السادس عشر، وصف الراهب الفرنسي سكاني الإسباني والمبشر برناردينو دي ساهاجون، استخدام الفطر من قبل السكان الأصليين في المكسيك، ليقوموا بتجربة” رؤى مرعبة ومسلية”، وكيف” رأى البعض أنفسهم يموتون بهلوسة صادقة ويبكون”.

باتجاه الجنوب أكثر، في الإحتفالات ‪ayahuasca‬ التقليدية في غابات الأمازون المطيرة، لا يزال الشامانيون يستخدمون الشراب المصنوع من كرمة البانيستيريوبسيس كابي ‪Banisteriopsis caapi‬ المحتوية على‪DMT‬( يسمونها “كرمة الموتى”) للاتصال بالأرواح، في الثقافات التقليدية في وسط إفريقيا، وفي هذه الأثناء، تستخدم شجيرة إيوجا المهلوسة للحث على شعور الاقتراب من الموت كجزء من احتفالات البدء المصممة لتوسيع أذهان الشباب.

وبالفعل، فقد لوحظ أوجه التشابه بين ممارسة الهلوسة، والإقتراب من الموت لعقود، من الجدير بالملاحظة أن الشعور بالرحلة الثانية لـ ‪LSD‬ والتي جربها البشر من أي وقت مضى، قد أبرزت  عناصر الإقتراب من الموت  الكلاسيكية.

كما سجلها مكتشف المركب الكيميائي السويسري ألبرت هوفمان في 19 أبريل 1943″ جسمي يبدو بلا إحساس، بلا حياة، غريب هل كنت في حالة موت؟ هل كانت هذه عملية انتقال؟ كتب هوفمان ‪Hofmann‬ في كتابه” ‪LSD‬- ‪My Problem Child‬، في بعض الأحيان كنت أؤمن بأنني خارج جسدي، ثم أدرك بوضوح، كمراقب خارجي، المأساة الكاملة لموقفي”.

في مكان آخر، يشبه السيد تيموثي ليري‪Timothy Leary‬، عالم النفس السابق في جامعة هارفارد والمبشر البروستانتي الشعور الذي ينتاب المتعاطين بـ” تجارب‪ ‬رحلات في الموت الطوعي”.

ومع ذلك، لم يبدأ العلماء إلا مؤخرا في إجراء مقارنة منهجية، مما فتح إمكانية استخدام الأدوية المسببة للهلوسة لوضع نموذج لتجربة الإقتراب من الموت، تقول مارتيال:” يمكن للمرء أن يفترض أن بعض الجزيئات الذاتية المنشأ( التي يكونها جسم الإنسان)، هي التي تحاكي آليات ال ‪DMT‬ أو الكيتامين يمكن أن تفرز في مواقف مهددة للحياة، عندما يواجه المرء تجربة الاقتراب من الموت”.

‎التعمق بشكل أكثر
في عام 2018، أجرى فريق دولي برئاسة تيمرمان وروبن كارهارت- هاريس ‪Robin Carhart-Harris‬ في إمبريال كوليدج، بما فيهم مارتيال في بلجيكا، تجربة صغيرة طلبوا فيها من 13 متطوعا إكمال قياس راسخ لتجارب الاقتراب من الموت، بعد تناول ال ‪DMT‬  وبعد تناول حبوب دواء وهمي( على سبيل المثال، قاموا بتقييم مدى شعورهم بالانفصال عن أجسادهم، ومدى شعورهم بالسلام، وما إذا كانوا يرون نورا ساطعا).

وقارن الباحثون أيضا تجربة المتطوعين تحت تأثير ال‪DMT‬ مع تقارير ال13 شخصا كانت لهم تجربة الاقتراب من الموت حقيقية.

بعد حدث مهدد للحياة، ووجدوا أنه بعد تناول ‪DMT‬، جميع المتطوعين البالغ عددهم13 كانت لهم تجربة الاقتراب من الموت بالفعل  استنادا الى درجاتهم  المنهجية في استبيان الإقتراب من الموت، ولاحظ الفريق أيضا” بعض الاختلافات الواضحة”، بين حالات تجربة الاقتراب من الموت الفعلية وتلك التي سببها ال ‪DMT‬.

