فلسفة علم الأعصاب وما بعد الإنسانية

img

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

إن تاريخ البشرية هو تاريخ تقويم الذات/ النفس، وجزء من ذلك التاريخ هو السعي  للحصول على الإشباع [الإشباع gratification هو إرضاء رغبة، أو بلوغ هدف أو خفض دافع] الكيميائي العصبي.

باستثناء الحالات النادرة من الأمراض العقلية، التي يكون فيها سلوك السعي للحصول على الإشباع غائبا.

معظم الناس، في معظم الأحيان، يسعون للحصول على الإشباع، ونظرا لأن البحث عن الإشباع هو “القاعدة/ المعيار”، وجدت الأبحاث الطبية أساليب لدعم هؤلاء المرضى، الذين تأثرت دارتهم circuitry العصبية، والكيميائية العصبية لسلوك البحث عن الإشباع.

ومع ذلك، في العقود الأخيرة، وخاصة في القرن الحادي والعشرين، علوم الأدوية (فارماكولوجيا)والتدخلات الجينية، والتكنولوجيا الطبية الحيوية وضعت حلولًا متقدمة.

لتعزيز الإشباع الكيميائي العصبي أبعد بكثير من الاحتياجات العلاجية، مناقشات التعزيز/ التحسين البشري [“التغيير الطبيعي، أو الاصطناعي، أو التكنولوجي لجسم الإنسان من أجل تعزيز قدراته البدنية أو العقلية”، أصبحت أكثر شيوعا في الآونة الأخيرة، حيث يتم أخذ واقع التحسين البشري في على محمل الجد في مستقبل العمل والأخلاق، والجيش والحرب.

يختلف التحسين البشري عن التدخلات العلاجية الطبية بطرقة جوهرية، فالتحسين البشري يرجع إلى “استخدام تقنيات مبتكرة.

لتعزيز أو تحسين الوظائف والقدرات البشرية، بما يتجاوز استبدال مجموعات خليوية وأعضاء مختلة وظيفيًا، ” لذلك، لا تهدف التحسينات البشرية إلى إصلاح أو إشفاء الوظائف التالفة أو المفقودة، ولكن إلى تحسين القدرات الإدراكية / الذهنية أو البدنية للأفراد الأصحاء.

أدوية نفسية منبهة كدواء ال أديرال Adderall، التي توصف عادة لعلاج الاضطرابات كعلاج فرط نقص الانتباه  والنوم القهري.

يتزايد انتشارها في حرم الجامعات وفي أمكنة العمل، لتعزيز التركيز والمهارات التنظيمية والتعليمية، الطرق الأخرى غير الدوائية لتحسين الإدراك الذهني تشمل تقنيات تحفيز الدماغ بالكهرباء، أحد الأمثلة على ذلك التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، حيث يتم وضع ملف لولبي coil مغناطيسي فوق جزء من الجمجمة يرسل نبضات مغناطيسية إلى منطقة الدماغ تحت الجمجمة.

والطريقة تعتبر غير مكلفة بشكل عام لتحسين الإدراك، والتعلم لدى البالغين، ومع ذلك, يحذر العلماء من الآثار الصحية غير المرغوب فيها ويحثون على توخي الحذر.

خاصة عند المستخدمين الشباب الذين لا يزال دماغهم قيد التطور، قد تأتي هذه التحذيرات بعد فوات الأوان بالنظر إلى أن حزمة kit التحسين الواعدة بتعلم سريع، وتخفيف الآلام وزيادة الإنتاجية، وضغط نفسي أقل هي بالفعل متاحة بأسعار منخفضة على الإنترنت، يعلن عنها للأغراض الإكلينيكية، ولكن أيضا لأغراض التحسين والترفيه.

منذ عام 2013، عندما ظهر أول جهاز التحفيز الكهربائي المباشر عبر الجمجمة (tDCS) في السوق، بدأت عشرات الشركات الأخرى في بيع منتجات مماثلة.

ومع انخفاض الأسعار إلى 40 دولارًا لبعض الحزم الأساسية basic kits، التي تحتوي على الأسلاك، والأقطاب الكهربائية وعصابات الرأس، والتي يمكن للعميل تركيبها في المنزل بنفسه، على الرغم من حقيقة أن عدم اليقين بشأن الكفاءة والآثار الصحية لها لا تزال تلوح في الأفق، إلا أن السوق والاهتمام بالتحسين البشري ينموان بشكل ملموس.

علاوة على ذلك، إذا كان التطور الذي رأيناه على مدى العقود الماضية في التقنيات الأخرى يعتبر أي مؤشر، فإن التقنيات العصبية، والأجهزة القابلة للزرع للتحفيز العصبي.

وللتحسين البدني مهيأة لتصبح أكثر فاعلية وقوة، يأتي هذا مع مجموعة من المعضلات الأخلاقية والفلسفية، أود أن أسلط الضوء بإيجاز على بعض المخاوف الأخلاقية المتعلقة بالتحسين البشري، ولا سيما تناول هذه القضية من وجهة نظر الفلسفة العصبية (نيرولولسفي، 8)، هناك اعتراضان رئيسيان على تقنيات التحسين يتعلقان بالإنصاف والأصالة.

غالبا ما ينظر إلى التدخلات لزيادة القدرات البشرية الإدراكية والبدنية، على أنها انحرافات عما هو “طبيعي” ومعايير عرفية.

باستثناء ملحوظ لإستخدامات الألعاب  الرياضية والعسكرية (حيث الأخلاق معنية بمسائل مختلفة إلى حد ما)، فإن الإنجازات المحصلة عبر التحسينات تعتبر غير مكتسبة، وغير مستحقة للثناء، علاوة على ذلك، قد تزيد أيضا من تعميق الفجوة بين من يملكون، ومن لا يملكون، مع الأخذ في الاعتبار أن أغلى أشكال التحسين وأكثرها جذرية، قد تستفيد منها أولا  المجموعات الأكثر ثراء في المجتمع.

هذا مصدر قلق صحيح، على الرغم من أنه يستحق المزيد من التأمل، في كثير من الحالات، من المؤكد أن نظام  اليريتوقراطية، المزعوم سوف يتأثر سلبًا بالتحسينات.

ومع ذلك، فإن الصورة الكاملة للآثار المترتبة على ذلك تستحق مناقشة أكثر دقة، كما أشار آخرون في هذا النقاش، إذا اعتبرنا أن “كسب” شيء ما ينطوي على عمل جاد وتضحية، فقد يدعى أنه ربما الشخص الذي يشتري التحسينات قد عمل بجد أيضا حتى يكون بمقدوره شراء هذا التحسين.

بالإضافة إلى ذلك، هل سيستمر موضوع “الظلم” إذا ما أنجز الشخص المحسّن فعلا ما ذا منفعة اجتماعية كبيرة، كحماية الآخرين بشكل غير أناني من الجرائم؟

هل يمكن أن يستمر “الظلم” أيضًا إذا كان الطالب من خلفية غير مستقرة/ متزعزعة، والذي كان عليه أن يكون لديه العديد من الوظائف لتمويل دراساته، قد تناول أدوية التحسين البشري، من أجل التعلم بشكل أسرع وتعويض الوقت الذي لم يمكنه من  الإستفادة منه  للدراسة ولكن قصاه  للعمل الذي نفع الآخرين ؟

إذا أدركنا مشاكل الجمود الاجتماعي والتهميش، فهل يظل من غير الأخلاقي اعتبار استخدام التحسينات شكلاً من أشكال عدم الأمانة؟ في السياقات التطبيقية، يمكن أن تصبح الأبعاد الأخلاقية للتحسين البشري  أقل قطعية.

مشكلة الأصالة هي مصدر مخاوف آخر، بينما سنتصرف، ونعمل، ونعيش، ونقرر تحت تأثير المعدّلات العصبية neuromodulators القوية، تأتي مسألة الأصالة في المقدمة، الحاجة إلى الأصالة ترافق الوجود البشري، وعادة ما نقدر التجارب الطبيعية أكثر من التجارب “المُصنعة”.

علاوة على ذلك، في الثقافة الأمريكية، يصف كارل إليوت Elliott اثنين من المثل ideals القوية، لكنهما متنافسان: المثل العليا  صياغة النفس (تشكيل الهوية) self-creation  (الذي ينطوي على قيود قليلة أو معدومة)

ومثالية الأصالة (التي تأتي مع بعض القيود، مثل عدم نسيان أو رفض جذور المرء)، قد ينظر بعض الأشخاص إلى التحسينات البشرية، على أنها عوامل تمكين أو تيسير / تسيير  facilitators  لمشروع صياغة النفس (تشكيل الهوية) self-creation، ومع ذلك، يؤكد إليوت Elliott أن التحسينات البشرية تتداخل مع هذه المثل العليا لأنها تغير في النهاية بعض خصائص هوية الشخص.

ديفيد ديغرازيا DeGrazia يستطرد من  هذه النقاط ويجيب بأن هذه المخاوف في غير مكانها، ويسأل ما هو إشكالي أخلاقيا بشأن تغيير السمات “الأساسية” لو وافق الشخص بشكل مستقل على تغييرها؟

ويجادل بأن فكرة الذات “الحقيقية” للشخص كشيء غير قابل للإنتهاك هي بالأحرى الرومانسية إلى حد ما، وأن الخصائص التي تتأثر بتقنيات التحسين البشري، من غير المحتمل أن تعتبر غير قابلة للانتهاك، هذه الخصائص، كالقدرة على التفكير، واتخاذ القرار، والتواصل، وما إلى ذلك، قابلة للتغيير من خلال الخيارات الأخرى على أي حال.

ومع ذلك، فإن أهمية فلسفة علم الأعصاب لهذه القضية تعلل بالأحرى، بشكل مختلف إلى حد ما.

بينما في الأشكال المعتدلة، قد تمر بعض التحسينات البشرية دون تداعيات اجتماعية كبيرة (أو قد تأتي ببعض الفوائد)، فإن الاستخدام المنتشر للتحسينات البشرية، يمثل مشكلة كبيرة بسبب عاملين: الأخطار الكامنة في الإفراط في الإشباع overindulgence وستؤدي إلى دورة من الطلب على المزيد والمزيد من التدخلات الغازية/ الباضعة invasive والقوية.

التجاوزات من أي نوع، وخاصة في شكل التحسينات البشرية التي تجلب فائضًا من الإشباع، هي تعبيرات مذهب اللذة hedonism، وبالنظر إلى طبيعتنا، تهدد إنسانيتنا على المدى الطويل.

مخاوفي هنا ليست فلسفية فحسب، بل اجتماعية ووجودية أيضا، لن تؤدي العواقب الاجتماعية، والقانونية لهذه التجاوزات excesses  إلى تأخير الظهور، وقد يصبح تصنيف الناس، على أنهم أقل مرتبة (غير محسّنين) ومتفوقون (محسّنون) نتيجة غير مرغوب فيها- ولكن في النهاية لا يمكن إيقافها.

إن طبيعتنا وتكويننا الكيميائي العصبي يؤهلنا إلى السعي شبه الأعمى والذي لابد منه من  الإشباع الكيميائي العصبي، وهذا يعرضنا لخطر كبير فيما يتعلق بتقنيات التحسين.

المعضلات الأخلاقية المتعلقة بعدم الإنصاف أو انعدام الأصالة، المذكورة أعلاه، يمكن رؤيتها بشكل صحيح وبطريقة أكثر دقة ولكن هذه المناقشات لا تأخذ في الاعتبار بعض الميول الكيميائية العصبية في الطبيعة البشرية، التحسينات البشرية كما هي موجودة اليوم لا ينبغي أن تكون النقطة المرجعية الوحيدة في النقاش، حيث يجب علينا أيضًا النظر في النمو الحتمي والأسي لهذه التقنيات، ولماذا سيكون من الصعب بنحو متزايد مقاومتنا إياهم لتحويلنا.

دماغ الإنسان مبرمج مسبقًا “للشعور بالرضا /للشعور أنه بخير”، لتجنب الألم والبحث عن المتعة، تشير الأدلة من علم الأعصاب إلى خمسة دوافع قوية رئيسية لأفعال / تصرفات الإنسان.

والتي كنت أسميها سابقًا  ب  “الباءت العصبية الخمس  Neuro P5 (وذلك لأن كلماتها الخمس كلها تبدأ بحرف الباء: القوة power والربح  profit والمتعة Pleasure  والفخر / الاعتزاز بالنفس  pride والديمومة permanency (بمعنى ضمان البقاء وإطالة الحياة)، إذا ظهرت تقنية تحسّن واحدة أو أكثر منها،  أو كل هذه الدوافع، فسوف نتابع هذه التكنولوجيا بشكل لا يقاوم وحتمي.

عندما تصبح تقنيات التحسين البشري أكثر انتشارًا وأكثر كفاءة، سنجد صعوبة متزايدة في مقاومة إغراء تبني هذه التقنيات، حتى لو كان ذلك يتعارض مع مصلحتنا الأفضل على المدى الطويل.

وبسبب هذا، أعتقد أننا على طريق نحو ما بعد الإنسانية الحتمية- مرحلة تالية من التطور، والتي فيها الابتكارات العصبية في التقنيات، والبيولوجيا ستغير كيمياءنا العصبية بطرق جذرية، لدرجة أن البشر في المستقبل لن يشبهوا البشر في الماضي ولا البشر في الحاضر، لذا فإن بذور هذا التحول هي في طبيعتنا، وفطرية الإشباع الكيميائي العصبي جزء طبيعي وضروري فينا.

بالإضافة إلى ذلك، من خلال رؤى ثاقبة من علم الأعصاب، كنت قد وضعت فرضية  في السابق مفادها أن الطبيعة البشرية هي انفعالية وغير أخلاقية وأنانية بشكل أساسي.

البشر انفعاليون للغاية، وفي الواقع، أكثر انفعالية بكثير من أن بكونوا  “عقلانيين”، اتخاذ القرار في الدماغ يعتمد بشكل كبير على الآليات العصبية التي تشكل الأساس للمشاعر أيضًا، البشر غير أخلاقيين الي درجة أنهم يولدون بطبيعتهم لا أخلاقيين ولا غير أخلاقيين.

في سياق الوجود، تتطور مفاهيمنا لما هو “جيد” أو “سيئ” وهذا هو سبب أهمية الظروف والبيئة في تشكيل بوصلتنا الأخلاقية.

دماغ الإنسان طيع / مرن، وبالتالي “طبيعتنا” كذلك، ولكن هذا لا يعني أننا ولدنا على شكل ألواح بيضاء تماما، نحن مكيّفون منذ الولادة بطريقة أساسية واحدة، وهي السعي من أجل البقاء على قيد الحياة، وبهذا المعنى، فإن الطبيعة البشرية صفحة بيضاء مهيئة بدون محتوى أو معرفة عقلية مسبقة، مما يعني أن لدينا استعدادا أساسيا واحدا، وهو البقاء على قيد الحياة، والأنشطة التي تحسّن فرصنا في البقاء.

الأنانية البشرية ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستعداد/  القابلية  للبقاء، وهو شكل أساسي من الأنانية (بقاء النفس)، الأنانية تملي علينا أيضا آدراكنا لذواتنا / التعرف على ذواتنا (تمييز أنفسنا لو نظرنا في المرآة، 21)  واثباتنا لأنفسنا.

الطريقة التي سنستخدم بها تقنيات التحسين البشري، ونعتمد عليها لا يمكن فصلها عن هذه السمات المميزة، للطبيعة البشرية: الانفعالية واللاأخلاقية والأنانية، لأن الطبيعة البشرية هشة ومرنة للغاية ومدفوعة بالإشباع الكيميائي العصبي، فإنها تتطلب برادغيمات ومؤسسات حوكمة مناسبة لمنع التجاوزات excesses، في حالة عدم وجود رفاهية [والرفاه هنا يعني الشعور بحالة من الراحة والصحة والسعادة ]، فردية وتعاون اجتماعي.

لا يمكننا أن نشعر بالرضا عن “فضائل” الطبيعة البشرية، ويجب ألا نفترض أن علاقتنا بتقنيات التحسين البشري،  ستكون مدفوعة بـ “المنطق” أو بالشعور السليم بالمسؤلية، المناسبة بالمحيط sense of moderation.

وغير ذلك، ستكون محفوفة بالمخاطر، بعضها مخاطر وجودية، وستوكون أساسية لما يعرفنا (هو معرف لنا)  كبشر.

يمثل مشكلة كبيرة بسبب عاملين: الأخطار الكامنة في الإفراط في الإشباع overindulgence وستؤدي إلى دورة من الطلب على المزيد والمزيد من التدخلات الغازية/ الباضعة invasive والقوية.

التجاوزات من أي نوع، وخاصة في شكل التحسينات البشرية التي تجلب فائضًا من الإشباع، هي تعبيرات مذهب اللذة hedonism، وبالنظر إلى طبيعتنا، تهدد إنسانيتنا على المدى الطويل.

مخاوفي هنا ليست فلسفية فحسب، بل اجتماعية ووجودية أيضا، لن تؤدي العواقب الاجتماعية، والقانونية لهذه التجاوزات excesses  إلى تأخير الظهور، وقد يصبح تصنيف الناس، على أنهم أقل مرتبة (غير محسّنين) ومتفوقون (محسّنون) نتيجة غير مرغوب فيها- ولكن في النهاية لا يمكن إيقافها.

إن طبيعتنا وتكويننا الكيميائي العصبي يؤهلنا إلى السعي شبه الأعمى والذي لابد منه من  الإشباع الكيميائي العصبي، وهذا يعرضنا لخطر كبير فيما يتعلق بتقنيات التحسين.

المعضلات الأخلاقية المتعلقة بعدم الإنصاف أو انعدام الأصالة، المذكورة أعلاه، يمكن رؤيتها بشكل صحيح وبطريقة أكثر دقة ولكن هذه المناقشات لا تأخذ في الاعتبار بعض الميول الكيميائية العصبية في الطبيعة البشرية، التحسينات البشرية كما هي موجودة اليوم لا ينبغي أن تكون النقطة المرجعية الوحيدة في النقاش، حيث يجب علينا أيضًا النظر في النمو الحتمي والأسي لهذه التقنيات، ولماذا سيكون من الصعب بنحو متزايد مقاومتنا إياهم لتحويلنا.

دماغ الإنسان مبرمج مسبقًا “للشعور بالرضا /للشعور أنه بخير”، لتجنب الألم والبحث عن المتعة، تشير الأدلة من علم الأعصاب إلى خمسة دوافع قوية رئيسية لأفعال / تصرفات الإنسان.

والتي كنت أسميها سابقًا  ب  “الباءت العصبية الخمس  Neuro P5 (وذلك لأن كلماتها الخمس كلها تبدأ بحرف الباء: القوة power والربح  profit والمتعة Pleasure  والفخر / الاعتزاز بالنفس  pride والديمومة permanency (بمعنى ضمان البقاء وإطالة الحياة)، إذا ظهرت تقنية تحسّن واحدة أو أكثر منها،  أو كل هذه الدوافع، فسوف نتابع هذه التكنولوجيا بشكل لا يقاوم وحتمي.

عندما تصبح تقنيات التحسين البشري أكثر انتشارًا وأكثر كفاءة، سنجد صعوبة متزايدة في مقاومة إغراء تبني هذه التقنيات، حتى لو كان ذلك يتعارض مع مصلحتنا الأفضل على المدى الطويل.

وبسبب هذا، أعتقد أننا على طريق نحو ما بعد الإنسانية الحتمية- مرحلة تالية من التطور، والتي فيها الابتكارات العصبية في التقنيات، والبيولوجيا ستغير كيمياءنا العصبية بطرق جذرية، لدرجة أن البشر في المستقبل لن يشبهوا البشر في الماضي ولا البشر في الحاضر، لذا فإن بذور هذا التحول هي في طبيعتنا، وفطرية الإشباع الكيميائي العصبي جزء طبيعي وضروري فينا.

بالإضافة إلى ذلك، من خلال رؤى ثاقبة من علم الأعصاب، كنت قد وضعت فرضية  في السابق مفادها أن الطبيعة البشرية هي انفعالية وغير أخلاقية وأنانية بشكل أساسي.

البشر انفعاليون للغاية، وفي الواقع، أكثر انفعالية بكثير من أن بكونوا  “عقلانيين”، اتخاذ القرار في الدماغ يعتمد بشكل كبير على الآليات العصبية التي تشكل الأساس للمشاعر أيضًا، البشر غير أخلاقيين الي درجة أنهم يولدون بطبيعتهم لا أخلاقيين ولا غير أخلاقيين.

في سياق الوجود، تتطور مفاهيمنا لما هو “جيد” أو “سيئ” وهذا هو سبب أهمية الظروف والبيئة في تشكيل بوصلتنا الأخلاقية.

دماغ الإنسان طيع / مرن، وبالتالي “طبيعتنا” كذلك، ولكن هذا لا يعني أننا ولدنا على شكل ألواح بيضاء تماما، نحن مكيّفون منذ الولادة بطريقة أساسية واحدة، وهي السعي من أجل البقاء على قيد الحياة، وبهذا المعنى، فإن الطبيعة البشرية صفحة بيضاء مهيئة بدون محتوى أو معرفة عقلية مسبقة، مما يعني أن لدينا استعدادا أساسيا واحدا، وهو البقاء على قيد الحياة، والأنشطة التي تحسّن فرصنا في البقاء.

الأنانية البشرية ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستعداد/  القابلية  للبقاء، وهو شكل أساسي من الأنانية (بقاء النفس)، الأنانية تملي علينا أيضا آدراكنا لذواتنا / التعرف على ذواتنا (تمييز أنفسنا لو نظرنا في المرآة، 21)  واثباتنا لأنفسنا.

الطريقة التي سنستخدم بها تقنيات التحسين البشري، ونعتمد عليها لا يمكن فصلها عن هذه السمات المميزة، للطبيعة البشرية: الانفعالية واللاأخلاقية والأنانية، لأن الطبيعة البشرية هشة ومرنة للغاية ومدفوعة بالإشباع الكيميائي العصبي، فإنها تتطلب برادغيمات ومؤسسات حوكمة مناسبة لمنع التجاوزات excesses، في حالة عدم وجود رفاهية [والرفاه هنا يعني الشعور بحالة من الراحة والصحة والسعادة ]، فردية وتعاون اجتماعي.

لا يمكننا أن نشعر بالرضا عن “فضائل” الطبيعة البشرية، ويجب ألا نفترض أن علاقتنا بتقنيات التحسين البشري،  ستكون مدفوعة بـ “المنطق” أو بالشعور السليم بالمسؤلية، المناسبة بالمحيط sense of moderation.

وغير ذلك، ستكون محفوفة بالمخاطر، بعضها مخاطر وجودية، وستوكون أساسية لما يعرفنا (هو معرف لنا)  كبشر.

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً