عوائق الإنجاز في ثقافتنا

img

 

د/ عبدالجليل الخليفه

معادلة الإنجاز هي:

الإنجاز = الكفاءة، المثابرة، الاستقامة، العمل مع الآخرين

الإنجاز يشمل الأهداف المادية و الروحية و الفكرية و الاجتماعية، فهو كل نتاج نافع يقدمه الفرد لنفسه او لمجتمعه او لوطنه او للبشرية. و فيما يلي سنركز على بعض عوائق الإنجاز في ثقافتنا عسى أن نجد لها حلولا تؤدي الى النهوض بمستوى الأداء و الإنتاجية.

الكفاءة:

و هي تشمل العلم و الثقافة و المهارات و الخبرة. و العوائق هنا تتمثل في جانبين مهمين هما:

  • يعتبر البعض أن الشهادة الجامعية او ما بعدها كافية لتحقيق الكفاءة المطلوبة، و سرعان ما يجد معلوماته و قد عفى عليها الزمن نظرا لتسارع وتيرة التطور العلمي و الفني. يضاف الى ذلك أحيانا، ضعف الوعي الثقافي نتيجة الإحجام عن القراءة و الاطلاع على الدوريات العلمية و الاجتماعية المتخصصة. أما في المهارات، فالقدرة على الحديث و الكتابة مثلا مهمة جدا و تحتاج الى صقل مستمر و تجربة دائمة.  ولعل الخبرة العملية من أهم العناصر، حيث تعتبر عشرة الاف ساعة ضرورية لتكوين الخبرة المطلوبة. هذا في حين أن بعض الأعمال لا تضيف خبرة تذكر عدا بعض الإجراءات الإدارية و المعاملات الكتابية.
  • مما يؤسف له، أن بعض الكفاءات لا يتم الاستفادة منها سواء في التوظيف او في الترقيات في المناصب لأسباب غير مهنية، بينما يتم توظيف و ترقية من هم أقل كفاءة، مما يسبب ردة فعل سلبية و يضعف الأداء العام لبعض الشركات و الأعمال.  إن البحث عن أسباب هذه الأمور مهم جدا ليتم وضع حلول رقابية عليها تعتمد على الشفافية في المقابلات الشخصية و في الترقيات الى المناصب المهمة.

المثابرة:

  • يستاء الكثير من المثابرين من عدم العدالة في تقرير الأداء او التوظيف او الترقيات مما يضعف أداؤهم تدريجيا فتقل مثابرتهم كردة فعل لسوء المعاملة التي تعرضوا لها.
  • إن المنافسة الشريفة تحقق المثابرة و ترفع مستوى الإنجاز.  و لكن حين تغيب المنافسة نتيجة عدم العدالة، لا يحتاج أهل الحظوة الى المثابرة نتيجة ضمانهم التقدير و الترقيات دون تعب، بينما تموت جذوة النشاط لدى المثابرين الذين يتعرضون لسوء المعاملة.

الاستقامة:

يرى البعض أن الاستقامة الأخلاقية ستكون مقيدة للتصرف و كابحة للإنجاز مقارنة بالبراغماتية التي تعتبر أن النفع المادي هو المقياس الوحيد للصواب.  و الحقيقة أن الاستقامة هي الالتزام بالطريقة التي تحقق سمو وتكامل الأنسان روحيا وماديا ليكون سيد هذا الكون فيؤدي دوره في عمارة الأرض وحضارتها.  و حيث أنها تهدف الى تحقيق التوازن بين جانبي الإنسان الروحي و المادي ، و ذلك صعب المنال، فإننا نلاحظ الكثير من الإفراط و التفريط في حياة الناس.

الإفراط في جمع الثروة:

يسعى البعض على مستوى الأفراد و الشركات لجمع الثروة دون مراعاة لأبسط المقاييس و الحقوق الاجتماعية. و الاستقامة هنا تلجم الإفراط و تعالجه، فتحرم الغش و الاحتكار و التجارة في المحرمات و غصب الآخرين حقوقهم مثلا، و تهدف الى  المحافظة على إنسانية الفرد فلا يكون سبعا ضاريا ينهب الآخرين حقوقهم ليكدس الثروة و لا يصرفها في أوجه الخير و الإحسان.

 

إن من أوضح الأمثلة على هذا الإفراط:

  • الفساد المالي بما يمثله من هدر للأموال و تأخير للمشاريع و تعطيل للإنجاز، و لذلك تسن القوانين و يتم متابعة و مراقبة الأداء لمنعه و التقليل منه.
  • الفساد الإداري الذي يتمثل في محاباة الأقرباء و تنحية الآخرين و حجب الثقة عنهم و تخصيص الفرص للأقرباء قبليا و غيرها.  إن ترقية عديمي الكفاءة  قد يلحق الضرر الفادح بالتنمية الاقتصادية نتيجة سوء القرارات الناتجة عن عدم خبرتهم و سوء ادارتهم.

