التلازم في الطبيعة

img
إبراهيم بوخمسين
0 الوسوم:, ,

إبراهيم سلمان بوخمسين

لا ينفك الإنسان ومن جاوره ورافقه من المخلوقات الأليفة التي سخرت لأجله كالأبقار والأغنام والخيل والبغال والحمير والطيور الداجنة، تجاوره وتلازمه في البيت أو في المزارع. إن هذه الحيوانات والطيور الأليفة مسخرة وخادمة لهذا الإنسان وزينة له في الوقت نفسه. هذا هو التجانس والتلازم والتكامل في الطبيعة.

كانت منازلنا وبيوتنا سابقاً من الطين وأسقفها من جذوع النخل وجريدها، ومتجاورة لزقاً بلزق” أي ليس بينهم مسافات للتهوية” وعلى الرغم من صغر مساحتها، إلا أنها تضم في جانب منها حوش للبهائم والطيور الداجنة. وكانت تسمى سابقا ” البوارق ” أو ” السمايد ” نسبة لما تخلفه هذه البهائم والطيور من روث يستخدم في تسميد تربة النخيل والمزارع.

يوجد في هذه السمايد الأبقار والأغنام والحمير والدجاج البائض والحمام، وتحلب هذه الأبقار والأغنام ويستفاد من حليبها للغذاء وصنع اللبن والأجبان، أما الحمير فتستخدم للنقل وللذهاب الى النخيل والمزارع باكراً إذ كان هو الوسيلة الوحيدة للتنقل آنذاك.

كان لنا بمنزلنا بحي السدرة بشارع الفوارس مثل تلك الحيشان، وكانت الوالدة رحمها الله تحلب البقرة التي كانت تتواجد بالمنزل. هذا حال معظم البيوت المجاورة. المتعة هنا تكمن في أن الناس في الماضي كانت تملك وتصنع في منازلها، إضافة الى متعة شراء البرسيم الذي كنا نقوم به بشكل يومي لتك البهائم. ولا تخلو المتعة أيضاً من ملاطفة تلك البهائم وترويضها وإطلاق الأسماء عليها إلى درجة أنها كانت تتبع راعيها وتعرفه إذا نادى عليها.

ظلت هذه الأنعام ملازمة للإنسان وتنام معه في المنزل نفسه لزمن طويل، وتغير الحال الآن وانتقلت إلى المزارع، بسبب المدنية الحديثة. توجد الآن في بعض البيوت الكبيرة أقفاص يحفظ فيها الطيور الداجنة.

الطيور أيضا كان لها النصيب الأوفر من التربية في المنازل قديماً وحديثا وترويضها وتعليم بعض من لديه القدرة على الكلام. هنا في دوحتنا الجميلة كان نصيب البلبل الأبيض الخدين نصيباً كبيراً وحظاً وافراً من التربية والعناية، لما يمتاز به هذا الطائر الجميل من الذكاء والصوت الجميل الشجي والحب وإبداء التحية والحركات البهلوانية ولعبه المتواصل الذي ينم عن حبه لمن في المنزل، والعناية بنفسه من ناحية النظافة، ويسليك بطيرانه والتنقل بين رأسك وكتفيك ويستمتع بالتقاط طعامه من يديك. ولا يزال هذا هو الحال حتى الآن، وقد أصبح من تراث الأحساء الشعبي.

و من النوادر في الشعر الأحسائي:
اتصل الشاعر الأستاذ صادق السماعيل بصديقه الشاعر الكبير الأستاذ ناجي الحرز وقت القيلولة، فقال له مداعباً هذه الأبيات الدارجة:

لا تـتّـصـل بي سـاعـة الـقـيـلـوله … تـرى الــبـراغـي كلّـها محلوله
والـنّــاس يا بن الــناس في هـالــسّاعــه … تــصـدق عـلـيـهم كلمة مقيوله
اللّي مــسرّح عــجــلــته في الســكّه … و اللّي مــطــيّر في الـسّما بـلـبوله

التفتوا إلى هذه النكتة اللطيفة من شاعرنا ناجي الحرز كلمة (مسرِّح عجلته في السكة)….يعني أن البهائم كانت بالبيوت.
ذكرني هذا البيت من الشعر بهذه الأسطورة، ولعل الشاعر أراد الإشارة إليها:

رحم الله جداتنا وأمهاتنا حيث كانوا يخوفوننا من حمار(ة) القايلة ومعناها حمار وقت الظهيرة، ويقولون لنا لا تخرج هذا الوقت لا تأكلك حمارة القايلة. وهي أسطورة ظهرت في المجتمعات العربية “وفي الأحساء” لمن يكثر السير والتجوال في وقت الظهيرة، ومن لا ينام في قيلولة الصيف خاصة الأطفال، والأسطورة شبيهة جداً بالغول والغولة أو السعلوة الذين يملكون رأس إنسان وأرجل حمار وجسم آدمي ويقال إنه وحش مخيف يأكل الأولاد الصغار الذين يخرجون في وقت الظهيرة.

وقال الشاعر الكويتي سالم الرميضي في البلبل:

تـرنـم بـلـبـل بالـصبح شـادِ … فـــأروي كـل ظـمــآن وصـادِ
لھ صــوت رخـــیم مخملي … تـغــلـغـل خـلسة فـسبي فـؤادي

ومن منا إذا جاء ذكر البلبل لا يذكر قصيدة الأصمعي التي مطلعها:

صَــوتُ صَــفِــيـرِ الـبُــلــبُـلِ … هَـــيَّـــجَ قَـــلـبـِي الــثَّــــمِلِ
كذلك الحمام الحساوي كان له من التواجد في البيوت، حيث أنشئت له الأبراج الخشبية وفيها أعشاشها وبيوتها تتكاثر فيها، وبعضهم قام بتدريبها والمشاركة بها في السباقات لآلاف الأميال من مختلف مناطق المملكة. كان لي صديق يأتي جلساتنا بالمزرعة، وكم كان يتكلم بمتعة عن هوايته تلك، وكم تكون فرحته حينما تصل الحمامة بالرغم من ما يعترضها من المخاطر من الطيور الجارحة خلال الطريق، وما أشد وفاء هذا الطائر إذ بإمكانه الهرب والحرية، لكنه التجانس والتآلف والوفاء.

ولقد نالت الخيول من العناية الفائقة بما لا يتصوره أحد، وجاء ذكرها في القرآن ثلاث مرات، وسميت بالصافنات الجياد في آية أخرى. وجاء في كتاب: لماذا نقدس القرآن للعلامة الشيخ باقر بوخمسين:

” ولاحظ المستشرق موريس لومبار ما شهدته تربية الحيوان من التقدم التقني الكبير في دراسة خصائصها وأصولها، كما تشهد بذلك الكتب العديدة التي وضعت في هذا الموضوع، وإن الدارسين اهتموا بتصنيف مزايا الخيول وعيوبها وأمراضها وسرعتها بدقة.

ونظراً لأهمية الخيول الأصيلة في الحروب القديمة، فقد تخصص الحصان العربي في فن الحرب، وأصبح أداة الحرب الأولى بالنسبة للفارس العربي الذي بدا من جانبه يضفي على الحياة العربية لوناً جديداً لم يألفه العرب في جاهليتهم البعيدة في التاريخ، فأصبح بين العرب سادة فرسان، بل ومغامرون يجوبون الفيافي، وجاءت ظاهرة (الغزو) بين القبائل، بل وبلغت الحال أن سمّيت بعض الحروب بأسماء الخيل، فكانت حرب (داحس والغبراء) وظهر فرسان ومغامرون أمثال امرئ القيس، وتغيّرت العلاقات بين القبائل البدوية ودخلت في الحركة السريعة بما يكاد يذكرنا في عهدنا الحديث بحركات الحرب الخاطفة، ووسائل الغزو الآلي الحديث.

وفي وصفها يقول أمرىء القيس في معلقته:
في وصف الخيل:

وَقـَد أَغـتـَدي وَالطـَيـرُ في وُكُــنـاتِــها … بِـمُـنـجَـرِدٍ قَـيـدِ الأَوابِــدِ هَــيــكَـــلِ
مِــكـَــرٍّ مِــفَـرٍّ مُـقـبِـلٍ مُـدبِــرٍ مَــعـاً … كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
كُـمَـيـتٍ يَــزِلُّ اللِـبـدُ عَـن حـالِ مَـتـنِهِ … كَــما زَلَّــتِ الصَـفـواءُ بِالـمـُتَـنَــزَّلِ
الى أن يقول:

له أيــطلا ظــبي وســاقا نــعـامـة … وإرخـــاء ســـرحـــان وتـقريـب تـتـفـل

ما أجمل وفاء الحصان لصاحبه وما أكثرها في تاريخ الإنسانية ومن منا لا يذكر هذه الصورة الجميلة التي رسمها عنترة في معلقته:

يَــدْعُـونَ عَـنْـتَـرَ والـرِّمَاحُ كَـأَنَّـهَا … أَشْـطَانُ بِـئْـرٍ فـي لَــبَانِ الأَدْهَـمِ
مَا زِلْــتُ أَرْمِـيـهـم بِـثُـغْـرَةِ نَحـْرِهِ … ولَـبَـانِــهِ حَـتَى تَــسَــرْبَـلَ بِالدَّمِ
فَـازْوَرَّ مـن وَقْــعِ الـقَـنَا بِــلَــبَـانِــهِ … وشَــكَا إِلَىَّ بِعــَــبْرَةٍ وتَــحَـمْـحُمِ
لو كَانَ يَـدْرِي مَا الـمُـحَاوَرَةُ اشْـتَكَى … ولكَانَ لَوْ عَـلِمَ الكَلامَ مُكَـلِّمِي

أو هذا الموقف النبيل من فرس الإمام الحسين لما أن صرع الإمام عليه السلام فجاءه ولطخ ناصيته بدمه ثم ذهب إلى المخيم وهو يصهل صهيلاً عالياً. قال إمامنا الباقر عليه السلام كان يقول: الظليمة، الظليمة من أمة قتلت ابن بنت نبيها.
وإذ كان للخيل نصيب، فنصيب الإبل لا يقل شأناً عنها وقد ذكرت في القرآن بصيغ مختلفة كالجمل مذكراً والناقة مؤنثاً، وجاء الاستشهاد بها من عجائب خلقة الله ” أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ “. والإنسان هو الذي جاورها وسكن معها وخرج إلى البوادي والصحاري وبنى بيوت الشعر ونصب الخيام وهيأ سبل الحياة والعيش معها وصاحبها. وقد أطلقت الأسماء الكثيرة عليها فسميت بالقلوص وبالعيس، وسفينة الصحراء، قال الشاعر إبراهيم بن العباس الصولي:

ولو سوئـلت عني القـلوص لأخـبرت … عن مسـتـقـر صبـابة ،، المحزون
والقلوص هي الناقة.
ومما قالت العرب في الجمل ما جاء في قصيدة العباس بن مرداس وقيل لكثير عزة:
لقد عـظـم الـبعـيـر بـغـيـر لب … فـلـم يـسـتـغــن بالـعـظـم الـبعــير
يـصـرفـه الـصبي لـكل وجـــه … ويـحـبسـه على الـخـسف الجرير
وتــضـربـه الـولـيدة بالهـراوى … فــلا غـــيـر لـديــه ولا نــكــيـــر

وفي العيس قالوا: حيث وردفي كتاب العقد الفريد لإبن عبد ربّه الاندلسي أنه قال: فقد ذكر المبرّد إنه خرج مع رفاق له من بغداد متجهين إلى واسط فمالوا إلى ” دير هرقل ” الموجود على الطريق وهو ملجأ المجانين، فقررا الدخول إليه لرؤية ملامح من فيه، فوجدا شاباً “حسن الوجه، مرجل الشعر، مكحول العين، أزج الحواجب، كأن شعر أجفانه قوادم النسور، وعليه طلاوة تعلوها حلاوة، مشدود بسلسلة إلى جدار”. نظر إليهما دون أن يسلّم ثم أنشد قائلا:

لما أنـاخـوا قـبــيـل الـصـبح عـيـسهـم … وحـمّـلوها وسارت في الـدجى الأبـل

و أرسـلـت من خـلال الـشـق ناظـرها
… تـرنـو إليّ ودمـع الـعـيـن يــنـهـمـل

و ودّعــــت بـــبـــنــان عـقــدهُ عــلــم

… ونـاديـت لا حـمـلت رجـلاك يا جملُ

يا راحل العـيس عـــرِّجْ كي أودعـهـم
… يا راحل العــيس في تـرحالك الأجـل

إني على الــعـهـد لم أنـكـر مــودتــهــم
يا ليت شعري بطول البعد ما فـعـلوا …

وما يحلوا الحداء إلا بقوافل الإبل ولربما من أشهر ما قيل في ذلك هو حداء الطرماح لقافلة الإمام الحسين:
يا نـاقــتي لا تـذعـــري من زجــــري … وامـــضي بـــنـا قـــبــل طـلـوع الفجر بـخـــيـر فـــتـــيـان وخـــــيـر ســـفــر… آل رســــــــول الله أهـــــل الــــفـــخــر
الـســـادة الـــبــيض الــوجــوه الــزهر… الـــطـاعــــنــيــن بـالـــرمـاح الـســمـر

فلم تقتصر المجاورة بالأبدان، بل تعدتها إلى المجاورة الأدبية والتغني بها بالمعشوق والمحبوب.
وتجارة الإبل في بلادنا من أروج التجارات وأربحها وهناك قصص كثيرة عن بيع إبل بأثمان باهظة ولا سيما إذا كانت تستخدم للسباق.

ما أكرم الإبل علينا كلها خير لحمها ووبرها ولبنها وحليبها وخدمتها في قطع الفيافي دون شكوى حاملة أثقالنا ” إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ ”

وذكرت الإبل في مواضع عديدة من أمثال العرب ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

اتخذ الليل جملا، ومعناه: ركب الليل في حاجته، ولم ينم حتى أدركه، ومما ورد عن أبي عبدالله الحسين بن علي عليه السلام قوله لأصحابه: أنتم في حل من بيعتي، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وتفرقوا في سواده.

ولم تقتصر ملازمة هذه المخلوقات للإنسان على حياته اليومية والاستفادة منها في مأكله ومشربه وحله وترحاله والمتاجرة والمتعة بها. بل لازمته في ثقافته وأدبه وذهنه فراح يؤلف الكتب لدراسة حياتها كما ذكرنا أعلاه، ولعل من أشهر تلك الكتب الذي يعرفه جميعنا كتاب (حياة الحيوان الكبرى) لكمال الدين الدميري، و(كتاب الحيوان) للجاحظ، ومثل (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) لزكريا بن محمد القزويني.

ومن شدة عناية المسلمين بالخيل حيث جعلوا لها البراقع البديعة الجمال، والجلاجل المذهبة التي يملأ الجو أصوات أجراسها، وإطلاق الأسماء الجميلة عليها قديماً وحاضراً. ومن أسماء خيل جياد رسول الله صلى الله عليه وآله: السكب والمرتجز والورد. وألفت فيها الكتب، ومنها كتاب: (الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال) لمحمد بن رضوان، و(مطلع اليوم والإقبال في انتقاء كتاب الاحتفال واستدراك ما فاته من المقال) لعبد الله بن جزي.

وبين لنا القرآن الكريم جانباً من فلسفة خلقة هذه الكائنات والغرض من وجودها بيننا، جاء في قوله تعالى: ” ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون” الجمال ما يتجمل به ويتزين، والجمال: هو الحسن. وقد جمل الرجل – بالضم – جمالاً فهو جميل، والمرأة جميلة، وجملاء أيضا; عن الكسائي. وأنشد:

فــهي جــمــلاء كــبــدر طالـــع ** بــزت الــخــلــق جــمـيــعا بالـجـمال

وقول أبي ذؤيب:
جَـمـالَكَ أَيُّــها الـقَـلــبُ الــقَــريــحُ ** سَـتَــلـقى مَن تُــحِـبُّ فَــتَســتَريـحُ

وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بالأبصار موافق للبصائر. وقيل ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وذلك في المواشي حين تروح إلى المرعى وتسرح عليه. والرواح رجوعها بالعشي من المرعى، والسراح بالغداة; تقول:

سرحت الإبل أسرحها سرحاً وسروحاً إذا غدوت بها إلى المرعى فخليتها، وسرحت هي، ومنه قول الشاعر:

كــأنَّ بَــقايــا الأتْـنِ فَــوْقَ مُــتُـونِـهِ ** مـدَّبُّ الــدَّبىّ فَـوْقَ الــنَّــقا وَهْوَ ســارِحُ

لعل الشاعر يصف حمارًا وحشيًا. يقول : إن الأتن قد عضضنه، فتركن فوق متونة آثارًا، كانت كأنها طريق للدبى، وهو صغار الجراد. فوق النقا، وهو الكثيب الأبيض من الرمل.
ومما قيل فيها: ” وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ” أي جعلها لكم زينة تتزينون بها مع المنافع التي فيها لكم، للركوب وغير ذلك.

لا يمكننا إرجاع الساعة إلى الوراء ولكن مايزال الأنسان وثيق الصلة بطبيعته وبيئته حيث تمده بالتوازن الذي وضعه الله في الأرض، لذلك رأينا أسلافنا يعيشون معها في نفس المكان. كما أن مشهدنا الحاضر مليء بالدراسات العجيبة والمفيدة بالكلمة والأفلام الوثائقية التي تقدم فيه الإنسان تقدماً باهراً. إن الخوض في مثل هذه الدراسات جميل ومثير للاهتمام وله لذته ومذاقه الخاص.

اترك رداً