نص الغدير، ومرجعية علي(ع)

img
باقر الرستم
0 الوسوم:, ,

باقر الرستم

في غدير خم، وفي اجتماع ضم عشرات الألوف من الحجاج، وبأمرٍ من رسول الله (ص) قام (ص) خطيباً ليقول:

* (( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم؟ فقلنا بلى يارسول الله. قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه)).

* توطئة:

يسعى كل منا جاهداً ليثبت أصالة انتمائه العقدي، عبر مرجعية واضحة وصريحة، تمثل وعيه وخياراته، وتجيب عن كل إثارة يمكن أن يثيرها المختلف حول انتمائه أو أصالته.

ولتعدد الانتماءات وكثرتها في العالم الإسلامي، وما نراه من شحذ همم رؤسائها وأعيانها في الحديث عن انتمائهم وأصالتهم للنبي (ص)، يبرز الانتماء لعلي(ع) بشاهدٍ لا يختلف أحدٌ على صحته وقوته وتواتره، إلا من بالغ في التضعيف، ولم يلتزم بأسس علم الحديث في التصحيح والتضعيف، أو من لم يكن من أهل ذلك العلم، وهو حديث الغدير، في رسم صورة الانتماء إلى علي(ع)، وتأكيد أصالة ذلك الانتماء، وليس كما يدعي بعضهم في نسبة الشيعة إلى من لا يعرفونه هم، أو لا يؤمنون به.

* مرتبة الحديث:

مرتبة حديث الغدير من حيث الصحة والتواتر تأتي الأولى من بين ما صحت روايته عن النبي(ص).

وقد كثرت أقوال العلماء في صحته، ويصعب إيراد كل تلك الأقوال، وإنما لنا أن نكتفي بقولين في ذلك.

قال أبو محمد أحمد بن محمد العاصمي:

(( هذا حديث تلقته الأمة بالقبول، وهو موافق بالأصول…))، (( ثم رواه بطريق شتى)).

وقال: (( ابن المغازلي الشافعي المتوفى في كتابه ” المناقب ” بعد روايته الحديث عن شيخه أبي القاسم الفضل بن محمد الاصبهاني: قال أبو القاسم: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه نحو مائة نفس، منهم العشرة المبشرة، وهو حديث ثابت، لا أعرف له علة. تفرد علي بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد)).

* منطوق الحديث:
.
وهو يحمل مفهوماً ومنطوقاً في جعل عليٍ إماماً ومرجعاً، بدلالاته الواضحة، والتي لم يسعف التأويل في صرفه عن مدلوله الذي أفضى به ظاهره، وإلى جانب ذلك الظاهر، والقرائن المتقدمة للحديث، والمواكبة له، والمتأخرة عنه تفصح عن مرادٍ للنص في شأن خلافة النبي(ص) في أنه لا يؤدي عن النبي إلا رجل كنفسه، كما في حديث المؤاخاة (( أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّكَ لَسْتَ نَبِيًّا. إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلا وَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي)).

ومع أن هناك أحاديث ترتبت عليها عقائد، وليس لها ذلك التواتر ولا الصحة، ولا الوضوح، كحديث (( إن الله خلق آدام على صورته))، إلا أن حديث الغدير، فوق وضوحه، وصراحته، فإن الآية الشريفة قد قدَّمتْ له بعبارات غير معتادة، وغير مسبوقة، كما في قوله تعالي: (( يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس)).

وما جاء بعد هذا الحديث بصيغة إكثر شرحاً وتفصيلاًً، ورواه زيد بن أرقم بذلك الوضوح (( كأني دعيت فأجبت واني تارك فيكم الثقلين احدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي اهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؛ فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

ثم قال: إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن. ثم إنه أخذ بيد علي، فقال: من كنت وليه فهذا وليه… )).

فيما للآية، وصيغة الأمر فيها يدعم ذلك المعنى، وبوضوح كامل، وأنها لم تأتِ إلا لتؤكد تلك القيمة والمكانة الدينية والعقائدية والتاريخية لذلك الذي قدمه رسول الله (ص) في ذلك اليوم.

فلأول مرة يخاطب الله تعالى نبيه بـ: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)) أي: يا أيها الرسول؛ بلّغ..

(( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)).

إذ لا يوجد مثل هذا في مورد آخر، وقد جاء هذا الخطاب في آخر أيام النبي (ص).

قال ذلك بعد اثنين وعشرين عاماً من جهاده وكفاحه، وقد وصفه تعالى بقوله عنه: (( عزيزٌ عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)).

افتتاحه الكلام عن علي بقوله(ص):(( أولستُ أولى بكم من إنفسكم))، استناداً إلى قول الله تعالى:(( النبي أولى بالمومنين من أنفسهم))، إنما ليقول للناس: إن علياً فيكم وعليكم، كما هو أنا فيكم وعليكم، ليتناسب ذلك التبليغ مع قوله تعالى (( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)).

وكل ما جاء عن رسول الله (ص) في خطبة الغدير وتلك المناسبات المختلفة يؤكد على قضية الغدير، فلا يمكن أن يكون كما قال المؤِلون بأنه فعل كل ذلك من أجل أن يقول للناس: بأن علياً يحبكم، أو أن عليكم أن تحبوا علياً، وقد قال له في مكان ليس كهذا، ولا بذلك الجمع الكبير: (( يا علي، لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)).

* حديث الغدير تتويج لما سبق:

حديث الغدير هو تتويج لكل ما كان رسول الله (ص) يقوم به، ويوصي به في موارد ومناسبات كثيرة لا تُحصى، منذ حديث العشيرة، وليس انتهاءً بالغدير، ولكن الغدير هو الإعلان الرسمي لكل تلك المساعي، وقد جاء بأمر من الآية الشريفة (( بلّغ ما أنزل إليك من ربك)).

* هوية الانتماء في الغدير:

لذلك كان الحديث المتكرر من النبي، والمواقف المتكررة، والإلحاح الذي لا نظير له في أي قضية أخرى جعل من الغدير مرجعية، قادرة على رسم صورة وهوية المنتمي لها، في أنه منتمٍ للنص، ومتعبدٍ به، ويرسم كل خياراته، والتزاماته، وليس ما يقوله ذلك الزعم أن ذلك الانتماء لا دليل فيه، ولا حجة عليه.

أمير المؤمنين علي (ع) أيضاً تعامل مع حديث الغدير بنفس ما فهمه من قال بإمامته وأوليته ومرجعيته، وذلك عندما بويع بالخلافة، وذلك عندما بلغ الرحبة، وقد طالب شهود واقعة الغدير بأن يقوموا ويشهدوا بما رأوا وسمعوا، فقام ثلاثون صحابياًِ ليشهدوا أنهم شهدوا الواقعة، وسمعوا من رسول الله (ص) حديث من كنت مولاه.

ولا معنى لتلك الخطوة وخطوات مماثلة، كشكايته من الحسد، وخروج من خرج عليه، إذا كان تصنيفه رابعاً هو مقتضى حديث الغدير.

* بين حديث الغدير، وعلم علي:

وعلى ضوء ذلك فإن اعتماد إمامة عليٍ، ومرجعيته الدينية، والإيمان بإمامته، وممثليته للنبي (ص) لم يأتِ يتوقف على قرابته وقربه النسبي من رسول الله (ص)، وإنما لما تواتر عنه (ص) في الغدير وسواه من الموارد التي صحت ولا تُحصى، وما أظهره من علمٍ لا يقوله العيلم الذي يألفه عباقرة ونوابغ ذلك الزمان، وحتى العهود المتأخرة، وما ظهر منه من طُهرٍ، ومناقبية، وصفاء روحٍ خالصة لله تعالى، وقد شهد له رسول الله (ص) بها حين أراد أن يبعثه إلى خيبر: (( لأعطين الراية غداً رجلٌ يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)).

وفي الخندق حين برز لعمرو بن عبد ود العامري قال النبي (ص): (( برز الإسلام كله إلى الشرك كله)).

وفي علمه قال (ص): (( أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها)).. أي أن الوصول إلى علم رسول الله (ص) لا يكون إلا عن طريق علي(ع)؛ لانه باب تلك المدينة، وقد قال(ع): ((علمني رسول الله ألف باب من العلم، يُفتح لي من كل باي ألف باب)).

وقال (( سلونى قبل ان تفقدوني. سلونى عن كتاب الله تعالى، فما من آيه إلا وأنا أعلم حيث نزلت. بحضيض جبلٍ، أو سهل أرضٍ، وسلوني عن الفتن، فما من فتنه إلا وقد علمت من كسبها، ومن يقتل فيها)).

و(( عن سعيد بن المسيب قال:‏ ما كان أحد من الناس يقول:‏ سلوني غير علي بن أبي طالب)).

وتلك المكانة التي له بين المسلمين أكدها الصحابة، وحتى الخليفة عمر بن الخطاب قال عن الحاجة لعلم عليٍ: (( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن)) تشهد لعلمه ومرجعيته في الأمة.

وقال:(( ما أخذتُ من تفسير القرآن، فعن علي بن أبي طالب)).

و(( قال: عليٌّ عَلِمَ علماً علّمه رسول الله، ورسول الله علّمه الله فعِلم النبيّ من عِلم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ، وعلمي من علم عليّ (ع). وما علمي وعلم أصحاب محمّد (ص) في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر)).

وقال ابن مسعود: (( إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن)).

فقوله(ص): (( من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا بعدي)).

فكيف وقد جاء تأكيد رسول الله (ص) على مرجعيته من خلال ما قاله في كل تلك الموارد والمناسبات، وتوجها بخطبته الكبرى يو غدير خم.

* حديث الحسم:

ومع أننا لو افترضنا أنه لم يكن هناك حديثاً كحديث الغدير، ولا حديث الاتباع، ولا حديث باب مدينة العلم، ولكن ظهر ذلك العلم للناس، ونهلوا منه، فإنه من المؤكد سيكون مرجعاً في الناس، فيما بعضهم سلّم له لا لما قاله رسول الله (ص) في حقه، وإنما لما رأوه فبه، وحاجتهم لما عنده.

ولكن حديث الغدير جاء ليحسم مسألة اعتبار علي إماماً ومرجعاً بعد رسول الله (ص)، ليؤكد على أن علياً هو خيار النص، وممثله، وأن اعتماد الغدير كدليل وحجة في أن علياً مرجعاً هو أقوى من كل تلك الأدلة القائمة على الظن والاستحسان والترجيح والميل النفسي، والتي، أو الاكتفاء بالصحبة لتجعل أحدهم مرجعاً وإماماً في الدين والفقه للناس، فالصحبة وإن كانت شرفاً عظيماً، إلا أن الإمام والمطاع فيهم هو ذلك العالم الفقيه والبصير والذي قال عنه الله تعالى (( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ))، فكيف إذا كان ذلك الذي بمقام (( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)).

كثيرون هم مجتهدو الصحابة، كعبدالله بن عباس مثلاً، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد، وإن لم يؤثر عنهم فقهاً كما أُثر عن آخرين، وما أثر عن أبي بن كعب كحافظٍ للقرآن، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ولكن مرجع ابن عباس، وعمار وسلمان هو علي(ع)، والتفسير الذي يراه المسلمون حينها كما يقول ابن عباس هو عن علي، والقرآن الذي يُتلى- بقراءة عاصم- عن علي (ع).

ذلك هو مفهوم المرجعية التي أنتجها وشكلها ورسمها نص الغدير، ويصوِّبُ إليه قوله تعالى (( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ))، ليكون حجة قويةً وواضحة للقائلين بإمامة ومرجعية وأولوية علي، ولذلك لا يستطيع أحد أن يعيب عليهم ذلك، أو يعيب عليهم التزامهم به وبما يصدر عنه من قولٍ أو حكم.

* عليٌ مرجع من؟:

تداول القائلون بغير علي مقولة أنه لم يصح عن علي ما ادعاه القائلين بإمامته وحجية قوله، إلا أن ذلك ليس حجة، وهو لا يرى حجية قول عليٍ إزاء من قال بخلاف قوله، وقد ترك الأخذ عنه ليأخذ عن سواه، فيما لديه من الصحيح ما يكفي ما ثبت عن علي، وهو يرى رجحان قول ورأي وفقه غيره.

نعم، يمكن النظر في قوله فيما لو كان قول علي هو الأرجح لديه، ولكنه عندما يرى حجية قول سواه فإن اهتمامه وعنايته ورعايته في التثبت في تحصيل من يرى حجية قوله آكد وأشد من اهتمامه ورعايته في التثبت في معرفة ما يقوله ويراه علي.

وعلى ضوء ذلك لا تكون لدعواه قيمة في نفي ما نسبه القائلون بإمامة علي ومرجعيته عنه، وهو لم يبذل ذات الجهد للتثبت في صحة نسبة ما نسبوه إليه.

اترك رداً