من يطفئ الحرائق؟

img

د/ عبدالجليل الخليفه

في عالم الأعمال و الشركات، يتحمل رئيس الشركة الناجح مهمة الحفاظ على روح الفريق فيقضي نصف وقته تقريبا يطفيء الحرائق التي لاتفتأ تشتعل بين وقت وآخر بين أعضاء الفريق الواحد سواء بين المدراء او بين نواب الرئيس او غيرهم. هذه الحرائق ليست النار الطبيعية المحرقة و إنما هي نار أشد وطأة لأنها تشتعل في القلوب و لاتراها الأنظار و قد تؤدي الى إنهيار الشركات، و ربما العوائل و المجتمعات لاقدر الله.

رئيس الشركة يملك فهما أكثر و أشمل لقضايا الخلاف بين الإدارات المختلفة فيقدم مقاربة مقبولة من جميع الأطراف فيرأب الصدع و يرتق الفتق و تعود المياه الى مجاريها. أما لماذا تشتعل نيران الإختلاف في الرأي بين أعضاء الفريق الإداري في الشركات؟ فأحيانا لحسن نية الأطراف فقد يتنافسون على موارد الشركة المحدودة مما يؤدي الى تنازعهم، و أحيانا نتيجة رغبة أحد الأطراف في الإستئثار بكعكة الرئيس و التزلف اليه بأداء مهمة تختص بها الدوائر الأخرى، و أحيانا آخرى نتيجة الفشل في أداء مهمة معينة فيلقي كل فريق اللوم على الفريق الآخر، و هكذا قد توجد أسباب لاحصر لها تتجدد يوميا حسب الظروف.

و هنا يكون الدور الحاسم و الضروري لرئيس الشركة الناجح فهو من يشم رائحة الخلاف قبل ظهوره و يدرس نفسية الأطراف المختلفة و يقدم الحلول المقبولة و المقنعة لجميع الأطراف. لذا ترى الرئيس دائما يلعب دورا حياديا و ذكيا جدا في حسم الخلافات قبل ان تستفحل حتى لا تنهار منظومة الشركة الإدارية و تفشل. الرئيس الناجح يشبه الخيمة التي تظلل الجميع فهو الأب الحاني و الأخ الكبير المقبول من جميع الأطراف.

أما هل تحتاج العائلات لمن يطفيء حرائقها؟ فالجواب نعم. فكل مجموعة من البشر تتشارك في موارد معينة و تتنافس لتحقيق رغبات معينة قد تختلف فيما بينها و هذا الخلاف قد يكون سببا في تمزقها و اندثارها. لذا يوجد غالبا على مستوى العوائل شخص ذو قلب كبير يحمل مسؤولية إصلاح ذات البين، فهو حيادي، حكيم و مقبول من جميع الأطراف. قد يكون هذا الشخص أكبر العائلة سنا او أغزرهم علما او أتقاهم دينا او أكثرهم وجاهة او أسخاهم كرما فهو من يرجع اليه بحثا عن ساحل النجاة من الفرقة و الخلاف.

و السؤال المهم هو هل تحتاج المجتمعات لمن يطفيء حرائقها؟
الجواب: نعم، بل الف نعم. المجتمعات فسيفساء جميلة من أصناف شتى و ميول مختلفة و نوازع متباينة، فلا يمكن لها أن تخلو من موارد الخلاف. هذا الخلاف قد يكون لاختلاف ثقافاتها و تباين آرائها في ماضيها و مستقبلها. و مع ذلك لايستغني فرد من هذه المجتمعات عن الأفراد الآخرين فهو منهم و هم منه، يعمل معهم و يعيش في كنفهم و يستظل بخيمتهم و يفتخر بأنتمائه اليهم. و لذلك يتوجب اطفاء حرائق الإختلاف منذ بداياتها قبل ان تستفحل و يستعصي أمرها.

أما من يطفيء الحرائق هنا؟ فهو صاحب القلب الكبير المحبوب و الحيادي و الفطن لخوافي الأمور و الحريص على مستقبل الجميع. إن سعة الصدر و حسن الظن و الحيادية و عدم السماح بالتعدي على شخصية الآخرين و سمعتهم هي الصفات الضرورية لمن شاء ان يتصدى لهذه المسؤولية العظيمة. هنيئا لمن يؤدي هذا الدور فقد ورد: (اصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام).

اترك رداً