ورطة سفر! (الجزء الثاني)

img
صادق العليو
0 الوسوم:, ,

هناك البعض من الناس لا ينقضي عليه الشهر إلا ويكون قد سافر مرة أو مرتين أو أكثر خارج وداخل البلد حتى يصبح السفر شيئ طبيعي واعتيادي جدا في حياته ويمكن تنمل أطرافه أن لم يركب الطائرة كم مرة في الأسبوع، بينما هناك أناس السفر بالنسبة لهم شيء كبير ويحتاج الكثير من الاستعداد وشراء
وتجهيز الملابس المناسبة والاحتياجات الخاصة، وهي لا تقبل أن تسافر بشكل مجرد بل ترغب أن تضم مع السفر (أن كان للعمل) كم يوم متعة وأجازة لاكتساب المعارف والخبرات في التجول بين دهاليز الأسواق والمجمعات والأماكن الترفيهية والمنتجعات، وهي تردد مقولة “عندما أسافر فلابد بعد إنجاز المهمة عمل حساب كم يوم للاستجمام”، وهذه الناس بالغالب ليست مستعدة للسفر وتحتاج لفترة تأهيل قبل السفر
في كل مرة خصوصا الغير متعود على لبس الملابس الافرنجية، فترى الواحد منهم محتاس في ترتيب شنطته وكيف يلبس ربطة العنق أو يعلق حمالات البنطلون من تحت القميص أو فوقه إلخ، وبعضهم يفكر في تفاصيل دقيقة منها شراء بيجاما بدل ثوب البيت وحذاء بدون خيوط أسهل إلى اللبس وعلى ذلك قيس في كل سفرة جديدة تواجهه.
أتذكر أن لي زميل كثيرا ما يتذمر عندما تأتي له سفرة للخارج من أبو أسبوع أو أكثر وبالرغم من أن العمل يغطي جميع نفقات السفر بما فيها البقشيش وما يحتاج أن يعاني من صرف جنية أو دولار لأن بطاقة الائتمان تلبي طلباته بالصرف أين ما كان، ولكنه استمر بالتذمر وحجته في ذلك أن سفرات العمل باتت تكلفه ميزانية كبيرة لا يستطيع أن يسايرها، فالأهل والأصحاب يرهقونه بالطلبات وقائمة التوصيات أشي أحذية وملابس وإكسسوارات وأن كان من بلد تراث فالتحف والتذكارات وأن كان رايح أوروبا فيا ويله ويا سواد ليلة وبياض جيوبه لأنه القائمة ستشمل ملابس من ماركات هاي وعطورات غالية الأثمان وأخوه المسكين يصرخ يستغيث من حاله الصعب وعلشان يرضي العمل بإنجاز المهمة لازم يتسلف هو يمكن راتب شهرين أو أكثر ليسدد ديون السفرة المنحوسة والحال يتكرر من دون رحمة والمدام والعيال طلباتهم وشهيتهم تزيد مع كل علبة هداية أو قطعة ملابس جديدة ، حتى أن جاء يوم وسرق منه شنطته التي حوت أغراض وملفات وجواز سفره، وطبعا لاستخراج جواز بديل هناك إجراءات ومتابعات وتحقيقات أخرته عن عدم الوفاء ببعض السفريات وصارت له هذه المحنة كالنعمة حيث وفرت الكثير من المصاريف اللانثرية والتي تخرج من جيبه قسرية، وشكر صاحبنا الظروف وحتى بعد أن أصدر الجواز البديل تلكك أمام مسئولة بعدم خروج الجواز وجلس على هذه العادة أشهر طويلة يتلذذ بموجبها بنعم الراحة والتوفير من السفر ومصاريفه البغيضة.
o       وعلى سياق الذكر فقد كانت إحدى مهمات السفر الطريفة قد شملت إحضار عروس بكامل أناقتها من بلدها ومرافقتها لحين زفتها في المطار عند الوصول وإلى شقة زجها كبير المهندسين الذي ضحى بتأخير دخلته على عروسة لحين إنجاز المشروع الذي يشرف عليه فكان من إدارة الشركة أن رتبت له حفل الزواج في المنطقة وأحضرت له زوجته من بلده إلى الصالة، وكنت حينها في عز شبوبيتي ولم أكن قد تأهلت بعد وقد صدر لي التكليف بالسفر إلى الشام برحلة مدتها يومين والعودة مع أمانة خاصة بمدير الشركة (بدون تحديد نوعية الأمانة!) ولأن المهمة بسيطة فلم يكن هناك داعي للتسويف فشددت حقيبتي الصغيرة مرددا في نفسي أنها مجرد يومين والمشوار قصير، وبعد الوصول إلى الفندق حيث المبيت زارني مساءا ذلك اليوم رجل ختيار (كبير السن) يبدو عليه سمات الصالحين ووجه لي دعوة للغداء وأخبرني أن الأمانة التي أتيت لأجلها ستكون جاهزة خلال ثلاثة أيام!، ولأني لا أستطيع الانتظار اتصلت بالمدير لأخبره التأخير فأصر على عدم الرجوع بدونها وصرح لي رسميا بالتسيح والتنزه على حساب الشركة (يعني إجازة بالأمر) ولقتل الوقت بالسياحة لحين اكتمال تجهيز الأمانة، وقبلت دعوته وكانت شيئا غير مصدق إذ فرش أمامي سماط حوى على جميع الأكلات التي صنعت منزليا وخيل لي أن المعزومين كثار ولكن لم يكن هناك إلا أنا والشيخ وأحد أبنائه وقد أكلت رغبة بالأكل كم لقمة ولكنهم أرغموني على تذوق كل صحن وأكل لقيمات من هنا وهناك حتى أحسست أنني صرت كخروف العيد الذي يسمن بشكل مبرمج للذبح، وقد تعرفت لديهم على أفراد عائلتهم وكان بينهم بنت صبيه خجولة جدا أفادوني أنها سترحل أيضا إلى السعودية ولكنني لم أكن مركزا بالكلام وبالتالي لم أعِ ماالحكاية ولا زلت معتقدا أن الأمانة هو شيئا ما جماد علي استلامه منهم وتسليمه للسيد المدير، ولم أعرف ما كان مخبأ لي حينها.
o       وعند لحظات الاستعداد للسفر جاءت للفندق سيارة فارهة شبه رسمية وترجل سائقها ليدعوني أن كنت جاهزا لمرافقته للمطار وقلت أنا بانتظار الأمانة ولكنة أكد بأنني سأستلمها بالمطار، وبالفعل وصلنا هناك وبعد تدقيق وتشييك العفش والتذاكر كانت هناك مفاجأة من النوع الثقيل جدا، وإذا بالبنت الخجولة التي رأيتها منذ وقت في بيت أهلها تقف أمامي لابسة الرداء الأبيض وهي بكامل حلتها البهية وجمال العروس الصبية وإذا بوالدها العجوز يربت علي يدي ويقول بنتي أمانة معك توصلها ليد زوجها الذي سيكون بانتظاركم وعائلته بالمطار عند الوصول، ولكن يا عم هل هذه هي الأمانة التي كان المفروض بي حملها راجعا؟ نعم قال باختصار فأحفظها، وأنا أتحملق قليلا خجلا مرة ومستغربا مرات إذ لم أكن أتصور هذا الموقف أو أستعد له من قبل.
o       وسرت مرة أمامها ومرة بجانبها ومرات مبتعدا عنها ولكن نظرات الناس والمسافرين من حولنا تحملق بنا ومنهم من يدعو ويبارك ويهني ومنهم من يهمهم ويولول وبدا على مرافقتي العروس الزيادة من الخجل وهي تحمل مسكة ورود بيديها تخفي بها وجهها وتستر خجلها، ودخلنا الطائرة حيث جلست بجانبي وعندها تلعثم لساني فماذا علي أن أحادثها طوال الطريق وأنا لم أعرفها سوى من دقائق قليلة، وفكرت كثيرا كيف أرفع عني الخوف وأن أخفف عنها من الخجل فسألتها عن زوجها وكيف عرفته ومنذ متى وأيضا كيف خططوا لهذا الزواج بهذه الطريقة اللطيفة والغريبة، وثم بدأت أشرح لها قليلا عن البلد والبيئة والمجتمع وأنا أتطلع على ساعتي عدة مرات في الدقيقة وما أن حطت بنا الطائرة ودخلنا المطار ولمحت فرقة الاستقبال تحمل الورود وتردد الزغاريد حتى شعرت بثقل عظيم ينزاح عن صدري، وحيث وصلنا من سويا فقد تم استقبالها استقبال حافل ومشى الجميع برفقتها بزفة وموكب بهيج وحافل بينما لم يفتكر أحد بي أو حتى يعرض توصيلي للبيت! فقلت في نفسي صحيح من لقي أحبابه نسى أصحابةّ وعدت متأبطا شنطتي منتظرا من يوصلني المنزل وورطة سفر أخرى

صادق عبدالله العليو  sadiq@alelew.com

اترك رداً