 

التفريط في كسب الرزق الحلال:

ينزوي البعض عن الحياة فيهمل السعي في طلب الرزق بحجة التفرغ للعبادة، و هي شبهة يدعمها الجهل في فهم التراث أحيانا.  و لعل نظرة بسيطة في آيات القرآن الكريم و الروايات تنير لنا الطريق للوصول الى التوازن المطلوب، فقد جاء في القرآن الكريم: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، وقال الإمام علي عليه السلام (أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)، و روي: (ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه)، و روي : (ليس الزهد أن لا تملك شيئا و لكن الزهد أن لا يملكك شيء)، و روي : (الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله)، و قال تعالى:(ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا و جهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)، و قال تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية).

 

الوسطية بين الإفراط و التفريط:

يحقق الزخم الروحي التوازن بين مطالب الدنيا وغايات الآخرة، فيصب في صالح العمل وكسب الثروة والسعادة الدنيوية ويجعلها سبيلا للسعادة الأخروية. إن الغني الشاكر المنفق على المحتاجين مثال للعبد الصالح السعيد دنيا وآخرة.

 

الاستقامة تشجع الحركة والحياة وتحارب الانزواء والكسل.  الاستقامة تعني العمل للدنيا والآخرة معا، فمن يكسب وينفق لمساعدة المحتاجين قد يكون مصداقا لقوله سبحانه و تعالى: (و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). الاستقامة تعني الإحسان و البر بالآخرين و هو ما وعد الله عليه بالخلف و النمو و البركة.  الاستقامة تعني محاربة الفساد المالي والإداري و السعي حثيثا لتحقيق التنمية في أوطاننا العزيزة.

هذه هي الثقافة التي يحتاجها المجتمع فالعمل عبادة، والثروة خير عظيم لأنها سبب ووسيلة للعزة وللإحسان الى الآخرين.

 

العمل مع الآخرين:

هناك رواسب في ثقافتنا تعزز الخوف من المشاركة مع الآخرين لأنها كما يدعي البعض سبب للمشاكل و النزاعات التي تهدد مستقبل الأعمال الحرة، و يضربون لذلك الكثير من الأمثلة التاريخية التي تؤكد هذه الثقافة.  والحقيقة أن أي شراكة مع الغير يجب أن تكون وفق ضوابط مكتوبة و مقننة و متفق عليها و من ضمنها ضمان حقوق الكل في حالة الانفصال مستقبلا لتبقى حالة الأخوة بين المتشاركين دون الإحساس بالظلم و الهضيمة. إن سبب أغلب النزاعات التي يذكرها البعض هو عدم وجود الأنظمة المكتوبة المتفق عليها من الجميع مما يجعل الوضع قابلا للتأويل و النسيان و اختلاف الرأي.

الأعمال التجارية و الصناعية تحتاج الى رؤوس أموال ضخمة و عقول إدارية حكيمة و هذه لا تتوفر غالبا في شخص واحد او أسرة واحدة.  كما أن الشراكة توزع المخاطر بين المتشاركين فتسمح بتوزيع الفرص و المخاطر على جميع الأطراف المشاركة. لذا فالشراكة المبنية على أسس صحيحة أصبحت ضرورة قصوى للمنافسة في الأسواق المفتوحة حاليا و التي يغلب عليها ثلاثة أمور:

  • الشركات ذات الخبرة العالمية
  • رؤوس الأموال الكبيرة
  • الإدارة الحكيمة

 

لذا فإن ثقافتنا تحتاج الى تغيير في المفاهيم لتسود فكرة الشراكة المقننة والواضحة بين جميع الأطراف و من كافة الأطياف في أوطاننا العزيزة.

 

أسأل الله التوفيق والسداد وأن نعمل على تشذيب ثقافتنا الاجتماعية بالفهم الصحيح لمفاهيم الكفاءة و المثابرة و الاستقامة والعمل مع الآخرين و تطبيق الحلول لمعالجة العوائق المذكورة.

بقي علينا سؤال هام و ملح جدا عن مستوى الإنجاز في مجتمعاتنا، و كيف نحفز الإنجاز للنهوض بمجتمعنا في كل المجالات المادية و الفكرية و الاجتماعية؟  نسأل الله  أن نوفق للإجابة على هذا التساؤل مستقبلا.

 

اترك رداً