تنمية واستثمار الهواية

img
طه الخليفة
0 الوسوم:, ,

طه الخليفة

لا يعرف الكثيرون عن الأخوَان، جون وباتريك كوليسون، المؤسسين لشركة “Stripe”، التي تقدّر قيمتها بأكثر من ٩ مليار دولار، ويمتلك كل من الشقيقين ما يقدّر بحوالي ١،١ مليار دولار من أسهم الشركة. جون هو أصغر مليادير، صنع ثروته من الصفر، وعمره أقل من ثلاثين سنة، وباتريك يأتي ثالثاً (حارثان وليسا وارثان).

يعمل الآن أكثر من (٧٥٠) موظّف في شركة “Stripe”، ويتوقّع لها نمواً كبيراً، وهي تعمل على توفير حلول تسهّل عمليات السداد للتجارة الإلكترونيّة، بين الباعة والمشترين.

الأخوان جون وباتريك، كانا يعيشان في قرية صغيرة في أرياف أيرلندا، تُدعى “درومينير” قبل أن ينتقلا للدراسة الجامعيّة في أمريكا. تم قبول باتريك في معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا عام ٢٠٠٥م، وعمره ١٦ سنة، بعد أن أحرز المركز الواحد والأربعين في مسابقة للبرمجة. أمّا جون، فقد تم قبوله عام ٢٠٠٨م في جامعة “هارفارد”، بعد أن اجتاز امتحانات المرحلة الثانوية بأعلى معدّل على الإطلاق منذ بدايتها.

كان الأخوَان منذ صغرهما ومازالا مولعين بعالم البرمجة، فكانا يقومان بتطوير تطبيقات للهواتف الذكيّة، وبرامج أخرى. وقبل أن يبلغ الأخوَان سن العشرين، قاما بتطوير نظام (برنامج) لإدارة عمليات العرض،والبيع، و الشراء على منصة Ebay. تم بيع النظام بخمسة ملايين دولار في عام ٢٠٠٨م.

إن تجربة الأخوَين “كوليسون ” ملهمة من عدة نواحٍ، وسنحاول أن نذكر بعضها هنا:

١- امتلك الأخوَان هواية البرمجة، رغم أنهما لم يكونا يعيشان في بيئة قريبة من عالم التكنولوجيا، فهما ريفيّان أيرلنديّان.

٢- عمل الأخوَان على تنمية الهواية إلى الحد الذي جعل منهما خبيرين، ومبتكرين حتى قبل أن ينخرطا في الدراسة الجامعيّة. يقول خبراء التطوير المهني، أن الإنسان يحتاج إلى عشرة آلاف ساعة تدريب، وعمل في مجال ما، ليصل إلى الإتقان، والإبداع.

٣- لابد أن الأخوَين -في ممارسة هوايتهما- كانا يركزان على الجانب التطبيقي للابتكار، وحاجة العالم/السوق له، وأن تقبَل ابتكاراتهما لم تأتِ من محض الصدفة، وأنهما وضعا نصب أعينهما “استثمار الموهبة”.

٤- انتقل الأخوَان إلى بيئة محفّزة لتنمية الموهبة والمهارة، وقاما بتأسيس مقر لشركتهما في سيليكون فالي، “Silicon Valley”، عاصمة التكنولوجيا، وتقنية المعلومات.

٥- من الأرجح أن الأخوَين يمتلكان طموحاً قلّ نظيره، وانضباط إلى أقصى حدود، ولك أن تتخيل معي ماذا كان يمكن أن يحدث لشابّين دون العشرين من عمرهما، وفي حوزتهما ٥ ملايين دولار، بينما نجد أن الأخوَين كانا يستقّلان دراجتيهما للتنقل بين المنزل، والعمل، ويعملان على تطوير منتجات جديدة، تقيّم بأكثر من ٩ مليار دولار.

لا شكّ لدي أن مجتمعنا يملك الكثير من أصحاب الهوايات، والميول في مجالات متعددة، وعلينا أن نحرص على تنمية هذه الهوايات إلى الحد الذي يجعل منها منتجاً ذا بصمة خاصة، يفيد المجتمع والعالم، ويمكن أن يكون له عوائد استثماريّة

قد لا تكون الهواية في نفس مجال التخصص الأكاديمي، أو المهني، ولكنّها شغف قد زرعه الله في النفس. إن استكشاف هذا الشغف وتنميته، يجعل من الفرد سعيداً لأنّه يجد فيه المتنفّس من ضغوطات الحياة المتعددّة، والمتعة التي قد لا يجدها في أنشطة أخرى.

حالما يتطوّر الإنسان في إتقان الهواية، ويصل بها إلى الإتقان، والإبداع، سيجد سعادة غامرة في تقديمها للآخرين، وربما يكون لها عوائد مجزية، معنويّة، وماديّة للفرد والمجتمع.

اترك رداً