في دراسة نشرت في مارس 2019، قادت ماريتال ‪Martial‬ مجموعة أبحاث دولية أخرى اتخذت مقاربة مختلفة لنفس السؤال.

وقارنوا تشابه أوصاف أول شخص مع ما يقرب من 15000مرة بالشعور بالهلوسة بتقارير أول شخص‪first person‬بأثر رجعي من عدة مئات من الشعور بالاقتراب من الموت التي تم جمعها في بلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية، أوجه التشابه بين هاذين النوعين من الشعور( الذي ينتاب المتعاطي) ملفتة للنظر، حيث كانت طبيعة هذا الشعور التي تشبه تجربة الاقتراب من الموت واضحة بشكل خاص للأشخاص الذين أخذوا أحد دواءي الهلوسة التقليديين، والأهم من ذلك كله بالنسبة للأشخاص الذين تناولوا الكيتامين- يسمى” دواء الهلوسة التفارقي( يسبب التفارق/الإنفصال)”، الذي يستخدم في الطب للتخدير.

باختصار، أصبح لدى الباحثين الآن أدلة تجريبية غير مباشرة ومباشرة بشكل أكثر على بعض الآليات الفيزيولوجية العصبية الكامنة وراء تجارب الاقتراب من الموت، كما تقول مارتيال.

‎تعريف الموت
هناك أيضا أوجه تشابه في التأثيرات الطويلة الأجل لتجارب الإقتراب من الموت والعديد من الشعور بالهلوسة( الشعور الذي ينتاب المهلوس)، في كلتا الحالتين الأشخاص الذين مروا بهذه التجارب وصفوها بأنهم” يشعرون بأكثر واقعية من كونهم واقعيين”، ولا ينسون وملهمون على الصعيد الشخصي، على سبيل المثال وجدت دراسة أجريت عام 2019 شملت عشرات الأشخاص الذين مروا بتجربة الاقتراب من الموت أن أكثر من نصفهم اعتبروها ذاكرة معرفة للذات.

وبالمثل، فقد ثبت أن الشعور بالهلوسة لها آثار دائمة على الشخصية، حيث يصف الأشخاص في كثير من الأحيان مشاعرهم   بأنها واحدة من إن لم تكن أكثر الأحداث، لها مغزى وروحية في حياتهم.

يعتقد الباحثون العسكريون والباحثون الآخرون أن السبب في أن العديد من الشعور  بالهلوسة تشبه بشكل شخصي ونفسي إلى حد بعيد تجربة الاقتراب من الموت، وذلك لأن الدماغ، في حالة الإقتراب من الموت، يفرز مواد كيميائية مماثلة لمركبات الهلوسة أو تعمل بطريقة مماثلة لها.

داعما لهذا الحدث الكيميائي العصبي، من المعروف أن ال ‪DMT‬ موجود في أدمغة البشر والثدييات الأخرى، وقد وجدت دراسة نشرت في صيف عام 2019 أن تركيزات ال ‪DMT‬ زادت بعد أن أحدثت  سكتة قلبية في الفئران، ربما كوظيفة من وظائف خصائص الحماية/ الوقاية العصبية، اقترح باحثون آخرون أنه قد تفرز  مادة شبيهة بالكيتامين لها وظيفة وقائية مماثلة عند الإقتراب من الموت.

هناك أيضا أوجه تشابه في مستوى التغييرات التي لوحظت في نشاط الدماغ والتي لوحظت بعد السكتة القلبية ومباشرة؛ بعد ابتلاع/ امتصاص المواد المهلوسة- في كلتا الحالتين، يصبح النشاط متزامنا أكثر في كل الدماغ، هناك تكهنات بأن هذا قد يكون مسؤولا عن الشعور بالإتحاد‪oneness‬ مع العالم، والمعروف أيضا باسم” ذوبان أو موت الأنا”.

‎كيف تؤثر المواد المهلوسة على الدماغ؟
” المواد المهلوسة الكلاسيكية”مثل ‪LSD‬ و سيلوسيبين( الموجودة في الفطر/ عش الغراب السحري)، يشبهان كيميائيا ناقل العصبي السيروتونين الذي يفرز في الدماغ، ويدخل السيروتونين في العديد من الوظائف العصبية بما في ذلك المزاج والتصور/ الإدراك، عن طريق محاكاة آثار هذه المادة الكيميائية، تمارس هذه المواد آثارها العميقة على الشعور الشخصي، يعمل ال‪DMT‬( أو ثنائي ميثيل تريبتامين) أيضا عبر مسارات هرمون السيروتونين( المنظومة الذي يشتمل على السيروتونين)، ولكن أيضا من خلال طرق أخرى- على سبيل المثال، يرتبط ال‪DMT‬ بمستقبلات سيغما-1 المعنية بالتواصل بين الخلايا العصبية.

وفي الوقت نفسه، فإن الكيتامين- من بين العديد من الآثار الأخرى – يحجب مستقبلات ‪NMDA‬ الداخلة في العمل الوظيفي الناقل العصبية الغلوتامات.

منطقة رئيسية في الدماغ لتأثيرات مواد الهلوسة يبدو أنها الفص الصدغي، وهي المنطقة التي يوجد فيها الكثير من الوظائف العاطفية والذاكرة، على سبيل المثال ثبت أن إزالة الجزء الأمامي من الفص الصدغي( كعلاج جذري للصرع) تحجب الآثار النفسية لتناول مادة ال ‪LSD‬، ومن المثير للاهتمام أن النشاط غير الطبيعي في الفص الصدغي، مثلما يحدث خلال النوبات، يمكن أن يؤدي إلى أحداث مماثلة لتجارب الإقتراب من الموت.

من الآثار التي تشترك فيها مختلف مواد الهلوسة أنها تزيد من حجم النشاط غير المنظم في جميع أنحاء الدماغ- وهي حالة يصفها علماء الأعصاب بأنها( عالية الانتروبيا).

إحدى الآثار المترتبة على ذلك هو انخفاض في تنشيط مجموعة من بنيويات الدماغ التي تعرف بشكل جمعي باسم” شبكة الوضع الافتراضي”، المقترنة  بوعي الذات والتفكير المركز على الذات/ النفس، إحدى النظريات، إذن، هي أن مواد الهلوسة تثير حالة من روحانية الإتحاد مع العالم عن طريق زيادة إنتروبيا الدماغ وتثبيط نشاط استدامة الأنا لشبكة الوضع الافتراضي، ليس كل الناس مقتنعين تماما بالتفسيرات الكيميائية العصبية الحالية المقترحة.

على سبيل المثال، كتب الصيدلي الأمريكي وخبير الطب النفسي الدولي البروفيسور ديفيد نيكولز ‪Prof David Nichols‬ ورقة في عام 2018.

ناقش فيها إن تركيزات ال‪DMT‬ في الدماغ ضعيفة الى درجة لا تجعلها مسؤولة عن المؤثرات النفسية ‪psychoactive‬ التي لوحظت أثناء تجربة الاقتراب من الموت، ومع ذلك يقول إنه” كباحث علمي، أعتقد أن هناك تفسيرا كيميائيا عصبيا لتجربة الاقتراب من الموت”، تيمرمان، الذي  قاد دراسة مقارنة عام 2018 حالات الشعور الذي ينتاب الفرد من  تعاطي مادة  ال  ‪DMT‬، وتجارب الإقتراب من الموت، سمعت مخاوف نيكولز، لكنه لا يزال يعتقد أن ال ‪DMT‬ الداخلي( الذي منشأه الجسم نفسه)، قد يلعب دورا في تجارب الاقتراب من الموت، ربما إلى جانب المواد الكيميائية العصبية الأخرى.

وحتى إذا اتضح أن المواد الكيميائية مثل ال ‪DMT‬ أو الكيتامين لا تدخل في تجارب الاقتراب من الموت، فإنه يجادل بأن مواد الهلوسة تقدم نموذجا مفيدا لدراسة التجربة النفسية للموت.

“… تجربة الموت هي شيء بدأنا بالاهتمام به فقط من منظور علمي، وبالتالي فإن النماذج التي يمكن استخدامها بأمان في البيئات الخاضعة للرقابة ستكون ذات قيمة بالنسبة لنا لفهم ماهية هذه التجارب وأيضا لماذا قد يكون لها مثل هذا التأثير القوي على حياة الناس “، كما يقول:” لا تزال تجربة الموت مجالا بكرا للعلم إلى حد كبير، ولأسباب واضحة لاحظت مارتيال وزملاؤها بقلق في ورقتهم الصادرة عام 2019 أن الموت يصعب دراسته في ظل ظروف مخبرية مسيطر عليها عن طريق القياس المتكرر”.

حتى لو وفرت تجربة الاقتراب من الموت نافذة على هذه التجربة- يمكن استخدام مواد الهلوسة في نمذجة  نفس العمليات أو الشبيهة بها ودراستها – فمن الجدير بالملاحظة أن غالبية الأشخاص الذين تم إنعاشهم بعد الاقتراب من الموت لم يفيدوا عن  ذكريات من نوع ما حدث أثناء تجربة الاقتراب من الموت.

يقول نيكولز بصراحة:” نظرا لأن لا أحد قد مات فعلا وعاد ليخبرنا عن ذلك- أقصد الموت الذي لا رجعة فيه – لا يمكننا معرفة ما إذا كانت مادة ال‪DMT‬ أو الكيتامين نماذج جيدة قد ينمذج الباحثون تجربة الاقتراب من الموت، لكننا لا نعرف ما إذا كانت تجربة الاقتراب من الموت تشبه تجربة الموت”، على الجانب الإيجابي ، فإن الطبيعة العميقة التي تشبه تجربة الاقتراب من الموت للعديد من الشعور بالهلوسة قد فتحت طرقا جديدة للمساعدة في تخفيف المعاناة الوجودية للأشخاص الذين يعانون من أمراض حادة.

كما أن العديد من الأشخاص الذين خرجوا من تجارب الاقتراب من الموت الكلاسيكية أبلغوا بعد ذلك عن فقدانهم للخوف( اصبحوا لا يخافون)، بشكل درامتيكي من الحياة الآخرة، وكذلك الأمر بالنسبة للأفراد الذين سجلوا في دورات تجارب للعلاج بمساعدة مادة هلوسة  بسبب القلق الوجودي.

تقوم مجموعات الأبحاث حول العالم الآن باستكشاف هذه الإمكانيات العلاجية، بما في ذلك جامعة نيويورك وكولدج إمبريال في لندن وفي مركز أبحاث الهلوسة الذي  افتتح للتو في كلية الطب في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية،
هل يمكن أن يكون هناك خطر من أن أبحاث مواد الهلوسة، من خلال شرح تجارب الاقتراب من الموت من حيث المصطلحات الكيميائية الحيوية، لا من حيث المصطلحات الروحية، ستقوض الأمل والراحة التي يجدها الكثير من الناس في قصص تجارب الاقتراب من الموت؟ إذا كانت الأحاسيس بالنعيم والنور والحب تأتي من جزيئات الحماية العصبية  ‪neuroprotective‬ لا من كونها” اثباتا على الحياة بعد الموت”، فهل هذا مجال من الأبحاث ينبغي ألا يمس؟.

كالعديد من العاملين في هذا المجال، لا يعتقد الدكتور فريدريك باريت ‪Dr Frederick Barrett‬ من جامعة جونز هوبكينز:” اني أختلف بشكل عام مع الفرضية القائلة بأن التفسير الأساس الكيميائي الحيوي لشيء ما يقوض الشعور الشخصي أو المعنى أو الجمال أو الرهاب أو غير ذلك من قيمة التجربة”.

كما يقول:” هل تفسير فيزياء تسارع قوة الجاذبية المركزية تجعل قطار الرعب( في مدينة الملاهي) أقل إثارة أو رعبا؟ ليس بالنسبة لي، وأتصور: حتى ليس لمعظم الناس”.

تحذير: الأدوية المهلوسة مثل الفطر الذي يحتوي على سيلوسيبين هي أدوية من الفئة أ، وفقا لقانون المملكة المتحدة، أي شخص يقبض عليه وفي حيازته مثل هذه المواد سيواجه عقوبة تصل إلى سبع سنوات، أو غرامة غير محدودة، أو كليهما.

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً