ورطة سفر! .. الرابعة                                       

img
أقلام 0 بشائر الوسوم:,

صادق العليو

من عادة السفر أن يكون له تأثير معنوي ونفسي على الكثير من المسافرين وأحيانا على من يرتبطوا بهم أيضا خصوصا أذا ما أصبح متكررة أو كان السفر طويلا ولمدة كبيرة ، والمقصود هنا هو سفر العمل لا سفر السياحة والاستجمام ، فبعض الناس يمتهنوا السفر كالطيارين والبحارة وجميع سائقين وساط النقل البعيد ومن مثلهم والبعض لا يمتهنه ولكن طبيعة عملة تتطلب أن يجدول نفسه على السفر أيام محدودة ومعينة كل عام أما لحضور مؤتمرات أو ندوات أو دورات أو حتى أنجاز مهمات موسمية متعارف عليها مسبقا ، المهم كل هؤلاء تراهم يتعاطوا مع سفراتهم وهم بكامل الاستعداد النفسي وكأنهم لن يسافروا أو يغادروا بل سينتقلوا للغرفة المجاورة وسيعودون ثانية ويمكن الواحد منهم يختفي ولا يودع أحد لا صديق ولا قريب فلماذا يشغل الناس وهو كل يوم على هذه الحال ، ونرى في المقابل أشخاص تنقلب حالهم رأسا على عقب لمجرد علمه بأنه سيسافر ولو ليومين ومش مهم فين مسافر ، المهم أنه سيبتعد عن محيطة الذي أعتاد عليه ، فنراه مرتبكا منزعجا وربما مهموما أو مبتهجا بشكل لافت للنظر وربما يبالغ باستعداداته بشي يرهقه ماديا فتراه يشتري ملابس جديدة وبكمية غير محسوبة بدقه أو يصرف كمية فلوس إلى عملات أجنبية نقدية دون أن تكون في باله ميزانية محددة وأحيانا يضيف إلى النقد شيكات سياحية وبطاقات ائتمان من عدة أنواع وكل هذا وذاك والمشوار ربما يكون ذاهب إلى دبي لثلاثة أيام أو أقل! والبعض يتصل بأهله وأصحابه يطلب أبراء الذمة والتحلل مما بدر منه والناس تسأل أن كان سيجرى له عملية خطيرة أو أنه سينتقل لمكان جديد وديره أو أنه يحتضر ويستعد لمقابلة الحفيره ، أو هذا أو ذاك كلها تساؤلات فيأتي الجواب لا بل أن الأخ رايح يقابل عمال من الهند أو من السند وسيعود بعد أسبوع!.

كانت أحدى المهمات التي جاءتني على عجل ودون سابق إنذار زيارة أبو ظبي لمهمة سريعة ستستغرق نصف نهار ولازم أكون هناك على مهب الريح ومع أول خيوط الصبح ومع صياح الديك الفصيح، والحل الوحيد طائرة الثانية عشر مساءا إلى مطار أبو ظبي ، ولأنني سأحتاج تأمين سكن للمبيت عجزنا الحصول على غرفة أو قرقور لليلة احد لوجود موسم وزحمة حجوزات فاضطررنا للمزايدة في الطلب لغاية ما حصلنا على حجز لجناح فخم بفندق خمسة نجوم ولكن لليلة واحدة مع التشديد والأجرة بعد التخفيض الخاص عن ليلة واحدة فقط تساوي مجموع رواتب كلا من الفراش والسائق والمراسل والسكرتير شهرا كاملا ! ولكن ما في اليد من حيلة ، ولابد من القبول وعندما وصلت المطار للمغادرة ، تفاجأت بمظهر غير طبيعي حوالي في المطار نفسه وبدءا من كاونتر الاستقبال مرورا بالجوازات وانتهاء بقاعة الترانزيت انتظارا للطائرة فقد كان غالبية المسافرين بصحبتي عبارة عن خادمات عائدات إلى بلادهن وغالبيتهم من الجنسية الأندنوسية ، وهذه ليست المشكلة أو الملفت للنظر بل ما قشعر بدني هو مشاهدتي لهذا الحشد الكبير منهم دفعة واحدة وهن تقريبا في كامل زينتهن وفاخر ثيابهن والكثير منهن بدون حجاب لأسباب لم أفهمها فالشعر مسدول حتى الخصر وكأنهن ذاهبات لحفل عرس أو ما شابه ، والغريب أن أشكالهم لم تكن هكذا بالتحديد عند كاونتر العفش بل الغالبية بدو مستورات بملابس نظيفة ، ولكن ما أن اجتازوا صالة الجوازات حتى الغالبية عبر غرف الحمامات تغيروا لأشكال صعب أن ينطبق عليهم أسم خدم أو شغالات وبدت حالتهم وكأنما هي حالة تمرد على ما مروا به خلال وجودهم بالعمل وتمنيت حينها لوا نسائنا ينظروا هذا المظهر ولكنني تراجعت وقلت الستر أبرك ويمكن لو الحريم شافوا ما شفت كان ولا خدامة منهن يتم استقدامها ، ويغيروا الأتجاة إلى منغوليا أو مناخوليا والله العالم يمن أفريقيا الوسطى ،الخ.

حاولت أغمض عيوني وأتجاهل مايدور حوالي بالرغم من صعوبة ذالك وتظاهرت بعدم الاكتراث وأحيانا أتمشى بالممر وكأني مفتش رايح جاي بدون سبب وأنا متضجر لحين ما أعلن عن الإقلاع وبلحظات كنت أو الداخلين للطائرة وما ووصلت على الفندق إلا الساعة الثانية والنصف صباحا وكنت داخل الجناح الفخم الساعة ثلاثة يعني يا دوب غفوة قبل أذان الفجر والنادل يشرح عن مميزات الجناح وحالي يقول له خلص أبغي أنام فدعت له بقشيش دسم ليطلق سراحي كي أنام وهم مسرعا بالخرج ورميت نفسي على السرير بدون تغيير ولا تحويل متمددا ومسترسلا بالنوم ، وعند صياح الديك وجرس الهاتف المنبه للصلاة فركت عيناي لأتفحص وين صار الحمام وفتحت الباب لأدخل فإذا بي داخل قاعة ثانية كبيرة بها غرفة نوم فخمة جدا وتلفزيون ضخم ومؤثرات جانبية ودولاب ملابس كبير وطاولة بجميع التجهيزات المكتبية ثم باب آخر للحمام ، ولم أستوعب المنظر كثيرا عندما دخلت ولكني بعد خروجي من الحمام بدئت أتفحص وين أنا كنت نائم وإذا بي كنت نائما على الكنبة الوثيرة في القاعة المرافقة للجناح ومن كبر الكنبة وكثر تعبي لم تستشعر أضلاعي بأنها كنبة وليست سرير! يعني واصل متأخر جدا وتعبان جدا والحجز مكلف جدا، جدا وفوق كل هذا طلعت نايم على الكنبة! ما علينا كملت النوم على السرير في غرفة النوم ومن ضخامته كنت أدور بجسمي كاملا داخلة كعقارب الساعة ولم أحس بأي تغيير أيا كانت جهة النوم يعني فعلا نومه جميلة ، وجاء الصباح المزعج ورن الهاتف المنكد لتأكيد وجود السيارة بالانتظار وضرورة الخروج بالحال ، وبالرغم من أن الحجز يشمل الفطور الفخم إلا أنني خرجت مسرعا على لحم بطني طاويا بدون فطار ولا حتى بله ماء من الثلاجة.

عندما أنجز العمل وكان لابد من العودة للفندق لأخذ بقشة ملابسي أن صح القول لأن فيها غيارين فقط فالمهمة هي ليوم واحد والثاني كان للاحتياط فقط ، وقد وصلت على أمل أن ألحق بوفية الغداء ولكني تأخرت لحظات وعز على نفسي أن أدخل آكل والعمال تسحب الصحون من أمام وجهي معلنة نهاية وقت الغداء، فلملمت الآم جوعي وذهبت إلى جناحي الذي أصبح مكسورا وأخذت شنطتي الصغية وقبلها أخذت دوش سريع فقط لأبرر دفع المبلغ الكبير دون الاستفادة من الخدمات ، وأكملت غذائي بالمطار على سندوتش تونة وعصير ، وعند عودتي للمكتب قابلني أحد الزملاء والذي لم يكن يعرف عند مغادرتي السريعة عن سفرتي الفجائية ، وقال لي الحمد لله على سلامتك ، وكيف الجناح الوثير ؟ يقولون أنك ما خرجت منه وجئت بالمهمة إلى الجناح بدلا من ذهابك لها ، أكيد مين قدك من جناح لورك! ولسان حالي يقول من لا يعلم يقول متهني!.

 ملاحظة : مواقف السفر طريفة وعديدة ومتنوعة ولكني ورغبتا للمحافظة على مذاق القارئ كي لا يمل آثرت اختصار هذه السلسلة على أربع حلقات  فقط، وربما في المستقبل نكتب المزيد من حلقات السفر الطريف.
sadiq@alelew.com

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً