الورق المحروق

img

السيد فاضل آل درويش

حينما يطلب من أحدنا توجيه عظة ونصيحة تبين مقبوحية الكذب باعتباره صفة مذمومة بكل المقاييس، بلا شك أنه سيتطرق للجهة القيمية والأخلاقية التي تجرم تعاطي الكذب، وسيتناول من جهة أخرى التداعيات الاجتماعية وما يصيب علاقة الأفراد من أضرار خطيرة إن تم التعامل بالكذب.

بل هناك شبه تسالم حول مكروهيته والتفطن للآثار السلبية له لو أصبح سلوكًا سائدًا في التعامل بين الناس، ولكن الأمر المهم هو التعمق في هذه الصفة كسلوك له حضور قوي في التعامل والعلاقات، فهناك من لا يتحرج من التعامل به بل وينمق ويعطي إطارًا تجميليًا للتعامل به، وهذا المسار التزويقي والترويجي هو ما ينبغي التنبه له في البحث عن الوصفات الدوائية لهذا الداء العضال.

البعض يتعامل بالكذب لأنه يجد فيه وسيلة ناجعة للتخلص من العقاب والآثار الوخيمة لاعترافه صادقًا، فيكذب كوصفة سحرية تبقيه محترمًا عند الآخرين وتبعد عنه مخاطر المواجهة وتبعاتها، فالكذب في نظر البعض ليس بتعمية للحقائق وتشويها لحكاية المشهد بحذافيره، وإنما هو حبل نجاة ينقذه من تبعات أعماله العدوانية والشريرة ليخالجه السرور بقدرته الزئبقية على التخلص من العتاب والعقوبة، ولا يعني ذلك منا تقبلًا لهذه الصفة الذميمة وتسويغ تعاطيها، ولكنها مقاربة لتفهم طريقة تفكير من يكذب وذلك لوضع الحلول المناسبة لتلك الدواعي، وإلا فإن الكذب أوهن من بيت العنكبوت في تقطع خيوطه بسرعة، فينكشف الواقع المزيف لهذا الإنسان فيعض أصابعه ندمًا حينما يجد أنه معرى من كساء تزييفه للحقائق عند من حوله بل ومنبوذ لا يحبذون التعامل والحديث معه.

وذاك الطفل حينما تتولد الصور في مخيلته بما يتناسب وتفكيره، تراه يختلق من المواقف والأحداث ما لا رصيد له من الواقع، وتتنامى معه هذه المهارة على تأليف القصص والحكايا حتى يترسخ أسلوب الكذب عنده، كواجهة سردية يحكي من خلالها ما يتناسب مع منافعه وما يدفع عنه الأضرار والعقاب.

لا يمكننا كذلك تقبل أن الكذب عند الطفل صفة محببة وينبغي أن نقرها كمحدد لشخصيته، ولكننا يمكن أن نرسم مسارًا صحيًا لخيالاته الواسعة ليصحح سلوكه من جهة، وليتم توظيفه بما يخلق تلك الصور الإبداعية الجميلة في ذهنه، بحيث يسبق ذلك تبيان مقبوحية الكذب وأضراره الجسيمة عليه حيث سيغدو طفلًا منبوذًا مستقبلًا، ويميز له بوضوح الفاصل بين أسلوب الكذب في الحديث والتعامل مع الآخرين، وما بين سرده للقصص الجميلة التي يعبر فيها عن مهارة خاصة بسرد أحداث غير واقعية.

وقبل محاسبة الطفل عما يصدر منه من كذب فلينظر الوالدان لسلوكهما وتعاملهما ولينظرا للبيئة المحيطة بطفلهما، فقد يكون كذبه الذي يشنع عليه التفوه به سلوكًا اكتسبه منهم، فلننق بيئته ومعالم تربيته من ازدواجية المعايير والقيم ليمكنهم محاسبته بسهولة بعد ذلك، فمن غير المنطقي معاقبته على ما يماثلونه فيه من سلوك غير مقبول وهو الكذب!

وقد يكذب الشباب والفتيات لا لأنهم يحبون هذا الفعل ولا لأنهم لا يدركون مخالفته للقيم الأخلاقية، ولكن الواقع المكشوف لهم يرون فيه تغلغل صفة الكذب وتبادله بين الناس بما يجعله تصرفًا شائعًا في المشهد المجتمعي، فهل يمكننا أن نتعامل معهم بازدواجية القيم المثلية والأخلاق الفاضلة كمفاهيم تحيي مدينة أفلاطون، وتستنهض مبانيها الكمالية من جهة، مع واقع يتقاطع معها بنحو مخالف حيث يلجأ الكثير لاتخاذ الكذب سبيلًا للحصول على منافعه ودفع الضرر عنه، فكيف يمكننا معالجة هذه الازدواجية لنئد الكذب ونقصيه من مفردات التعامل بين الناس؟

لننطلق من مبدأ التعامل بالمثل فيما نحب ونكره، فالصدق والوضوح في الحديث والمواقف من الأمور المريحة للنفس والمحببة لها، وكم نكره التلون ولبس الأقنعة وتمويه الكلام والتماهي مع الأحداث، فلنجرب الصدق ونعمل على نشره كمفردة تربوية مهمة وثقافة ينبغي شيوعها، موصدين باب المنفعية المقيتة، فلا يوجد بيننا من يحب نظرة عدم القبول له وفقدان الثقة به لأي سبب، فكيف إذا كان معول الهدم لجدارية الاحترام والثقة والتعاون هو الكذب، فهذا الأسلوب المقيت – و هو الكذب – وإن كان بصورة مخففة وهو ما يدعونه زورًا بالمرونة في المواقف، فالتسامح والمجاملة المحببة في التعامل شيء، والصيغة التجميلية للكذب القبيح شيء آخر ينبغي التفريق بينهما.

 

اترك رداً