أقلام

كورونا مابعدها وماقبلها

منى الصالح

كما أن الطفرات الجينية تُغير في خريطة الفرد سواء بطريقة إيجابية أو سلبية، فإن ماتحدثه في طبيعة حياة الفرد لايمكن تجاوزها، فما قبلها لا يمكن أن يكون مثل مابعدها.

وكما ذكرت في مقالة سابقة أن ما نمر به في الوضع الحالي الأستثنائي؛ هو أحد صور القيامة في معناها القيام بعد الموت وإعادة تقويم ما أعوج منها.

فهل ستعود الحياة مابعد كورونا كما هي كانت قبلها ؟

حين تعيش السنن الكونية، وتكن من شهود هذه الطفرات الكونية، التي تقتضيها طبيعة هذا الكون المعجز، سواء كانت بإرادة بطلها الإنساني، أو أحد ملائكة الله الموكلين بحمايته. كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُعَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(6)الصف

فأنت ممن أنعم  عليه الرب، وستدرك كم ستضيف عليك من الحكمة والنور والوعي والبصيرة.

حينها ترى بأم عينك ماكنت تخاله ليس له وجود إلا بين دفات الكتب، وتنظير الفلاسفة والعلماء.

أن تقرأ أن متوسط عمر الإنسان حصل له طفرة من سن ٣٣ إلى ٦٠ بفعل المعجز التي أحدثه اكتشاف الإنسان للمياه النظيفة واعتياد سلوك بسيط هو غسل اليدين، وهل يمكن لنا تخيل الحياة قبل أن يكتشف جيلبرت الكهرباء، ويخترع أديسون المصباح، لننعم اليوم بكل هذا النور؟!

لنكن أكثر بساطة، وببعد آخر مازلت أتحسر أن والدتي توفيت دون ترى تحقيق حلمها الذي كانت تعتبره مجرد حلم، وفاة الطاغية صدام حسين، فنحن كنا  شهود إحدى السنن الكونية التاريخية هو نهاية الفرعون مهما طغى وتكبر وعاث في الأرض الفساد فلابد أن تتحقق العدالةالإلهية والسنة حين تتحقق الشروط.

هل الحياة قبل الأنترنت كما هي بعده؟

نحن الذين أنعم الله علينا أن نشهد هذه الطفرة حين نفكر بها يمر علينا السؤال كيف كنا نعيش، فكيف بجيل لم يشهد تلك الفترة، فهو لا يتخيل الحياة بدون تواصل، بدون جهاز صغير يجعل العالم كله بين يديه ؟!

هل يتخيل كيف كنا ندرس، نقرأ، بل كيف كنا نعمل بحثا دراسياً يستدعي الحصول على مراجع وبحوث وكتب ؟!

واليوم نحن نشهد حدثاً استثنائياً، وطفرة كونية غير مشهودة، تتنفس فيها الأرض، كما تهز الإنسان في أعمق نقطة بإنسانيته، كما تحدث خللاً اقتصاديا  وسياسياً هائلاً .

تحولات علمية واجتماعية ونفسية غير مسبوقة.

ومع كل هذا الهلع العالمي الذي انقطعت له الأنفاس، وهدوء حركة الحياة، بل توقفت تماماً على المستوى الخارجي، ومع كل هذا فنحن نشهد تحولات عجيبة، تجعل الحياة تسير مع توقفنا، فهل هي من تلك الطفرات التي تعيد برمجة الحياة؟

فمن خلال ملاحظاتي البسيطة ومع كل الخسائر الاقتصادية التي قد تكون لها أضرار جسيمة على مستوى الأفراد، والدول والتي ستتعافى منها بطريقة أكثر عدلاً وأكثر نضجاً ووعياً بشرياً.

نجد التعليم يستمر والطلاب رغم مكوثهم بالمنازل فهم يواصلون تعليمهم وقد تكون بطرق أكثر نفعاً، وهذا ما يفتح البصيرة لمستقبل التعليموهل سيكون التعليم مابعد كورونا كما هو قبلها ؟ !

والملاحظة الأجمل هذا التلاقح الفكري والأنشطة الثقافية، والندوات، والمحاضرات التي زادت أضعاف كثيرة عما قبل، بل الندوة التي كانت تأخذ استعداداً ومجهوداً أكثر مع حضور قليل، أصبحت متاحة بشكل أفضل وأيسر  وحضور كثيف، الآن أجد الشابة التي كانت تشكو الملللعدم حصولها على وظيفة أو مقعد دراسي تقول لاوقت عندي ففي الصباح ألتحقت بأحد الكورسات المعتمدة من إحدى الجامعات، وفيالمساء مشغولة بورشة تعليمية حرفية، وقبل النوم أخصص وقتا  لحضور أمسية أدبية  أو ندوة ثقافية .

هذا الزخم الثقافي، الدورات التخصصية، الورش، الكتب، والبحوث بل مكتبات عالمية كنت تحلم بزيارتها أصبحت بين يديك، وبطرق لاتشعرك بالاختلاف عن الحضور المباشر .

العجيب بالأمر والذي شهدته بنفسي أنك تحضر برنامج متكامل عبر أبسط وسائل التواصل وهو الواتس وتندمج وتناقش وتشاهد مقاطعفيديو وعروض وتنسى في خضم الحماس أن كل هذا يحدث دون تجمع على أرض الواقع .

على المستوى الصحي فهل كنا نتخيل أن جيل المطاعم والكفيات قادر على كل هذا الإبداع والجمال، وبمقاييس أكثر جودة وصحة.

هل استطاعت هذه الخلوة بإبعادنا عمن نحب، فلربما كانت هذه النقطة هي الأصعب ، ببداية الحجر كان الأمر مؤلم، ومع عمق الحب الذي يتمثل بالبعد لحماية من نحب، بدأنا نتواصل وكأننا نتحولق حول مائدة واحدة، بل تراحمنا بمن كنا نستثقل زيارتهم لبعد المسافة، وكثرةالاشغال، فنجد الكثير من العوائل يحددون ساعة للتواصل العائلي فيجتمع منهم بدول مختلفة بل بقارات متعددة .

الجو الأسري وممارسة كلا الوالدين دورهما، فحان الوقت ليمارس الذكر جزء من أنوثته ويستطعم معنى الحنان والاحتواء، بل حتى الطبخ في الوقت الذي يتابع عمله ويمارسه وهو في منزله .

هل تخيلنا لمجرد خيال أننا قادرون على ممارسة كل تفاصيل الحياة الصغيرة ونحن داخل كهوفنا لانخرج منها إلا للضرورة .

وبعد كل مامررنا به، وكل ماكنا عليه شهود فهل ستعود الحياة بعد الكورونا كما كانت قبلها ؟!

أم أن أحفادنا سيقرأون كيف كانت حياتنا، وسيعجبون  ككتعجب أولادنا من حياة بلا أنترنت ولا هواتف ذكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى